نازحو مدينة طويلة... مليون سوداني يبحثون عن فتات خبز وحياة

04 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 07:54 (توقيت القدس)
في العراء بالقرب من مدينة طويلة، السودان، 13 إبريل 2025 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعيش نحو مليون نازح سوداني في مدينة طويلة بولاية شمال دارفور في ظروف قاسية، حيث يعانون من نقص حاد في المواد الغذائية والمياه والخدمات الصحية والتعليمية، ويتوزعون على 15 مخيماً بخيام مهترئة.
- منذ بدء الحرب قبل 31 شهراً، استقبلت مدينة طويلة آلاف النازحين، خاصة بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر، مما أدى إلى نقص حاد في الخدمات الأساسية وسوء التغذية والأمراض.
- رغم الوضع الآمن نسبياً، يعاني النازحون والمجتمعات المضيفة من نقص الموارد والاعتماد على المساعدات المتناقصة، مما يزيد من معاناتهم، خاصة النساء والأطفال.

يعيش نحو مليون نازح سوداني بمدينة طويلة في ولاية شمال دارفور ظروفاً قاسية وسط عشرات المخيمات، حيث يعانون نقصاً في المواد الغذائية ومياه الشرب وخدمات الصحة والتعليم، فضلاً عن البقاء فتراتٍ طويلة في خيامٍ مهترئة لا تردع البرد ولا تحجب لهيب الحرّ.

وظلّت مدينة طويلة الواقعة في الأراضي الخاضعة لسيطرة حركة تحرير السودان برئاسة عبد الواحد محمد نور منذ العام 2003، تستقبل اللاجئين من باقي أجزاء إقليم دارفور، والذي أصبح لأول مرة في تاريخ السودان الحديث واقعاً خارج سيطرة الحكومة المركزية، بكامل مساحته التي تمثل ثلث مساحة البلاد. 

وكانت حركة عبد الواحد التي تسيطر على مناطق محدودة في شمال إقليم دارفور قد أوقفت عملياتها العسكرية التي استمرت 23 عاماً ضد الجيش السوداني، معلنةً الحياد في الحرب الدائرة حالياً، وعدم انخراطها لصالح أي من الطرفين، سواء الجيش أو قوات الدعم السريع، ما دفع آلاف المواطنين إلى النزوح نحو مناطق سيطرتها، لعدم تأثرها بالعمليات العسكرية المباشرة وخلوّها نسبيّاً من انتهاكات جسيمة.

واستقبلت المنطقة منذ بدء الحرب، قبل 31 شهراً، آلاف السكان الذين فرّوا من قراهم ومُدنهم في خمس ولايات بالإقليم، وهي جنوب ووسط وغرب وشرق دارفور، ومؤخراً لحق بهم مئات النازحين من مدينة الفاشر عاصمة ولاية شمال دارفور، والتي سيطرت عليها قوات الدعم السريع في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي بعد 18 شهراً من الحصار.

يتوزّع العدد الهائل من النازحين على 15 مخيماً بمدينة طويلة، ويتشاركون موارد شحيحة تقدمها منظمات محلية وأجنبية، ولا تكاد تكفي لعدد قليل منهم. وتقول النازحة حواء إبراهيم، وهى أم لسبعة أطفال: "وصلتُ إلى مدينة طويلة بعد ثلاث عمليات نزوح، بينما الخدمات لا تكفي، وما زال النازحون يتدفقون بالآلاف من مناطق القتال نحو مدينة طويلة، حيث يصلون وهم في حالة مزرية من شدّة الجوع والإعياء والمرض". وتتابع لـ"العربي الجديد": "بعضهم يحمل جروحاً دامية ناتجة عن ضربهم بالسّياط، وآخرون أُصيبوا بالذخائرة الطائشة وشظايا المدافع والقنابل التي ترميها الطائرات المسيّرة والحربية".

نزحت حواء لأول مرة من قريتها في وسط دارفور قبل سبعة أعوام إلى مخيم زمزم القريب من مدينة الفاشر، والذي سيطرت عليه قوات الدعم السريع في إبريل/ نيسان الماضي، ما اضطرّها إلى النزوح نحو مدينة الفاشر، ومن ثمّ إلى طويلة في سبتمبر/ أيلول الماضي. وتتابع حواء (63 عاماً): "بعض النازحين الذين وصلوا إلى طويلة بعد سيطرة قوات الدعم السريع على الفاشر، ما زالوا يقيمون في العراء، وينتظرون توزيعهم على المخيمات المكتظة، إذ نراهم يتجمعون بالمئات ويقيمون تحت ظلال الأشجار، وفي خيام بدائية مصنوعة من المواد المحلية وأغصان الأشجار، حيث يحصلون على وجبات طعام غير كافية من المطابخ الجماعية التي تُديرها غرف الطوارئ المحلية، في انتظار توفير خيام ومساكن مناسبة".

وكان معظم النازحين الذين وصلوا إلى طويلة قد خسروا ممتلكاتهم وأغراضهم الشخصية في أثناء فرارهم من مناطق القتال، ووصل بعضهم فقط بما عليه من ملابس. وتقول زحل تاج الدين التي نزحت من وسط دارفور رفقة أطفالها الثلاثة: "يعاني النازحون من شحّ الخدمات التي يشترك فيها الآلاف وسط انتشار الجوع والأمراض، كما يفتقرون إلى الثياب والأغطية، وحتى المواد التي يصنعون بواسطتها الخيام". وتضيف لـ"العربي الجديد": "يقيم العديد من النساء والأطفال في العراء تحت أشعة الشمس نهاراً، ووسط البرد القارس ليلاً، يفترشون الأرض والتراب من دون أيّ أسرّة أو فُرش أو حتى أغطية".

يفتقر النازحون إلى الخدمات الحياتية، إقليم دارفور، 13 إبريل 2025 (فرانس برس)
يفتقر النازحون إلى الخدمات الحياتية، إقليم دارفور، 13 إبريل 2025 (فرانس برس)

يحصل نازحو المخيمات على مياه الشرب بصعوبة ومشقّة، ويعاني آلاف الأطفال والنساء وكبار السنّ سوء التغذية والأمراض المزمنة. ويقول الناشط في غرف الطوارئ بالمنطقة، عبد العظيم آدم لـ"العربي الجديد": "أغلب النازحين الذين يصلون إلى المنطقة يعانون من سوء التغذية والجوع والأمراض، ويحتاجون إلى رعاية وتغذية خاصة غير متوفرة غالباً في مخيمات النزوح، حيث تُقدّم المساعدات وفقاً للمُتاح".

ويضيف آدم: "نحو 70% من الأطفال الذين وصلوا إلى مدينة طويلة يعانون من سوء التغذية، وكذلك النساء وكبار السنّ، خصوصاً النازحين من الفاشر والتي شهدت حالة جوع شديد أثناء فترة الحصار. إنها معاناة متراكمة لم يعد يقوى النازحون على تحمّلها، وهم بأمسّ الحاجة اليوم إلى المساعدات والغذاء والرعاية الطبية".

في 3 نوفمبر/ تشرين الثاني الجاري، أكد تقرير لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي المدعومة من الأمم المتحدة، انتشار المجاعة في الفاشر بولاية شمال دارفور وفي كادوغلي بولاية جنوب كردفان، أي في غرب السودان وجنوبه على التوالي، بعد أشهر من حصار قوات الدعم السريع للمدينتَين. وكانت اللجنة قد أعلنت، في تقرير سابق أصدرته في الأول من أغسطس/ آب 2024، أنّ ظروف المجاعة تنتشر في شمال إقليم دارفور.

ورجّحت أن تستمر الأوضاع على هذه الحال حتى أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه، غير أنّ الأوضاع تدهورت أكثر فأكثر. وأوضح التقرير أنّ أجزاء من ولاية شمال دارفور، خصوصاً مخيم زمزم الذي كان يُعدّ أكبر مخيم للنازحين، تعاني "أسوأ أنواع الجوع" المعروفة باسم المرحلة الخامسة من التصنيف.

وتتحدث المدرّسة مودة هارون، وهى أم لطفلين، عن معاناة النازحين الذين وصلوا إلى طويلة، وتقول لـ"العربي الجديد": "المواد الغذائية شحيحة، والمجتمعات المضيفة تعاني حالة مشابهة، كون سكان المنطقة نازحين بدورهم من تداعيات القتال السابق، ويعتمدون على المساعدات، ويمارسون أنشطة زراعية محدودة. وبسبب موجات النزوح المتتالية وتفاقم الأوضاع، صار جميع سكان المنطقة ينتظرون المساعدات التي تقلصت إلى الحد البعيد".

تكتظ مخيمات مدينة طويلة بالنازحين، السودان، 3 نوفمبر 2025 (فرانس برس)
تكتظ مخيمات مدينة طويلة بالنازحين، السودان، 3 نوفمبر 2025 (فرانس برس)

فقدت هارون زوجها مع بداية الحرب، كما خسرت وظيفتها في التعليم الثانوي بعد أن اضطرّت إلى النزوح من ولاية وسط دارفور، وتتابع: "الحياة في المخيمات جحيمٌ لا يُطاق، لا توجد خدمات كافية، لأن المنظمات الدولية أحجمت عن توزيع المساعدات بحجة النقص الحادّ في التمويل، بينما تعاني الجمعيات المحلية بدورها من قلة الموارد. ويعتمد معظم النازحين على ما يُقدّم إليهم من وجبات يوزعها الناشطون الذين يجمعون التبرعات من الخيّرين داخل السودان وخارجه".

تجرّع حماد التيجاني مرارة النزوح لسنواتٍ قبل أن يصل أخيراً إلى طويلة حيث يقيم في أحد المخيمات التي استُحدثت في أثناء حصار الفاشر. ويصف حماد الأوضاع بـ"الكارثية"، ويقول لـ"العربي الجديد": "كانت المنطقة مهددة بقصف الطيران قبل الحرب الحالية، لأنها تقع تحت سيطرة حركة عبد الواحد، ولذلك تنعدم فيها أي منشآت خدمية، فيما المتوفر منها مُعدّ لأعداد قليلة من النازحين الذي سبق أن لجؤوا إلى المدينة، ولم يكن في الحسبان أنّها ستكون محطة لاستقبال مليون نازح. إنّه عدد هائل يتطلب مرافق خدمية ومستشفيات وخياماً فسيحة تخفف وطأة المعاناة".

ويشير التيجاني إلى أنّ معظم نازحي مخيمات طويلة عاشوا تجارب نزوح متكررة خلال السنوات الماضية، فقدوا خلالها ممتلكاتهم ومدّخراتهم القليلة، واستولت على معظمها قوات الدعم السريع أخيراً، وعندما وصلوا إلى طويلة كانت أياديهم خالية وبطونهم خاوية وصحتهم متدهورة، ومعظمهم في حالة يُرثى لها، ما ترك الآلاف منهم بحاجة إلى الطعام والعلاج والمأوى والأغطية والخدمات الحيوية كافة". وإذ يلفت إلى أنهم لا يسمعون أصوات الرصاص في طويلة ولا يتوقعون أن يتمّ قصفهم، يضيف: "لقد نجونا جميعاً من الموت بأعجوبة، نظراً لفظاعة الحرب في أكثر من منطقة، حتى إنّ النازحين كانوا أثناء فرارهم مهدّدين بالقتل من قبل مسلّحين يقيمون الحواجز على الطرقات، وينكّلون بهم ويعاملونهم بأسوأ الأساليب".

وعلى الرغم من الوضع الآمن نسبيّاً في طويلة، لكن النقص الشديد في الخدمات، وصعوبة إيجاد مأوى، وانعدام الخصوصية، كلّها عوامل تضاعف معاناة النازحات. وتقول عبلة جبريل التي وصلت إلى طويلة بعد سقوط الفاشر: "نشعر اليوم كأننا لسنا بشراً، عانينا من الجوع والخوف والأمراض، تحمّلنا أسوأ الانتهاكات منذ بدء الحرب، ووصلنا إلى طويلة بمشقّةٍ تفوق طاقة الإنسان، وصادفنا خلال رحلة النزوح ما لا يستوعبه عقل، وما زلنا نعاني للحصول على الغذاء والدواء".

وتتابع جبريل لـ"العربي الجديد": "أنهكتنا الحرب وشرّدتنا، وها نحن نعيش اليوم في مخيمات تنعدم فيها أدنى متطلبات الخصوصية التي تحتاج إليها أي امرأة. ننام على التراب من دون أي أغطية كافية، ولا أسرّة، ولا حتّى مشمّعات نفرشها على الأرض. وعلى الرغم من كل هذه المعاناة، نأمل في أن يكون الغد أفضل، وأن تتوقف الحرب التي تجرّعنا معها كأس المرّ". وتختم بالقول: "ما من عائلة لم تفقد عدداً من أفرادها، إذ إنّ آلاف الأشخاص إمّا قُتلوا وإما صاروا في عداد المفقودين، تنتظر عائلاتهم العثور على أثرٍ لهم يوماً ما".

المساهمون