نازحو حلب... مأساة سورية تنتظر عودة سريعة
استمع إلى الملخص
- يعاني النازحون من ظروف قاسية، حيث يفتقرون للمأوى والملابس الشتوية والغذاء، مع صعوبة التنقل بين مراكز الإيواء المكتظة وزيادة القلق بشأن المستقبل.
- استجابةً للأزمة، شكلت الجهات المعنية لجنة لمتابعة أوضاع النازحين، وافتتحت مراكز إيواء مؤقتة، مستقبلةً 142 ألف نازح، مع تحديات في الوصول إلى المرضى العالقين.
أظهرت معاناة نازحي حيّي الأشرفية والشيخ مقصود في حلب واقعاً هشّاً، مع تكرار مأساة النزوح، لكنّ العودة السريعة المرتقبة بعد استقرار الأوضاع الأمنية وسيطرة القوات الحكومية تخفف هذه المعاناة.
شهدت مدينة حلب، شمالي سورية، ولا سيما في حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، موجة نزوح واسعة خلال اليومين الماضيين جراء الاشتباكات والتوترات الأمنية الأخيرة بين "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد) والجيش السوري، ما أعاد إلى الواجهة مشاهد الخوف والتهجير القسري التي لم تغب عن ذاكرة السوريين.
لكن، اليوم الجمعة، أعلنت مديرية الإعلام في حلب أنه سيجري نقل عناصر تنظيم "قسد" بالسلاح الفردي الخفيف إلى مناطق شمال شرقي البلاد، وفقاً لإعلان وزارة الدفاع. وأوضحت المديرية أن مؤسسات الدولة تستعد للدخول إلى حيّي الأشرفية والشيخ مقصود لتقديم الخدمات للمواطنين، وستقوم اللجنة المركزية لاستجابة حلب بتنسيق عودة المدنيين بعد انتهاء العمليات الأمنية وتمشيط المنطقة وإزالة الألغام وفتح الطرقات، بحسب ما أفادت "سانا". وكشف مصدر حكومي لـ"سانا"، اليوم، أن قوى الأمن الداخلي والجيش السوري يطمئنان أهالي أحياء الشيخ مقصود والأشرفية وبني زيد بأن الحياة ستعود إلى طبيعتها فور الانتهاء من عمليات البحث عن الألغام وتأمين المنطقة.
وكانت آلاف العائلات قد غادرت منازلها على عجل، تاركةً خلفها ذكريات وأحياءً اعتادت ضجيج الحياة، لتجد نفسها في رحلة نزوح شتوية قاسية، محمّلة بالقلق على المصير، وبأسئلة مفتوحة حول المأوى والطعام والدواء وإمكانية العودة، خصوصاً أن هذا النزوح لم يكن مجرد انتقال جغرافي، بل صدمة إنسانية جديدة تُضاف إلى سجل معاناة السوريين.
تحدث نازحون سوريون لـ"العربي الجديد" عن مأساة الخروج من منازلهم وأحيائهم في ظل الظروف الصعبة، من دون القدرة على حمل المستلزمات الأساسية، إذ غادر كثيرون بملابسهم فقط، في وقت يشتد فيه البرد وتزداد الحاجة إلى التدفئة. ويقول ماهر العبد، الأب لخمسة أطفال من سكان حي الشيخ مقصود، إنّ نزوحه مع عائلته جاء بشكل مفاجئ وتحت ضغط الخوف، من دون أي استعداد مسبق أو قدرة على حمل أي مستلزمات. فقد غادر أفراد العائلة على عجل بسبب تسارع الأحداث وخطورة البقاء في الحي. أضاف العبد أن البرودة الشديدة شكلت التحدي الأصعب لأطفاله، ولا سيما في ظل غياب الأغطية ووسائل التدفئة، لافتاً إلى أن "ارتجاف الأطفال من البرد كان المشهد الأكثر إيلاماً خلال رحلة النزوح، وحالة القلق لم تقتصر على الظروف المناخية، بل امتدت إلى ضبابية المصير وعدم وضوح الوجهة، في ظل غياب خطة مسبقة أو مكان ثابت يمكن للعائلة الاستقرار فيه".
توجه العبد مع أسرته في البداية إلى مدينة حلب، حيث قضوا ساعات في التنقل بين نقاط التجمع ومراكز الإيواء المكتظة، قبل أن يتمكنوا لاحقاً من الوصول إلى منطقة عفرين للإقامة المؤقتة لدى أحد الأقارب، وأكد أن هذا الحل يبقى هشاً ومؤقتاً، في ظل تزايد أعداد النازحين وضيق الإمكانيات، معبّراً عن خشيته من انعدام الحد الأدنى من مقوّمات العيش الكريم، خصوصاً لأطفاله الذين يحتاجون إلى الدفء والاستقرار قبل أي شيء آخر.
أما سمر خليل، النازحة من حي الأشرفية، فقالت: "لحظة النزوح لم أفكر بأي شيء سوى بأطفالي. خرجنا بسرعة، وتركت باب المنزل مفتوحاً، لم أحمل سوى أوراقنا الشخصية، وبعض الملابس الخفيفة، ولم ألتفت خلفي". تابعت خليل، وهي أم لأربعة أطفال، أن الخوف كان سيد الموقف خلال ساعات الخروج الأولى، مضيفةً: "كنا نسمع أصوات الرصاص، وكان الأهالي يركضون في الشوارع، والأطفال يبكون، وأنا أحاول أن أطمئنهم بأننا سنصل إلى مكان آمن، حتى لو كان بلا كهرباء أو ماء، المهم أن ننجو"، وأشارت إلى أن رحلتها انتهت في أحد مراكز الإيواء المؤقتة داخل أحد المساجد بمدينة حلب، حيث تقيم حالياً مع عشرات العائلات في قاعة جماعية تفتقر لأبسط مقوّمات الخصوصية، وقالت: "ننام على الأرض، لا توجد فُرش كافية ولا أغطية تناسب هذا البرد القارس، نحاول أن نقتسم البطانيات بين الأطفال، بينما أبقى مستيقظة أغلب الليل خوفاً عليهم".
تحدثت خليل عن معاناة أخرى لم تكن في الحسبان عند النزوح، إذ إن ابنها الأصغر مصاب بمرض الربو، والبرد يزيد وضعه سوءاً، ولا تتوفر الأدوية بشكل دائم، وتقول: "لا نطلب الكثير، نريد فقط مكاناً آمناً ودافئاً، والقليل من الاستقرار. كل ما نريده هو العيش بكرامة لحين عودتنا إلى بيوتنا. كما أن أطفالي تركوا امتحاناتهم ومدارسهم، ولا أعرف متى سيعودون إلى التعليم".
توزع النازحون بين مدينة حلب وريفها الشمالي، فيما توجه عدد كبير منهم نحو مناطق عفرين وشران ومحيطهما بحثاً عن مأوى مؤقت لدى أقارب أو في مراكز إيواء مكتظة. وقد فاقم هذا التشتت من صعوبة الاستجابة الإنسانية، خصوصاً مع الارتفاع الكبير في أعداد النازحين خلال فترة وجيزة.
وقال الشاب محمد البر إنّه نزح من حيّ الشيخ مقصود في توقيت بالغ الصعوبة، وسط الشتاء والبرد القارس وارتفاع تكاليف المعيشة، ويلفت إلى أن ما يزيد من قلقه هو انعدام أفق المستقبل، سواء على صعيد العودة إلى الحي أو الاستقرار في مكان بديل، مؤكداً أن الشباب هم الفئة الأكثر تضرراً، إذ يجدون أنفسهم عالقين بين الحاجة إلى العمل وبين مسؤوليات متزايدة تجاه أسرهم في ظروف معيشية قاسية.
من جانبها، أوضحت مديرة دائرة الإغاثة الطارئة في وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث السورية زهرة الدياب، لـ"العربي الجديد"، أن حجم النزوح كبير، ويحتاج إلى تدخل عاجل ومنسّق، وأشارت إلى أنّ احتياجات النازحين تتركز بشكل أساسي في المأوى، خصوصاً أن معظم العائلات خرجت من دون أي تجهيزات، ما يجعل الحاجة ملحّة إلى مستلزمات الإغاثة التي تشمل الإسفنجات والبطانيات وفُرش النوم والأغطية وغيرها، وأكدت أن الاحتياجات الشتوية، وعلى رأسها اللباس الشتوي ووسائل التدفئة، تشكل أولوية قصوى في ظل الطقس البارد الذي يزيد معاناة الأطفال وكبار السنّ.
ولفتت الدياب إلى أن الغذاء يمثل أحد أكثر الاحتياجات إلحاحاً، داعيةً إلى تدخل عاجل من المنظمات الإنسانية لتأمين السلال الغذائية للأسر، إضافة إلى الوجبات الجاهزة، وتأمين الخبز بشكل منتظم، فضلاً عن أهمية توفير مياه الشرب النظيفة، ليس فقط لتلبية الاحتياجات اليومية، بل للحد من مخاطر انتشار الأمراض، مشددةً على ضرورة توفير سلل النظافة، بوصفها جزءاً أساسياً من الاستجابة الإنسانية.
وفي ما يتعلق بالإجراءات الحكومية، كشفت الدياب أن الجهات المعنية في محافظة حلب شكّلت لجنة استجابة خاصة بالنزوح، تعمل على متابعة أوضاع مراكز الإيواء داخل المدينة، كما يجري تجهيز مركز إيواء في منطقة أخترين بريف حلب، موضحةً أن المركز لا يزال فارغاً حتى الآن، في حين يتركز معظم النازحين بين مدينة حلب وريفها، وتشير إلى أن عدداً كبيراً من العائلات توجه نحو شران وعفرين ومحيطهما، ما يتطلب توسيع نطاق الاستجابة ليشمل هذه المناطق.
وبحسب بيان رسمي صادر عن اللجنة المركزية لاستجابة حلب، الخميس، باشرت اللجنة منذ الساعات الأولى لبدء حركة النزوح بتنفيذ خطة طوارئ شاملة هدفت إلى تأمين خروج المدنيين من حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، إضافة إلى عدد من الأحياء المجاورة، مع التأكيد على ضمان سلامتهم، والتقليل من المخاطر المحتملة أثناء عمليات الإجلاء.
وأوضحت اللجنة أنها استقبلت حتى لحظة صدور البيان نحو 142 ألف نازح، من بينهم 13 ألف نازح خرجوا خلال يوم واحد حتى الساعة الواحدة ظهراً. وبهدف تنفيذ عمليات الإخلاء، جرى توجيه 80 آلية نقل، إلى جانب افتتاح 12 مركز إيواء مؤقتاً، منها عشرة مراكز داخل مدينة حلب، ومركزان في إعزاز وعفرين، مع استمرار توافد الأهالي.
وأكدت اللجنة أنها عملت على تنظيم وتيسير خروج المدنيين بشكل آمن، مع الحفاظ على حرية التنقل واختيار الوجهة لكل نازح وفق رغبته، إضافة إلى تقديم الإسعافات الأولية والرعاية الطبية في مراكز الإيواء عبر فرق الإسعاف والطوارئ المنتشرة قرب المعابر ونقاط التجمع، كما جرى تحويل الحالات الطارئة والحرجة إلى المستشفيات العامة والخاصة، بعد رفع جاهزيتها بشكل كامل.
ولفت البيان إلى أن اللجنة تلقّت نداءات استغاثة من مرضى عالقين داخل حيّي الشيخ مقصود والأشرفية، حيث تُعيق المخاطر الأمنية والاستهداف المتكرر للفرق الطبية إمكانية الوصول إليهم حالياً، وأنها تعمل بالتنسيق مع الجهات المعنية لتأمين خروجهم الآمن في أقرب وقت ممكن. وختمت اللجنة المركزية لاستجابة حلب بيانها بدعوة الأهالي إلى الالتزام بالتعليمات الصادرة والتواصل مع الجهات المختصة، بما يساهم في تعزيز السلامة العامة وضمان حسن إدارة الاستجابة الطارئة.