نشطاء الحراك البيئي في قابس يتحدون قمع الصورة

05 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 14:39 (توقيت القدس)
تتكرر الاحتجاجات البيئية في قابس، 31 أكتوبر 2025 (فتحي بلعيد/فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- أوقفت السلطات التونسية الناشط البيئي إسلام الزرلي بسبب توثيقه حالات اختناق تلاميذ نتيجة تلوث المجمع الكيميائي في قابس، مما يعكس التضييقات على النشطاء البيئيين.
- يعاني سكان قابس من تدهور بيئي خطير منذ السبعينيات بسبب المجمع الكيميائي، ورغم قرار حكومي بتفكيك الوحدات الملوثة في 2017، لم يتم التنفيذ، مما أدى لاحتجاجات واسعة.
- شكلت الحكومة لجنة لحل الأزمة البيئية، وأكد الرئيس قيس سعيد دعمه للأهالي، لكن النشطاء يطالبون بتفكيك المجمع نهائيًا بسبب استمرار التلوث وانتشار الأمراض.

في أول أيام شهر ديسمبر/ كانون الأول الحالي، أعلنت حملة "أوقفوا التلوث" في تونس، توقيف الناشط البيئي إسلام الزرلي على خلفية تصويره حالات الاختناق بين تلاميذ مدرسة إعدادية، الناجمة عن الانبعاثات الملوثة للمجمع الكيميائي في قابس، بزعم عدم قانونية التصوير داخل المؤسسات التعليمية، وقد أفرج عنه في اليوم ذاته.
ويوثق العديد من النشطاء الآثار البيئية المدمرة للمجمع الكيميائي في قابس، وينشرون عبر منصات التواصل الاجتماعي قصصاً لمعاناة أهالي منطقة "شاطئ السلام" من جراء تزايد التلوث. لكنهم باتوا يتعرضون لتضييقيات ومحاولات ترهيب لمنعهم من مواصلة التوثيق.
يقول إسلام الزرلي لـ"العربي الجديد" إن "أهالي قابس لا يملكون سوى هواتفهم وعدسات الكاميرات لنقل معاناتهم مع التلوث إلى الرأي العام، وحشد التضامن إزاء ما يرتكب بحقهم من جرائم بيئية. لكن حق نقل الصورة والتوثيق بصدد المصادرة بسبب ملاحقة النشطاء، وحتى المواطنين العاديين، الذين تسرب إليهم الخوف. هناك توجه لفرض التعتيم على ما يحصل حتى يتلاشى الزخم الشعبي الذي حصدته القضية البيئية، لكن النشطاء مستمرون إلى حين صدور قرار نهائي بتفكيك وحدات المجمع الكيميائي الملوثة، التي حولت حياة مواطني المنطقة إلى جحيم".
يضيف الزرلي: "لم يعد تدفق مقاطع الفيديو حول ما يحصل في قابس بذات الوتيرة نتيجة حالة الخوف الذي يسيطر على المواطنين نتيجة محاولات أمنية لحجز هواتفهم مؤقتاً، أو مطالبتهم بحذف المقاطع المصوّرة. تستعمل السلطات الأمنية ذرائع لمنع التصوير، لكنها في الحقيقة محاولات لطمس الأدلة بدل معالجة أسباب التلوث، لكن التضييق على التوثيق لن يغيّر حقيقة تدهور الوضع البيئي الذي يهدد صحة السكان".


ويؤكد الناشط التونسي أن فترة إيقافه داخل مركز الأمن المحاذي للمدرسة التي تعرّض طلابها لحالات الاختناق لم تدم طويلاً، وأن الشرطة أبلغته بأن التصوير ممنوع، كذلك هددت مديرة المدرسة التي شهدت حالات الاختناق برفع قضية ضده، قبل أن تتراجع عن ذلك لاحقاً.

وشهدت ولاية قابس خلال الأيام الأخيرة توتّراً بين مكوّنات المجتمع المدني والسلطات الأمنية، على خلفية ما اعتبره النشطاء حملة ملاحقة وترهيب تستهدف كل من يحاول توثيق حالات الاختناق التي تسجَّل في الجهة، خصوصاً في المناطق القريبة من المنطقة الصناعية.


وتعيش المدينة منذ أشهر على وقع أضخم حراك اجتماعي بيئي عرفته البلاد، من أجل تفكيك وَحدات المجمع الكيميائي التي تتسبّب منذ سبعينيات القرن الماضي في تدمير إيكولوجي مُنظَّم للبحر والواحة والزراعة، وتُخلّف أمراضاً فتاكة، وصولاً إلى تواتر حالات الاختناق في صفوف أطفال المدارس بسبب التسرّبات الغازيّة المنبعثة من المجمع الكيميائي.
ويطالب سكان قابس منذ سنوات بتفكيك الوحدات الملوثة للمجمع الكيميائي، وتنفيذ القرار الحكومي الصادر منذ 2017، وهو ما تمسكت به مختلف التحركات الاحتجاجية التي تتكرر منذ أكتوبر/ تشرين الأول الماضي.
ويقول عضو حراك "أوقفوا التلوث"، خير الدين دبية، إن "كل محاولات التعتيم على حقيقة الوضع البيئي في قابس لن توقف المطلب الأساسي الذي خرج من أجله أكثر من 100 ألف مواطن إلى الشوارع منذ أكتوبر الماضي". ويوضح لـ"العربي الجديد"، قائلاً: "رسخ الحراك البيئي في قابس ثقافة المطالبة بالحق في بيئة سليمة، وترهيب النشطاء أو منع التصوير لن يغيرا حقيقة الواقع".

في الأثناء، ردّ نظام الحكم على الحراك البيئي بتشكيل لجنة مهمتها إيجاد حلول عاجلة للوضع البيئي في المدينة. وقال الرئيس قيس سعيد، الشهر الماضي، في لقاء جمعه بأعضاء اللجنة، إنه يُتابع الوضع من كثب، مُشيداً بموقف الأهالي، وما أظهروه من وعي عميق بالحفاظ على السّلم الأهليّ، ووقوفهم على الجبهة نفسها مع قوات الأمن للتصدّي لكلّ من يحاول تأجيج الأوضاع.
ويؤكد الناشط خير الدين دبية أن "اللجنة المكلفة من قبل رئيس الدولة ستنهي قريباً أعمالها، وتقييم عملها سابق لأوانه. الحراك البيئي متشبث بمطلبه الأساسي، وهو تفكيك المجمع نهائياً".
وتُعدّ قابس من أكثر المناطق تلوثاً في تونس بسبب تراكم الملوثات طوال عشرات السنين من النشاط الكيميائي والصناعي، ما يجعل أي حادث بيئي صغير يتحوّل سريعاً إلى حالة استنفار من السكان، الذين يشتكون من تكرار الأزمات التنفسية، وتدهور جودة الهواء، إلى جانب ارتفاع نسب الأمراض ذات الصلة بالتلوث حسب تقديرات المجتمع المدني.

المساهمون