هونغ كونغ | 128 قتيلاً في أسوأ حريق تشهده منذ عقود وموجة تضامن شعبي
استمع إلى الملخص
- أظهرت التحقيقات خللاً في أنظمة السلامة والإنذار، وتم توقيف ثمانية أشخاص للاشتباه في تورطهم في وقائع فساد تتعلق بأعمال ترميم المجمع.
- تفاعل المجتمع المحلي بشكل كبير مع الكارثة، حيث قدم المتطوعون الدعم وتم تنظيم جهود إغاثة واسعة، وأعرب الرئيس الصيني والبابا عن تعازيهما.
ارتفعت حصيلة القتلى جراء أسوأ حريق تشهده هونغ كونغ منذ عقود إلى 128 شخصاً بحسب رئيس جهاز الأمن، في وقت تواصل فيه فرق الإنقاذ جهودها لإخماد النيران والبحث عن نحو 250 مفقوداً داخل مجمّع "وانغ فوك كورت" السكني الذي أتت النيران على معظم مبانيه. وكانت حصيلة سابقة أشارت إلى مقتل 94 شخصاً على الأقل، ومن بين القتلى رجل إطفاء يبلغ من العمر 37 عاماً.
وقال متحدث باسم الحكومة في هونغ كونغ إنّ عناصر الإنقاذ عالجوا 76 مصاباً بينهم 11 من فوج الإطفاء. وبدأت التحقيقات لتحديد أسباب هذه الكارثة، وهي الأسوأ في المدينة التابعة للصين منذ نحو 80 عاماً وفق السلطات، بما في ذلك الدور المحتمل للسقالات المصنوعة من الخيزران. وفي اليوم التالي لاندلاع الحريق، أُخمدت النيران القوية التي التهمت أربعة من المباني السكنية، وفق ما أعلنت خدمات الطوارئ بعد ظهر أمس الخميس، وجرت السيطرة على الحرائق في ثلاثة مبانٍ أخرى، فيما بقي مبنى واحد في المجمع بمنأى عن النيران.
وقال نائب قائد شرطة هونغ كونغ، إريك تشان، في مؤتمر صحافي إنّه "من الضروري تسريع عملية الانتقال الكامل إلى السقالات المعدنية". وتُجري الشرطة تحقيقات في طريقة تمدّد النيران الهائلة بين ناطحات السحاب السكنية في هذه المنطقة التي تُعتبر من أكثر مناطق العالم كثافة سكانية.
وقالت لجنة هونغ كونغ المستقلة لمكافحة الفساد في بيان، إنّه "نظراً إلى التأثير الكبير الذي أحدثه الحريق لدى الرأي العام، شُكّل فريق عمل لإجراء تحقيق شامل في أعمال فساد محتملة بمشروع التجديد الأساسي لمجمّع "وانغ فوك كورت" السكني بمنطقة "تاي بو".
ومساء الجمعة، قالت اللجنة إنّه جرى توقيف ثمانية أشخاص للاشتباه بضلوعهم في وقائع فساد في أعمال ترميم ما مجموعه ألفَي مسكن جرى تشييدها في 1983 في حي "تاي بو" بشمال هونغ كونغ، وأوضحت في بيان أن الموقوفين هم سبعة رجال وامرأة تُراوح أعمارهم بين 40 و63 عاماً، لافتةً إلى أنّ الرجال هم مسؤولان في مكتب دراسات كلف أعمال الترميم ومشرفان على الورش وثلاثة مقاولين من الباطن ووسيط.
وأفادت وزارة العمل في هونغ كونغ، في بيان، بأنّ المقاول تلقّى سابقاً تنبيهات مكتوبة بشأن لوائح السلامة من الحرائق. ومع ذلك، لم يُشر البيان صراحةً إلى أيّ تقصير من جانبه في هذا الصدد.
وكشف قائد جهاز الأمن كريس تانغ أنّ 89 شخصاً لم يجرِ التعرّف إلى هوياتهم بعد، بالإضافة إلى أكثر من مئة مفقود و79 جريحاً، وأكد أن التحقيق لا يزال جارياً، وقد يستغرق ثلاثة أو أربعة أسابيع. وأوضح أنّ النتائج الأولية تشير إلى أنّ الحريق بدأ في الأجزاء السفلية من شبكة مصممة للحماية من الغبار والأجسام المتساقطة، وسهّل انتشاره استخدام الخيزران في السقالات ومواد قابلة للاشتعال مثل ألواح الرغوة (الفوم) لحماية النوافذ، وهي ممارسة شائعة في هونغ كونغ.
من جانبه، أكد رئيس جهاز الإطفاء في هونغ كونغ أندي يونغ وجود خلل في أنظمة السلامة. وقال للصحافيين إن فريقاً من الاختصاصيين أُرسِل إلى المباني إثر ورود إفادات عديدة بأن جرس الإنذار من الحريق لم ينطلق، وأضاف "تبيّن أن أنظمة الإنذار في المباني الثمانية لم تكن تعمل على نحوٍ صحيح"، مؤكداً بذلك روايات شهود كُثر.
وبعد أكثر من 40 ساعة، نجح مئات من عناصر الإطفاء بالسيطرة على الحريق قرابة الساعة العاشرة صباح اليوم الجمعة (02:00 بتوقيت غرينتش).
وتضامن المئات مع ضحايا الحادث الذي طاول مجمّعاً يضمّ ثمانية مبانٍ من 31 طبقة تخضع لأعمال تجديد. وقال ستون نغاي (38 عاماً)، أحد منظمي مركز إغاثة مؤقت، "إنّه لأمر مؤثر، إذ تتجلى روحية هونغ كونغ في مساعدة الآخرين عندما يكونون في مأزق، فيتكاتف الجميع حولهم".
وكانت الشرطة قد أعلنت توقيف ثلاثة أشخاص بعد العثور على مواد قابلة للاشتعال خلال أعمال الصيانة، ما أدّى إلى انتشار الحريق بسرعة. وبحسب الشرطة، يُشتبه في ارتكابهم "إهمالاً كبيراً".
واندلع الحريق الأربعاء قبيل الساعة 15,00 (7,00 بتوقيت غرينتش) في منطقة "تاي بو" في شمال المدينة. واجتاحت النيران التي يُحتمل أن تكون غذّتها سقالات من الخيزران ومواد صناعية مُستخدمة في أعمال التجديد، سبعة من الأبراج السكنية الثمانية في المجمّع الذي افتُتح عام 1983، ويضمّ 1,984 شقة.
وبحسب السلطات، شارك أكثر من 1,200 شخص في عمليات الإنقاذ. كذلك، أفادت القنصلية الإندونيسية بمقتل مواطنين إندونيسيين، هما عاملان منزليان. وأشار نائب مدير هيئة الإطفاء، ديريك أرمسترونغ تشان، إلى صعوبة عمليات الإنقاذ في ظل درجات الحرارة المرتفعة جدّاً، ولا سيّما صعوبة الوصول إلى بعض الطوابق.
وأوضح رجل يُدعى سوين أنّ "الحريق انتشر بسرعة هائلة"، مضيفاً: "لاحظتُ استخدام خرطوم مياه واحد لإطفاء مبانٍ عدّة، فظننتُ أنّها عملية بطيئة جدّاً". وتابع: "كنا نقرع أجراس الأبواب، وندقّ بقوة، ونُنبّه الجيران، ونطلب منهم إخلاء شققهم، هكذا تعاملنا مع الموقف".
وأشار يوين (65 عاماً) الذي يقطن في المجمّع منذ أكثر من 40 عاماً، إلى أنّ عدداً كبيراً من جيرانه كبار في السنّ وقدرتهم على الحركة محدودة. وقال إنّ "البعض لم يعلموا باندلاع حريق، واضطرّ جيرانهم إلى إبلاغهم هاتفيّاً. إنّني محطّم".
وقد استُقبل أكثر من 900 شخص جرى إجلاؤهم في ملاجئ موقتة، حيث قدّم إليهم متطوّعون الدعم المعنوي والبطانيات. واستقبلت الملاجئ طوال الليل أشخاصاً أبلغوا عن اختفاء أفراد من عائلاتهم. وكان عدد منهم جالساً بحالة ذهول، يُحدّقون بعيون دامعة في شاشات هواتفهم المحمولة، مترقبين أخباراً عن أحبّائهم.
تتصفّح المتقاعدة كوك (69 عاماً) مواقع التواصل الاجتماعي بالقرب من المجمّع السكني الذي اجتاحه الحريق، فهي أنقذت جارتها من النيران الأربعاء، لكنها تخشى على كل الذين لم تصلها أي أخبار عنهم. وقالت كوك إنّها رأت "النيران تقترب، كانت حمراء، وكان قلبي يحترق أيضاً". فكان أن سارعت إلى طرق أبواب جيرانها لإبلاغهم بالحريق. وأوضحت أنّها لم تسمع أيّ إنذار، وقد دمّر الحريق شقتها. وأشارت إلى أنّها تذكّرت جارتها المسنّة المقعدة على كرسي متحرك، فسارعت إلى منزلها لإجلائها. ونجحت في إنقاذها قبل أن تلتهم النيران شقتيهما.
وفي الساعات الأولى من الصباح، وبينما كانت النيران تخبو، تجمّع أشخاص في شوارع منطقة تاي بو ومتنزهاتها لمعاينة الأضرار. وقال كثيرون إنّهم قضوا ليلتهم من دون نوم. وأشارت كوك إلى أنّ السكان نظموا أنفسهم في مجموعات عبر تطبيق واتساب للتواصل في ما بينهم. وأضافت: "هناك ثلاثة أشخاص على الأقل لا نستطيع التواصل معهم. نحن قلقون جدّاً، وسنواصل البحث عنهم".
وعلى غرارها، قدّم عدد كبير من سكان الحي، سواء كانوا متضرّرين من الكارثة أو لا، خدماتهم للآخرين، ما أدّى إلى تشكيل شبكة مساعدة ديناميكية. وتداولوا إلكترونياً جدول بيانات سرعان ما تحوّل إلى تطبيق فعّال يتيح لأيّ شخص الإبلاغ عن سلامته.
وبحلول صباح أمس الخميس، بقيت عشرات الأسماء مظلَّلة بالأحمر، في إشارة إلى أن أصحابها ما زالوا بحاجة إلى المساعدة. وقالت ليونغ (70 عاماً) التي تسكن بالقرب من المجمّع، إنّها "قلقة جداً" على صديقة تسكن في أحد المباني التي التهمتها النيران. وأضافت المرأة التي كانت ضمن مجموعة جرى إجلاؤها احترازياً، وقضت ليلتها في مأوى موقت: "حاولتُ الاتصال بها مرات عدة، لكن من دون جدوى".
وتابعت: "عدتُ إلى المنزل عند الخامسة صباحاً لأنّني لم أستطع النوم". ووزّع متطوّعون الموز ومشروبات الطاقة على عناصر الإطفاء، وقدّموا ملابس وأجهزة شحن ومواد غذائية للمتضرّرين".
وعلى رصيف يرتاده عادة كبار السن للاسترخاء بعد الظهر، بالقرب من مكان الحريق، يفرز العشرات قطع ملابس تمّ التبرّع بها. وقد استقلّت الطالبة تشانغ (24 عاماً) القطار لأكثر من ساعة بهدف تقديم المساعدة. وقالت، وهي ترتّب الملابس: "شعرتُ بحزنٍ شديد عندما سمعتُ الخبر. إنّ وجود شخص إضافي للمساعدة أفضل دائماً. ربّما يُخفف ذلك من ألمي".
لطالما شكّلت الحرائق مشكلة في هونغ كونغ، ولا سيّما في الأحياء الفقيرة، وقد جرى تخفيف تدابير السلامة المشدّدة خلال العقود الأخيرة. بينما يرتفع خطر الحرائق لأنّ هونغ كونغ التي تضمّ 7,5 ملايين نسمة، يبلغ متوسط الكثافة السكانية فيها أكثر من 7,100 نسمة لكل كيلومتر مربّع. ويرتفع هذا الرقم ثلاث مرات في المناطق الأكثر تمدّناً. ونظراً إلى صغر مساحة المنطقة، شهدت العقود الأخيرة تشييد عدد كبير من ناطحات السحاب، بعضها يتجاوز 50 طبقة.
وقدّم الرئيس الصيني، شي جين بينغ، تعازيه إلى أسر الضحايا، داعياً إلى بذل كل جهد ممكن "لإخماد الحريق وتقليل الخسائر البشرية والمادية"، بحسب قناة "سي سي تي في" الرسمية. وأعرب البابا لاوون الرابع عشر عن "تضامنه الروحي مع كلّ من يعانون" جراء الحريق في هونغ كونغ، "وخصوصاً المصابين وأسر الضحايا".
شكّل الحريق صدمة في المدينة الآسيوية التي تُعتبر مركزاً مالياً عالمياً، إذ يُعدّ الأسوأ في هونغ كونغ منذ العام 1948، عندما أدّى انفجار أعقبه حريق إلى مقتل 135 شخصاً.
(فرانس برس)