استمع إلى الملخص
- أنشأت وزارة الصحة الفلسطينية والجهات الإنسانية نقاط طبية ميدانية لتقديم الإسعافات الأولية والرعاية في ظل الانهيار الصحي، بهدف تخفيف الضغط عن المستشفيات الكبيرة.
- تقدم النقاط الطبية، التي بلغ عددها 200 في بعض الأوقات، خدمات متنوعة مثل وقف النزيف وتثبيت الكسور، مما يساهم في تخفيف معاناة النازحين ودعم المستشفيات المنهكة.
منذ الأيام الأولى من الحرب التي يشنّها الاحتلال الإسرائيلي على الفلسطينيين في قطاع غزة المحاصر، راحت قواته تستهدف المنظومة الصحية بمختلف الأساليب، وذلك في سياق عملية تدمير ممنهجة لا توفّر أيّاً من القطاعات الحيوية.
ما زالت حصيلة الجرحى والشهداء الذين يسقطون في قطاع غزة ضحية آلة الحرب الإسرائيلية تتزايد يوماً بعد يوم، أو بالأحرى ساعة بعد ساعة، منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. ودفع ذلك وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة والجهات الإنسانية الناشطة فيه إلى إنشاء نقاط طبية ميدانية لتقديم خدمات أساسية، من بينها الإسعافات الأولية للمصابين في عمليات الاستهداف الإسرائيلية وخدمات الرعاية الأولية للمرضى الذين يحتاجون إليها، في ظلّ الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية في القطاع بفعل حرب الإبادة المتواصلة منذ أكثر من 22 شهراً.
وتمثّل هذه النقاط الطبية بدائل معقولة لآلاف الجرحى والمرضى في ظلّ استهداف الاحتلال الممنهج للمستشفيات والمراكز الصحية ومراكز الرعاية الأولية في القطاع المحاصر. ويعمل في هذه النقاط أطباء وممرّضون بإمكانات محدودة، يسابقون الزمن لإنقاذ الأرواح والتخفيف من الضغط عن مؤسسات صارت عاجزة عن استيعاب الأعداد الضخمة من محتاجي الخدمات سواء المرضى أو الجرحى، خصوصاً هؤلاء الذين يُستهدَفون في الأماكن التي تُعتمَد من "مؤسسة غزة الإنسانية" في آلية توزيع المساعدات المدعومة إسرائيلياً وأميركياً التي وصفتها الأمم المتحدة بأنّها "فخّ" في أكثر من مناسبة.
إذاً، عمد الاحتلال إلى استهداف المنشىآت الطبية في قطاع غزة بصورة مباشرة منذ الأيام الأولى من حربه المدمّرة، من خلال قصفها ومحاصرتها واجتياحها وتعطيلها وتدميرها واعتقال عاملين فيها أو قتلهم، الأمر الذي تسبّب في خروج أكثر من 70% من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة، وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية في القطاع. وهو ما يمثّل خرقاً واضحاً لكلّ القوانين الدولية التي تحظر استهداف المنشآت الطبية والصحية في أوقات النزاع.
وتفيد بيانات المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة بأنّ الاحتلال استهدف 37 مستشفى و80 مركزاً صحياً وأخرجها عن الخدمة، كذلك استهدف 162 مؤسسة صحية مختلفة. ومن أبرز المستشفيات المستهدفة في شمال قطاع غزة مجمّع الشفاء الطبي في مدينة غزة بمحافظة غزة، أبرز المنشآت الطبية في القطاع ككلّ، بزعم أنّه يضمّ مقرّ قيادة حركة حماس، الأمر الذي لم تثبت صحته. كذلك استهدف مستشفيات أساسيّة في المنطقة الشمالية مثل مستشفى كمال عدوان والمستشفى الإندونيسي في بيت لاهيا بمحافظة شمال غزة، ومستشفى العودة في جباليا بالمحافظة نفسها، إلى جانب مجمّع ناصر الطبي في محافظة خانيونس جنوبي القطاع وغيرها من المنشآت بمختلف الوسائل.
وفي قلب مدينة غزة، استحدثت وزارة الصحة الفلسطينية في مايو/ أيار 2024 قسم طوارئ بديلاً في عيادة الشيخ رضوان، مع توقّف مستشفيات المنطقة وزيادة الأعباء الملقاة على عاتق مجمّع الشفاء الطبي وتراجع قدرته على التعامل مع الأعداد الكبيرة من الإصابات.
يقول رئيس التمريض في قسم طوارئ عيادة الشيخ رضوان حسن سمور لـ"العربي الجديد"، إنّ "القسم يعمل على مدار الساعة لتغطية كلّ الحالات الطارئة، سواء تلك الناتجة عن القصف أو عمليات الطعن والحوادث أو التدافع للحصول على المساعدات التي تسقطها المناطيد، بالإضافة إلى حالات باطنية وقلبية وصدرية". ويوضح سمور أنّ "القسم يضمّ 12 سريراً ويقدّم خدمات تشمل استقبال مرضى، وتثبيت كسور، ورتق جروح، وتقديم الإسعافات الأولية"، مشيراً إلى أنّه "يستقبل يومياً ما بين 200 و250 حالة طارئة". ويتحدّث عن "ضغط هائل على الكادر التمريضي، إذ إنّ عدد المناوبين ستّة فقط، إلى جانب ثلاثة أطباء فقط".
ويبيّن سمور أنّ "نقص الموارد والمستلزمات الطبية يجعل تقديم الخدمات العلاجية صعباً جداً، على الرغم من ارتفاع حجم الإصابات بسبب الاستهدافات اليومية وتفاقم الأوضاع في قطاع غزة"، لافتاً إلى أنّ "إنشاء نقاط طبية إضافية ساعد في تخفيف الضغط على المستشفيات الكبيرة، مثل مجمع الشفاء الطبي، إذ أدّى نقل عدد من الحالات إلى زيادة القدرة الاستيعابية بنسبة تصل إلى 60%، مقارنة بوضعها السابق". ويؤكد الممرّض الفلسطيني أنّ "المنظومة الصحية في قطاع غزة تعاني منذ بداية الحرب من تدهور حاد نتيجة الاستهداف المتكرّر للمستشفيات والمراكز الصحية، الأمر الذي يجعل العمل في نقاط الطوارئ أمراً بالغ الصعوبة ويستدعي دعماً عاجلاً لتأمين المعدّات والكوادر اللازمة لإنقاذ الأرواح".
من جهتها، تعمل الممرّضة إسلام حبوش في النقطة الطبية التابعة لمستشفى الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني للتأهيل والأطراف الصناعية غربي مدينة غزة، المموّل من صندوق قطر للتنمية، فتقول لـ"العربي الجديد" إنّ "هذه النقطة أُنشئت قبل نحو شهرَين بالقرب من منطقة زيكيم شمالي القطاع، وهي خطّ دفاع أوّل لتقديم الإسعافات العاجلة للجرحى قبل نقلهم إلى مستشفيات في القطاع، وسط صعوبة الوصول السريع إلى مراكز العلاج الكبيرة". وتوضح حبوش أنّ "أبرز الخدمات التي تقدّمها النقطة تتمثّل في وقف النزيف، وإنعاش القلب والرئتَين، وتثبيت الكسور في الإصابات البالغة، خصوصاً تلك التي تتركّز في الرأس والصدر والظهر"، مشيرةً إلى أنّ "الحالات التي تصل إلى النقطة تكون بمعظمها خطرة وتحتاج إلى تدخّل عاجل لا يحتمل التأجيل".
تضيف حبوش أنّ "القدرة الاستيعابية لهذه النقطة محدودة مع أربعة أسرّة فقط، لكنّ الطاقم المؤلّف من طبيب وعدد من الممرّضين يضطرّ إلى التعامل مع كلّ الحالات الواردة مهما بلغ عددها، حتى لو استدعى الأمر تقديم العلاج على الأرض". وتلفت حبوش إلى أنّ "النقص الحاد في المستلزمات الطبية يضطرنا أحياناً إلى ترشيد الاستهلاك ووضع أولويات دقيقة لتجنّب انقطاع الخدمة"، مشدّدةً على أنّ "هدفنا الأساسي هو مساندة المستشفيات المنهكة، والحفاظ على حياة الجرحى إلى حين حصولهم على الرعاية المتخصّصة".
وتتابع الممرّضة الفلسطينية أنّ "هذه النقطة الطبية تضمّ غرفة أشبه بقسم للعناية المركّزة، مجهزة بأدوات خاصة وعدد من العلاجات الأساسية، الأمر الذي يسمح بالتعامل مع الحالات الحرجة إلى حين نقلها. كذلك تقدّم خدمات رعاية أولية للحالات الأقلّ خطورة". وتوجّه حبوش "مناشدة عاجلة لتوفير الدعم والمعدّات الطبية"، مؤكدة أنّ "استمرار النقطة الطبية في عملها هو مسألة حياة أو موت بالنسبة إلى كثيرين من الجرحى في هذه المنطقة الحدودية".
وتشير حبوش إلى امرأة من كبار السنّ على كرسيّ متحرك في النقطة الطبية التابعة لمستشفى حمد، تتلقّى خدمة رعاية أولية. وتوضح أنّها "تعاني من انخفاض في ضغط الدم، وتحتاج إلى محلول وريدي لتنظيم الضغط. ونحن قدّمنا لها الخدمة الطبية اللازمة، لتسهيل الأمر عليها بدلاً من أن تتوجّه إلى مراكز صحية بعيدة، علماً أنّها نازحة وجدت لها مأوى في المنطقة المحيطة بالمستشفى".
بدوره، يروي الفتى أحمد الطناني البالغ من العمر 15 عاماً لـ"العربي الجديد"، أنّه "أصيب برصاصة في قدمه اليمنى في أثناء وجودي على مقربة من منطقة زيكيم شمالي القطاع، وقد نُقلت مباشرة إلى نقطة حمد الطبية حيث جرى تثبيت قدمي المكسورة ووقف النزيف". يضيف: "لولا تدخّل الطاقم في النقطة الطبية لكان النزيف أودى بحياتي ربّما". ويلفت الفتى الفلسطيني إلى أنّه بعد ذلك راح يتلقّى العلاج في مجمّع الشفاء الطبي.
في سياق متصل، يقول مدير وحدة المعلومات الصحية لدى وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة زاهر الوحيدي لـ"العربي الجديد" إنّ النقاط الطبية التي أُنشئت منذ بداية الحرب الإسرائيلية على غزة باتت تمثّل شبكة بديلة لتقديم الرعاية الأولية والإسعافات في ظلّ تدمير واسع لمراكز الرعاية والمستشفيات". ويوضح الوحيدي أنّ "عدد النقاط الطبية تراوح في الأشهر الماضية بين 100 و160 نقطة، علماً أنّه تخطّى في بعض الأوقات 200 نقطة"، لكنّه يبيّن أنّ العدد "انخفض في أغسطس/ آب الجاري إلى 112 نقطة فقط بسبب أوامر الإخلاء الإسرائيلية التي استهدفت مناطق واسعة".
ويوضح الوحيدي أنّ "هذه النقاط، إلى جانب ثمانية مستشفيات ميدانية عاملة في قطاع غزة، تقدّم خدمات الرعاية الأولية مثل الكشف الطبي للأطفال في إطار رعاية صحة الأم والطفل، ومتابعة الحوامل، وكذلك متابعة حالات سوء التغذية البسيطة والمتوسطة، بالإضافة إلى خدمات الفحص والعلاج الأولي للأمراض المزمنة والجلدية والإسهالات المنتشرة بين النازحين".
ويتحدّث مدير وحدة المعلومات الصحية لدى وزارة الصحة الفلسطينية في قطاع غزة عن "ثلاث نقاط طوارئ رئيسية، في الشيخ رضوان بمدينة غزة وفي بلدة القرارة بمحافظة خانيونس، وأخرى في نطاق مستشفى حمد المموّل من صندوق قطر للتنمية بالقرب من زيكيم"، شارحاً أنّها "تستقبل الجرحى وتوفّر الإسعافات الأولية العاجلة لهم، من قبيل وقف النزيف وتثبيت الكسور، قبل نقل الحالات التي تحتاج إلى تدخّلات جراحية إلى المستشفيات". لكنّ الوحيدي يشدّد على أنّ "هذه النقاط الطبية لا تعوّض المستشفيات المتخصّصة، إنّما تُعَدّ امتداداً لمراكز الرعاية الأولية التي تعرّض 157 منها للتدمير أو التوقّف عن الخدمة، ولم يتبقَّ من مجموعها إلا 61 مركزاً فقط (تسعة مراكز تابعة لوزارة الصحة، وستّة لوكالة أونروا، و40 مركزاً أهلياً).
ويتابع الوحيدي أنّ "توزّع النقاط الطبية في مناطق متفرّقة في قطاع غزة من شأنه أن يسهّل وصول النازحين إلى الرعاية الأولية من دون الحاجة إلى قطع مسافات طويلة، الأمر الذي يخفّف من معاناتهم وفي الوقت نفسه يخفّف جزءاً من العبء عن المستشفيات التي تستقبل الأعداد الضخمة من الإصابات الناتجة عن الاستهدافات اليومية". وشدّد على أنّ "استمرار عمل هذه النقاط الطبية يمثّل ضرورة إنسانية وصحية قصوى في ظلّ الانهيار المتواصل للمنظومة الصحية في قطاع غزة".