نازحو جنوب دمشق يحلمون بالعودة

30 سبتمبر 2020
الصورة
هل هجّروا من بيوتهم؟ (حسن بلال/ Getty)
+ الخط -
على الرغم من مضي أكثر من عامين على فرض النظام السوري سيطرته على العديد من مناطق العاصمة دمشق، ما زال غالبية سكان تلك المناطق يحلمون بصدور قرار يسمح لهم بالعودة إلى منازلهم، التي تفصل بعضهم عنها مئات الأمتار، في وقت يتذرّع النظام بعدم امتلاك تلك العائلات وثائق تثبت ملكيتها لبيوتها، أو حاجة تلك المناطق إلى إزالة الأبنية المتصدعة والركام، لتبقى الموافقة الأمنية العقبة الأكبر.  
اعتاد جمال محمد (39 عاماً)، متابعة المجموعات الخاصة بالمهجرين من حي التضامن، جنوب دمشق، على تطبيق "واتساب"، وينتظر أي خبر على أمل أن تُطلب منه المراجعة لاستلام منزله. يقول لـ"العربي الجديد": "أملي وإخوتي الأربعة استرجاع منزلنا المكوّن من أربعة طوابق. هذا كل ما أورثنا إياه والدنا الذي رحل إلى باريس قبل ثلاث سنوات من دون أن يحقق حلمه بالعودة إلى منزله". يضيف: "تشتتت عائلتنا، وبات كل منا يعيش في منطقة في منازل مستأجرة، علماً أن بدل إيجار بيتي، وهو عبارة عن غرفتين ومنافعهما، هو 60 ألف ليرة سورية (117 دولارا)، شهرياً، فيما يسكن شقيقي مع عائلة زوجته ليتشارك أفراد العائلتين في دفع بدل الإيجار". 
ويقول: "حين بدأت الأعمال العسكرية في الحي، خرجنا بما علينا من ثياب من دون أن نأخذ شيئاً معنا، حتى العقد الذي يثبت ملكيتنا للبيت. والنتيجة أننا ما زلنا ننتظر العودة منذ نحو ثماني سنوات". ويوضح أنهم قدّموا للّجان التي حدّدتها محافظة دمشق فواتير كهرباء وهاتف كأوراق تثبت الملكية. ومن أصل آلاف المتقدمين بطلبات للعودة إلى بيوتهم، سمح لبضع مئات منهم فقط بتسلّم منازلهم وتنظيفها من الركام، وعاد جزء قليل إلى مناطق معينة". 
ويبدو أن مسألة إثبات الملكية تعدّ "ابتزازاً ونصباً"، بحسب أبو عمر حلاوة (58 عاماً). يقول لـ"العربي الجديد": "الغريق يتعلّق بقشة. ولا يوجد أبشع من حياة النزوح، خصوصاً في ظل ضيق الحال والفقر. وعلى الرغم من أننا ما زلنا في بلدنا، بل في المدينة نفسها، نشعر بأننا منبوذين لأننا نازحين، وهناك من يرانا صيداً سهلاً". يتابع: "حاولت الحصول على صورة عقد الملكية من كاتب عدل، لكن المحامي أخبرني بأن المسألة مكلفة ويجب أن أكون قادراً على الدفع. أحياناً يخبرنا البعض بأن لديهم معارف أو يتبعون لجهة أمنية ما أو حتى مليشيا جيش الدفاع الوطني التابع للنظام، وبأن لديهم القدرة على إعادتنا إلى منزلنا في مقابل مبالغ مالية كبيرة، وهو ما يفوق قدرتي. ولا يبقى لديّ غير الأمل". 
ويلفت إلى أنه "في ظل كل التعقيدات، يعمل سماسرة على شراء كل ما يمكن من منازل مدمرة أو غير مدمرة، وغالباً ما ينشرون شائعات مفادها أن المنطقة ستخضع لإعادة التنظيم، ما قد يجعلنا نخسر منازلنا إلى الأبد. وبالفعل، كثيرون باعوا منازلهم بأثمان بخسة جداً لا يمكنهم من خلالها شراء غرفة واحدة في المنطقة نفسها أو حتى خارجها بعدما غلب عليهم اليأس".  
تعيش النازحة من جنوب دمشق منذ عام 2012، أم إبراهيم بركات (55 عاماً)، مع زوجها وعائلة ابنها إبراهيم (زوجته وطفليه)، إضافة إلى ابنها وابنتها، وهما طالبان جامعيان، في شقة مكونة من ثلاث غرف بدل إيجارها 70 ألف ليرة (نحو 136 دولاراً) شهرياً، عدا عن فواتير الكهرباء والمياه والهاتف، ما يجبر زوجها وابنها وابنتها على العمل دوامين لتأمين بدل إيجار المنزل، في حين يعجزون عن تأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية. 
تضيف: "قبل أيام قليلة، سمح لنا بالدخول إلى منزلنا وتنظيفه من الركام استعداداً لعودتنا إلى المنزل. لكن ما من موعد محدد للعودة"، موضحة أنه "سرق بالكامل. لا أبواب ولا نوافذ ولا أدوات صحية وغيرها. حتى أسلاك الكهرباء سحبت من الجدران بعدما كانت كل هذه الأشياء موجودة عندما تفقدنا منزلنا عقب سيطرة النظام عام 2018". 
من جهتها، تشعر عائلة أم مجد بعدم الاستقرار، فدائماً ما تخشى إخراجها من منزلها المستأجر أو زيادة بدل الإيجار. تحلم بالعودة إلى المنزل ولا تصدّق أن الأمر ممكن على الرغم من السماح للعائلة بالدخول إليه.  
إلى ذلك، يقول مصدر متابع لقضية عودة النازحين في جنوب دمشق، طلب عدم الكشف عن اسمه، لـ"العربي الجديد": "لا أسباب واضحة لتأخير عودة الأهالي إلى منازلهم"، مضيفاً: "تتذرع المحافظة بأسباب عدة خلال العامين الماضيين، إضافة إلى مسألة الموافقة الأمنية. ويحتاج كل شخص يتقدم بطلب عودة إلى موافقة أمنية". 
وبعدما كان النظام يقبل بتأمين فواتير كهرباء ومياه، أصبح يطلب عقد الملكية، "علماً أننا نتحدث عن منطقة سكن عشوائية، ما يعني أن الأهالي يملكون أسهماً زراعية بعقود بيع شخصية، وجزء كبير منهم فقدها خلال النزوح"، بحسب المصدر نفسه. يتابع: "هناك عقبة أخرى، وهي تأمين الخدمات إلى تلك المناطق، فالمليشيات والقوات النظامية سرقت البنية التحتية لشبكة الكهرباء والهاتف، كما ألحقت أضراراً كبيرة بشبكة الصرف الصحي من جراء العمليات العسكرية. وهذا يحتاج إلى تمويل كبير لإعادة إعمار البنية التحتية، الأمر الذي يجعل ضريبة بقاء النازحين حيث هم أخف من إعادتهم". 
يشار إلى أنه ما من إحصائيات دقيقة لعدد النازحين من جنوب دمشق، في حين تشير التقديرات إلى نزوح أكثر من 80 ألف شخص. وتقدّر الأمم المتحدة عدد النازحين السوريين المقيمين داخل بلادهم بـ6.5 ملايين شخص.