نفايات الأردن... الإلقاء العشوائي خلل في الاستهلاك والمعيشة

15 يناير 2026   |  آخر تحديث: 15:18 (توقيت القدس)
ينتشر الإلقاء العشوائي للنفايات في الأردن، عمّان، 18 سبتمبر 2012 (ستيفن بويتانو/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه الأردن تحدياً بيئياً كبيراً بسبب الإلقاء العشوائي للنفايات، حيث تنتشر في الأماكن العامة، وتبلغ كمية النفايات الصلبة البلدية حوالي 2.7 مليون طن سنوياً. تسعى الحكومة لتفعيل عقوبات صارمة تشمل غرامات وحبس للحد من هذه الظاهرة.

- يشمل البرنامج التنفيذي تكثيف أعمال النظافة، وتركيب كاميرات لرصد المخالفات، وإطلاق نظام إلكتروني لأتمتة المخالفات. يواجه الأردن تحديات في إدارة النفايات بسبب نقص الحاويات وضعف كفاءة الجمع.

- تؤكد الجهات البيئية على أهمية الشراكة بين الحكومة والمجتمع المدني لتغيير السلوكيات المتعلقة بالنفايات، مع التركيز على التوعية وتطبيق القانون بحزم.

يعوّل خبراء وبيئيون في الأردن على البرنامج الوطني للحدّ من الإلقاء العشوائي للنفايات، مؤكّدين أن الحل يكمن في تطبيق صارم للقانون، وإصلاح منظومة إدارة النفايات، وتغيير السلوك ونمط الاستهلاك.

يُعدّ الإلقاء العشوائي للنفايات في الأردن ظاهرة مقلقة وتحدّياً بيئياً كبيراً، إذ اتّسعت هذه الظاهرة وانتشرت في العديد من الأماكن العامة، مثل المتنزهات والشوارع الفرعية والمواقع الأثرية، داخل المدن وخارجها.

وبحسب الموقع الرسمي لوزارة البيئة الأردنية، يبلغ معدل الإنتاج السنوي للنفايات في المملكة نحو 2.7 مليون طن من النفايات الصلبة البلدية (المخلفات اليومية غير الخطرة)، إضافة إلى ما يعادل 2.745 طناً من النفايات الطبية، و45 ألف طن من النفايات الصناعية الخطرة. وتغطي خدمة جمع النفايات الصلبة البلدية نحو 90% من المناطق الحضرية، و70% من المناطق الريفية، وتشكل النفايات العضوية ما نسبته 50% من إجمالي حجم النفايات البلدية، في حين تبلغ نسبة المواد البلاستيكية القابلة لإعادة التدوير 15%. وتزداد كميات النفايات في المملكة باستمرار نتيجة ارتفاع النمو السكاني.

وتتجه الحكومة الأردنية إلى تفعيل عقوبات وغرامات الإلقاء العشوائي للنفايات، والتشدّد في تطبيقها، إذ ينصّ القانون الإطاري لإدارة النفايات لسنة 2020 على عقوبات تبدأ من 50 ديناراً أردنياً (70 دولاراً) وتصل إلى ألف دينار (1400 دولار)، إضافة إلى الحبس مدة لا تقل عن أسبوع لمرتكبي هذه الأفعال، مع مضاعفة العقوبة في حال تكرارها.

ووفقاً للقانون، يُعاقَب بغرامة لا تقل عن 50 ديناراً ولا تزيد على 500 دينار (نحو 700 دولار) كل شخص يقوم بطرح المخلفات أو المياه القذرة أو النفايات السائلة أو الآلات الخربة أو الأخشاب أو مخلفات تقليم الأشجار أو الأعشاب أو الأتربة أو الطمم أو مخلفات البناء، في الشوارع أو على الأرصفة، أو في أيّ مكان آخر، بصورة تُلحق الضرر بالصحة العامة أو تُسبب الأذى للآخرين، وفي حال تكرار المخالفة تُضاعف الغرامة.

كما يُعاقب بغرامة لا تقلّ عن 50 ديناراً ولا تزيد على 500 دينار، كل شخص قام بطرح أي نفايات أو أشياء أخرى في غير الأماكن المخصّصة لها، أو في الشارع العام، أو الحدائق، أو مجاري السيول، أو بالقرب من السدود أو مصادر المياه أو الآبار الارتوازية، أو في المناطق الخاصة (السياحية، الأثرية، الدينية وغيرها)، أو في المباني العامة والدوائر والمؤسّسات الحكومية، أو المنشآت الرياضية، أو الموانئ والمطارات، أو المراكز التجارية، وفي حال تكرار المخالفة تُضاعف الغرامة.

ويُعاقب بالحبس مدة لا تقلّ عن أسبوع ولا تزيد على شهر، أو بغرامة لا تقل عن 100 دينار (141 دولاراً) ولا تزيد على ألف دينار، أو بالعقوبتين معاً، كل من يقوم بطرح أي نفايات أو أشياء أخرى في المحميات الطبيعية والمتنزهات الوطنية.

الصورة
تعاني البلديات من نقص الحاويات، عمّان، 29 مايو 2023 (Getty)
تعاني البلديات من نقص الحاويات، عمّان، 29 مايو 2023 (Getty)

وقال وزير البيئة الأردني، أيمن سليمان، في تصريحات أخيرة، إنّ البرنامج التنفيذي للحد من الإلقاء العشوائي للنفايات لعامي 2026–2027 يشمل تكثيف أعمال النظافة العامة في المدن والقرى، وأماكن التنزه، والمواقع الأثرية، والغابات، والأراضي الزراعية والحرجية. وأوضح أنه سيجري تطبيق مذكرة تفاهم موقّعة مع وزارة العدل للإشراف على تنفيذ بدائل العقوبات السالبة للحرية، من خلال برامج تحسين النظافة في مختلف المواقع، إلى جانب تركيب 300 كاميرا متحركة لرصد المخالفات، منها 50 كاميرا داخل العاصمة عمّان، و250 كاميرا في المحافظات، إضافة إلى إطلاق نظام إلكتروني لأتمتة المخالفات، وربطه بأجهزة محمولة.

وقال رئيس اتحاد الجمعيات البيئية في الأردن عمر الشوشان، لـ"العربي الجديد"، إنّ مشكلة الإلقاء العشوائي للنفايات في الأردن لم تعد مرتبطة بضعف الخدمات البلدية فحسب، بل باتت تعبيراً واضحاً عن خلل في النمط الاستهلاكي والمعيشي، وارتفاع غير منضبط في إنتاج واستخدام الأكياس البلاستيكية، مقابل منظومة رقابة وإدارة لم تواكب هذا التحول.

وأضاف الشوشان أن سلوك الاستهلاك تغيّر خلال السنوات الأخيرة باتجاه المنتجات الجاهزة والتغليف المفرط، ما أدى إلى تضاعف كميات النفايات، خصوصاً البلاستيكية منها، من دون توسّع موازٍ في البنية التحتية أو أنظمة الجمع والفرز، مشيراً إلى أن الأكياس البلاستيكية أحادية الاستخدام أصبحت المكوّن الأبرز في النفايات الملقاة عشوائياً، نظراً لرخصها وخفّة وزنها وغياب الرقابة الفاعلة على إنتاجها وتداولها.

وأوضح الشوشان أنّ البلديات تعاني من نقص الحاويات وعدم عدالة توزيعها، وضعف كفاءة الجمع وتقادم الآليات، وغياب أنظمة الفرز من المصدر، كما أن رمي النفايات في الفضاء العام ما زال سلوكاً مُطبّعاً في ظل ضعف الردع المجتمعي والفجوة بين التوعية والتطبيق، وتابع: "أما اقتصادياً، فتُثقل كلفة إدارة النفايات موازنات البلديات، في وقت يغيب فيه أي حافز حقيقي للتقليل من الإنتاج أو التدوير، كما أن المعالجات العاجلة تبدأ بتشديد الرقابة وتطبيق الغرامات، وضبط إنتاج واستخدام الأكياس البلاستيكية، وتحسين خدمات الجمع في النقاط الساخنة"، وشدّد الشوشان على أن الحل الجذري يكمن في إصلاح منظومة إدارة النفايات، وتغيير نمط الاستهلاك، وفرض بدائل مستدامة، وربط السلوك الفردي بمسؤولية قانونية واقتصادية واضحة.

بدورها، قالت الرئيسة التنفيذية ونائبة رئيس مجلس إدارة شبكة العمل المناخي – الأردن، دعاء الديرباني، إنّ الإلقاء العشوائي للنفايات لا يمكن اعتباره مجرد رأي انطباعي، لكنه لا يعكس ثقافة المجتمع الأردني ككل، إذ إنّ ما نراه هو سلوكيات فردية تتكرر في مواقع محدّدة، ما يجعلها تُوصَف بالظاهرة من حيث التكرار والأثر، لا من حيث القبول المجتمعي.

وحول الأثر البيئي للإلقاء العشوائي للنفايات، بيّنت الديرباني أنّ الأثر يتجاوز البُعد الجمالي بكثير، ليشمل تلوث التربة والمياه الجوفية، وانسداد مجاري السيول وارتفاع مخاطر الفيضانات، إضافة إلى آثار صحية مرتبطة بالحشرات والقوارض، وانعكاسات اقتصادية غير مباشرة، خصوصاً على قطاعَي السياحة والزراعة. وتحدثت عن الفرق بين أنواع النفايات من حيث الضرر؛ فالنفايات العضوية تلوّث التربة والمياه وتسبب مشكلات صحية، فيما تُعد النفايات البلاستيكية من أخطر الملوثات طويلة الأمد، إذ تؤثر على السلسلة الغذائية، بينما تسدّ مخلفات البناء والهدم مجاري السيول وتشوّه الأراضي، وتشكل النفايات الإلكترونية خطراً صحياً مباشراً.

الصورة
تشكل النفايات البلاستيكية أزمة حقيقية في الأردن، عمّان، 17 مايو 2022 (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)
تشكّل النفايات البلاستيكية أزمة حقيقية في الأردن، عمّان، 17 مايو 2022 (خليل مزرعاوي/ فرانس برس)

ورأت الرئيسة التنفيذية لشبكة العمل المناخي في الأردن أنّ الحد من الإلقاء العشوائي للنفايات مسؤولية تشاركية، إذ يتحمل بعض الأفراد مسؤولية السلوكيات المخالِفة، ويتحمل القطاع الخاص جزءاً من المسؤولية في حالات التخلص غير القانوني من المخلفات، فيما ترتبط مسؤولية البلديات بالإمكانات والقدرة التشغيلية، ودور أجهزة إنفاذ القانون بالردع وتطبيق القانون. وأشارت إلى أن وزارة البيئة تشكل المظلة الوطنية للعمل البيئي، ودورها محوري في وضع السياسات الوطنية، والتنسيق بين الجهات الحكومية والبلديات، ومتابعة تنفيذ البرامج، وتعزيز الرقابة البيئية، لافتةً إلى وجود اهتمام جدي بهذا الملف، سواء على مستوى القيادة أو الأطر الفنية في الوزارة.

وأضافت الديرباني أنه لا يمكن إغفال دور المجتمع المدني، إذ تمتلك الجمعيات البيئية والناشطون خبرة ميدانية، وهي جهات قريبة من المجتمعات المحلية، ما يجعلها عنصراً أساسياً في تغيير السلوك، مؤكدةً أهمية استثمار هذه الطاقات ضمن إطار منظم، باعتبارها من الشركاء الاستراتيجيين لوزارة البيئة في تنفيذ البرامج الوطنية.

وأكّدت أن تغيير السلوك لا يتحقق بالتوعية وحدها ولا بالعقوبات وحدها، بل من خلال تطبيق القانون بحزم وعدالة، إلى جانب التوعية المستمرة، مشيرةً إلى أن البُعد الديني والأخلاقي حاضر بوضوح، ويكفي التذكير بأن إماطة الأذى عن الطريق صدقة، 
وشدّدت الديرباني على أنّ الحد من الإلقاء العشوائي للنفايات يتطلب اهتماماً وطنياً واسعاً، ودوراً تنسيقياً فاعلاً لوزارة البيئة، وتطبيقاً جادّاً للقانون، وشراكة حقيقية مع المجتمع المدني لتغيير السلوك على المدى الطويل.

المساهمون