نحو 50% من خريجي طب الأسنان بدون عمل في الأردن

14 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 17:42 (توقيت القدس)
أزمة بطالة لدى خريجي طب الأسنان في الأردن، 28 نوفمبر 2012 (عيسى فولتين/Getty)

أثارت تحذيرات نقابة أطباء الأسنان الأردنيين من ارتفاع أعداد الأطباء وتفاقم البطالة في المهنة لغطًا حول حجم الفائض الفعلي ونسبة الأطباء الذين لا يعملون، في وقت تتواصل فيه أعداد الخريجين الجدد بالتدفق إلى سوق العمل. وقالت نقيبة أطباء الأسنان الأردنية آية الأسمر في تصريحات صحافية أخيرا إن أعداد أطباء الأسنان في المملكة وصلت إلى نحو 13.354 طبيبًا مسجلًا لدى النقابة، محذرة الأردنيين من اتخاذ قرار دراسة طب الأسنان استنادًا إلى المكانة الاجتماعية التي يحظى بها التخصص، وداعية إلى النظر أولًا في مؤشرات سوق العمل. مضيفة يبلغ عدد أطباء الأسنان العاملين داخل المملكة نحو 10.944 طبيبًا، فيما يبلغ عدد غير العاملين أو الباحثين عن فرص عمل نحو 4.834 طبيبًا، ما يعني أن نسبة العاطلين من العمل تقترب من 50%.
وقالت الدكتورة الأسمر، في توضيحات لـ"العربي الجديد"، إن سوق طب الأسنان في الأردن يشهد "أزمة هيكلية وليست مجرد مشكلة بطالة مؤقتة"، موضحة أن وجود الطبيب في العيادة لا يعني بالضرورة حصوله على دخل أو حجم عمل يتناسب مع سنوات الدراسة والجهد المبذول في المهنة.
وترى الأسمر أن ثلاثة مؤشرات تعكس حجم الأزمة، هي "اختلال نسبة طبيب الأسنان إلى السكان"، و"استمرار تدفق خريجين جدد"، إضافة إلى أن "الطلب على الخدمة لا ينمو بمعدل نمو أعداد الأطباء".

وفي ما يتعلق بتغييرات نظام الثانوية العامة واستحداث الحقل الصحي، تحذر الأسمر من إمكانية أن يؤدي هذا المسار إلى زيادة أعداد الطلبة الراغبين في دراسة التخصصات الطبية، إذا لم يترافق مع إرشاد وضبط واضح للانتقال إلى الطب وطب الأسنان، وتشير إلى وجود توجه رسمي منذ عام 2023 لتخفيض أعداد القبول في الطب وطب الأسنان تدريجيًا، لكنها ترى أن سياسة القبول يجب أن تُبنى على احتياجات سوق العمل، وليس على حجم إقبال الطلبة. وتقول الأسمر إن الطالب عندما يرى أن مساره في الثانوية "صحي"، قد يترسخ لديه تصور بأن المسار الطبيعي بعده هو الطب أو طب الأسنان، خصوصًا أن الطب لا يزال من أكثر التخصصات جاذبية ومكانة اجتماعيًا.

وفي مواجهة التشبع، طالبت بإعادة ضبط العلاقة بين التعليم وسوق العمل، وإعادة احتساب الطاقة الاستيعابية الحقيقية لسوق طب الأسنان سنويًا، وخفض أعداد المقبولين في الكليات القائمة بما يتناسب مع حاجة السوق، ووقف أي توسع جديد في الطاقة الاستيعابية إلى حين إجراء دراسة وطنية لسوق العمل، كما تطالب بمراجعة معايير الاعتراف بالجامعات وكليات طب الأسنان خارج الأردن، وتضييق نطاق الاعتراف وفق تقييم عالمي لتلك المؤسسات، إضافة إلى زيادة فرص التعيين في وزارة الصحة، خاصة في المحافظات.

وقال مدير وحدة تنسيق القبول الموحد في الأردن مهند الخطيب، في تصريحات صحافية، إن تخصصي الطب وطب الأسنان باتا من التخصصات المشبعة، ويقتربان من أن يصبحا تخصصين راكدين، بسبب الأعداد الكبيرة للطلبة المتخرجين من داخل المملكة وخارجها. وخفض مجلس التعليم العالي القبول في الطب البشري من 1000 طالب في العام الجامعي 2023-2024 إلى 800 في 2024-2025، ثم إلى 640 اعتبارًا من 2025-2026، فيما خُفض القبول في طب الأسنان بنسبة 20% في كل من العامين. كما رُفع الحد الأدنى لمعدل الثانوية العامة المطلوب لدراسة الطب وطب الأسنان داخل الأردن إلى 90% اعتبارًا من العام الجامعي 2025-2026.

وترى رئيسة جامعة العلوم التطبيقية الخاصة، الدكتورة سميحة جراح، وهي إحدى الجامعات الأردنية الخاصة التي تضم بين جنباتها كلية لطب الأسنان، أن تقييم واقع المهنة يحتاج إلى نظرة أوسع من مجرد أعداد الأطباء أو عدد العيادات، وتقول لـ"العربي الجديد" إن الأرقام تشير إلى وجود عدد كبير من أطباء الأسنان، لكنها تتساءل عما إذا كانت زيادة أعداد الخريجين مقتصرة على طب الأسنان، أم أنها ظاهرة عامة مرتبطة بالتوزيع الديموغرافي والفئة العمرية الموجودة على مقاعد الدراسة، مشيرة إلى أن أعداد الخريجين في مختلف التخصصات تتجاوز في بعض الحالات حاجة سوق العمل، معتبرة أن بعض الأرقام قد تكون أكثر إثارة من تلك المتعلقة بطب الأسنان، مشددة على أن الحديث عن تشبع السوق يحتاج إلى دراسات علمية تأخذ في الاعتبار التوزيع الجغرافي للعيادات والاحتياجات العلاجية الفعلية للمواطنين ومدى تلبيتها للمعايير العالمية، وتلفت إلى أن المشاهدات الواقعية تظهر تركز عيادات الأسنان في العاصمة، مقابل افتقار كثير من المحافظات إلى الخدمات السنية، ما قد يعني أن المشكلة ليست فقط في العدد الإجمالي للأطباء، وإنما في توزيعهم جغرافيًا.

كما ترفض جراح حصر فرص طبيب الأسنان في السوق المحلي، قائلة إن "سوق العمل مفتوح في كل العالم"، وترى أن على الجامعات إعداد خريجين قادرين على المنافسة عالميًا من خلال خطط دراسية حديثة ومهارات سريرية ومهنية متقدمة، مشيرة إلى وجود نقص في أطباء الأسنان في عدد من الدول الأوروبية، التي اتجه بعضها إلى تسهيل استقطاب أطباء الأسنان.

من جانبه، يرى مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية ورئيس المرصد العمالي الأردني أحمد عوض أن البطالة مشكلة تعاني منها مختلف بيئات العمل في الأردن، وليست مقتصرة على أطباء الأسنان، ويؤكد لـ"العربي الجديد" أن معالجة المشكلة لا تكون بمنع الطلبة من دراسة تخصصات معينة، وإنما بتوسيع الاقتصاد وتحسين جودة البرامج التعليمية وتقليل الاعتماد على الاعتقاد بأن تخصصات الطب وطب الأسنان والصيدلة هي المسار الوحيد للمستقبل المهني، مشيرا إلى أن المهن الطبية "شبه مغلقة"، إذ يواجه العاملون فيها صعوبة أكبر في الانتقال إلى مجالات مهنية أخرى، مقارنة بتخصصات مثل إدارة الأعمال والهندسة التي توفر مرونة أكبر في تغيير المسار الوظيفي. لذلك يدعو الطلبة إلى اختيار تخصصات ذات آفاق مهنية أوسع. ولا يرى عوض أن تحذيرات النقابات المهنية من تشبع بعض التخصصات تمثل حلًا جذريًا، رغم تفهمه دوافعها، إذ إن زيادة أعداد الخريجين تؤدي إلى توزيع فرص العمل والطلب على عدد أكبر من العاملين، ما ينعكس على دخلهم وفرصهم المهنية، ويؤكد أنه لا يمكن لأي دولة منع الأفراد من دراسة التخصص الذي يرغبون فيه، لأن الطالب الذي لا يدرس التخصص محليًا يستطيع التوجه إلى الخارج، مشددًا على أن الحل يكمن في الإرشاد الأكاديمي وتوجيه الطلبة نحو التخصصات المستقبلية، إلى جانب استحداث تخصصات جديدة تتوافق مع احتياجات سوق العمل.

بدوره، يقول منسق الحملة الوطنية لحقوق الطلبة (ذبحتونا)، طبيب الأسنان فاخر دعاس، لـ"العربي الجديد"، إن مشكلة أعداد خريجي طب الأسنان "جديدة قديمة"، وتتجدد سنويًا مع زيادة أعداد الأطباء المنضمين إلى النقابة، مشيرا إلى أن أعدادًا كبيرة من الطلبة قُبلت في كليات الطب وطب الأسنان خلال جائحة كورونا، فيما يستكمل حاليًا أكثر من ألف طالب إجراءات انتسابهم إلى النقابة، متوقعًا تفاقم البطالة في القطاع مع استمرار تدفق الخريجين.

ويرى أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تراجع الإقبال على طب الأسنان خلال السنوات العشر المقبلة، وإعادة النظر في دراسة التخصصات الطبية، كما حدث مع الهندسة التي تراجعت جاذبيتها بعد ارتفاع معدلات البطالة بين خريجيها. وينتقد دعاس استمرار افتتاح كليات طب الأسنان وارتفاع معدلات القبول في التخصصات الصحية، مشيرًا إلى أن ثقافة اجتماعية لا تزال تعتبر حصول الطالب على معدل 95% أو أكثر سببًا كافيًا لدراسة الطب، ما يسهم في زيادة الضغط على التخصصات الطبية، ويدعو إلى التعامل مع الملف بصورة استراتيجية، بمشاركة الحكومة ووزارتي التعليم العالي والتربية والتعليم والجهات المعنية، وتعزيز دور النقابة في توعية الطلبة والأهالي بحقيقة سوق العمل. وفي المقابل، يشير دعاس إلى وجود نقص في خدمات طب الأسنان بالقطاع الحكومي نتيجة نقص الكوادر المعينة، داعيًا إلى زيادة أعداد أطباء الأسنان في القطاع الحكومي بما يتناسب مع عدد السكان، وهو ما قد يسهم في الحد من البطالة وتحسين مستوى الخدمات.

ولا تبدو أزمة طب الأسنان معزولة عن واقع سوق العمل في المهن الأخرى؛ إذ تشير بيانات نقابة المهندسين الأخيرة إلى أن نسبة البطالة بين المهندسين في الأردن تبلغ نحو 19%. ووفق بيانات اللجنة الصحية لحزب الميثاق الوطني الأردني، مطلع عام 2026، يبلغ عدد الصيادلة المسجلين نحو 33 ألف صيدلي، فيما تشير آخر التقديرات إلى تجاوز البطالة بينهم 40%، أي ما يعادل ما بين سبعة آلاف و14 ألف صيدلي عاطل من العمل، إضافة إلى وجود 3.164 ممرضًا وممرضة عاطلين من العمل.