- تروي سعيده ونبيلة معاناتهن اليومية في تأمين احتياجات أسرهن، حيث تعيش سعيده في ظروف صعبة بعد مقتل زوجها، بينما تعمل نبيلة في تنظيف المنازل لتأمين لقمة العيش.
- تشير الناشطة صفية وزيري إلى أن آلاف النساء يواجهن الحياة دون معيل، وتطالب الحكومة بالاهتمام بهذه الشريحة المهمشة.
خلّفت سنوات الحرب في أفغانستان ويلات كثيرة، ودمّرت معظم مقوّمات الحياة، كما أثرت على شرائح المجتمع من دون استثناء، ولا سيّما النساء. فقد سُجّلت في أوساط تلك الشريحة أعداد من القتلى والجرحى نتيجة الحرب وأعمال العنف، فضلاً عن قسوة التهجير، والمعاناة لاحقاً من التهميش والعنف الأسري، وفقدان بعضهنّ لأزواجهنّ وأفراد أسرهنّ.
وتتفاقم أزمة بقاء النساء من دون معيل في أفغانستان، نظراً للأعراف والتقاليد السائدة في المجتمع الأفغاني وتأثيرها على حياة النساء اللواتي لا يُسمح لهنّ بالخروج من المنزل، والعمل من أجل كسب لقمة العيش وضمان حياة أفضل لأطفالهنّ. وقد ازداد الأمر تعقيداً بعد سيطرة حركة طالبان على مقاليد الحكم، وإغلاقها المؤسسات المحلية والدولية التي تُعنى بشؤون المرأة.
تقول سعيده (40 سنة) التي تعيش مع أطفالها الخمسة في منزل طيني متواضع بولاية بروان شمال العاصمة كابول: "أُقاسي أشد أنواع المعاناة، ولا أقوى على النوم من شدّة التفكير بكيفية تأمين الطعام لأطفالي وتوفير التدفئة لهم وسط البرد القارس، وبالتالي شراء أدويتي الملحّة لعلاج داء السكري". وتضيف لـ"العربي الجديد": "همومي كثيرة وثقيلة، ويضطرّ أطفالي إلى جمع قشور اللوز والجوز والخشب والحطب من هنا وهناك، من أجل تدفئة الغرفة الوحيدة التي تؤوينا، وإعداد طبخة متواضعة تسدّ جوعهم".
وتتابع سعيده: "كان زوجي في صفوف الشرطة الأفغانية قبل أن يُقتل إثر معارك بين حركة طالبان وقوات الحكومة السابقة في مديرية شكر دره الواقعة بين بروان وكابول في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، ومنذ ذلك الحين نعاني الأمرّين. فالأطفال بحاجة إلى الطعام اليومي واللباس، خصوصاً في ظل البرد القارس وتساقط الثلوج. كما أنّهم يُصابون بالأمراض الصدرية والتنفسية باستمرار، بسبب الدخان الناجم عن حرق الخشب والقشور، حتى إننا أحياناً نضطر إلى حرق الملابس القديمة والأحذية والمواد البلاستيكية رغم مخاطرها".
الحال ذاتها ترويها نبيلة رضا من سكان ولاية دايكندي وسط البلاد، إذ إنّها فقدت زوجها قبل سبعة أعوام، ولجأت إلى العاصمة حيث عثرت على عملٍ في إحدى المؤسسات، وكانت تتولّى أعمال التنظيف والطبخ للموظفين. لكن بعد سيطرة "طالبان" على الحكم لم تجد أي وسيلة للعيش سوى العمل في تنظيف المنازل وغسل الملابس مقابل مبلغ ضئيل، بينما ينهمك أبناؤها يومياً في جمع الأوراق والكراتين الورقية من الأسواق، من أجل بيع بعضها والإبقاء على بعضها الآخر لتوفير التدفئة في منزلهم، رغم ما ينجم عن إحراق هذه المواد من دخان كثيف ومُضرّ.
وتقول نبيلة لـ"العربي الجديد": "كان زوجي يملك بقالة في ولاية دايكندي ويعمل في مجالات أخرى كذلك، لقد كان وضعنا أفضل، وكنّا نملك سيارة ومكاناً لاستضافة الضيوف، لكن قبل سبعة أعوام تعرّض زوجي لحادث في أثناء عودته من السوق إلى المنزل، إذ كان يقلّ ثلاثة ركّاب مقابل بدل مادي، غير أنّه لم يصل إلى المنزل. لقد فُقد مع سيارته، وما زلنا حتى تاريخه لا نعرف حقيقة الحادث، وهل لا يزال على قيد الحياة أم أنه توفي بالفعل. لكنّ الحقيقة الثابتة أنّني بقيتُ رفقة أبنائي بلا معيل".
وفي تعليقها، تقول الناشطة الأفغانية صفية وزيري لـ"العربي الجديد" إنّ آلاف النساء في أفغانستان يواجهن الحياة من دون معيل بعد أن خسرن أزواجهنّ، ولم يتزوّجن لاحقاً بحكم الأعراف السائدة، في حين لا يتلقّين أي دعم من أي جهة، وقد أُغلقت كل الأبواب أمامهنّ بعد سيطرة حركة طالبان على الحكم وإغلاقها حتى المؤسسات التي كانت تُعنى بشؤون النساء، وتوفّر لهنّ بعض الوظائف.
وتوضح وزيري أن المعاناة لا تقتصر على أولئك النساء فحسب، إنّما تنتقل إلى أولادهنّ. وتكشف أن "إحدى النساء اضطرّت بعد معاناة شديدة إلى تزويج طفلتها التي لم يتجاوز عمرها حينها 11 عاماً لرجل أربعيني، أبكم وأصمّ، من أجل تسديد ديونها. لذلك، فإنّ الحكومة الأفغانية مُطالبة بإيلاء الاهتمام اللازم لهذه الشريحة المهمّشة".