استمع إلى الملخص
- يعاني النازحون من نقص حاد في المواد الغذائية والرعاية الطبية، مع ارتفاع أسعار الأدوية وانتشار الأمراض، مما يجعل الحصول على العلاج صعبًا، خاصة للنساء والأطفال وكبار السن.
- تتواصل المواجهات العسكرية في إقليم كردفان، مما أدى إلى تدمير الأراضي الزراعية وفشل الموسم الزراعي، وتصنيف بعض أجزاء الإقليم كمناطق تعاني من المجاعة، مما يزيد من خطر تمددها.
يواجه آلاف النازحين إلى مدينة الأبيض، العاصمة التاريخية لإقليم كردفان المكون من ثلاثة ولايات، ظروفاً معيشية وصحية بالغة السوء منذ تهجيرهم من ثماني مُدن ومئات القرى التي تحولت إلى ساحة معركة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع منذ انتقال خط المواجهة العسكرية إلى الإقليم في مايو/ أيار الماضي. وتمكنت الدعم السريع من تطويق الأبيض من ثلاث جهات، وتبقت الجهة الشرقية المتصلة بالطريق القومي الذي يربطها بمناطق شرقي البلاد.
ويعيش النازحون في عدة مخيمات تفتقر إلى المواد الغذائية ومياه الشرب وخدمات الصحة والتعليم وإصحاح البيئة، حيث تنام النساء والأطفال وكبار السن على الأرض داخل خيام مهترئة مصنوعة من المواد المحلية والبلاستيك، وتنعدم فيها الخصوصية، كما يقيم بعضهم داخل بنايات لاتزال تحت التشييد في انتظار عودتهم إلى مناطقهم التي تحولت ساحة معركة بين طرفي الصراع.
ويفيد مصدر حكومي من ولاية شمال كردفان بأن عدد النازحين إلى مدينة الأبيض يتجاوز 550 ألف نازح، ويفصل المصدر الذي طلب حجب اسمه، قائلاً لـ"العربي الجديد": "أوضاع النازحين غاية في السوء في الوقت الراهن، وتسير نحو الأسوأ بسبب تدفق المزيد منهم بصورة يومية إلى المدينة، والتي أصبح عدد سكانها أكثر من ضعف طاقة استيعابها، وكل هذه الأعداد تتشارك في موارد شحيحة، من بينها مياه الشرب والرعاية الطبية، مع نقص حاد في المواد الغذائية، خاصة وأن أغلب مناطق الإنتاج تعرضت للتدمير أو التخريب المتعمد أثناء المعارك".
وفي سبتمبر/أيلول الماضي، استرد الجيش السوداني مدينة بارا التي تبعد عن الأبيض نحو 55 كيلومتراً من قبضة الدعم السريع الذي كان يسيطر عليها منذ بدء الحرب في منتصف إبريل/نيسان 2023، لكنه استعاد السيطرة عليها مجدداً في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، ما تسبب في موجة نزوح واسعة للمواطنين، والذين اتجه أغلبهم إلى مدينة الأبيض.
وتسيطر قوات الدعم السريع على مُدن النهود، والخوى، وأبو زبد، والفولة، والمجلد، وود بندا، والسنوط، والإضية بولاية غرب كردفان، وأم دم حاج أحمد، وبارا، وسودري، وحمرة الشيخ، وكازقيل بولاية شمال كردفان، والدبيبات، والحمادي بولاية جنوب كردفان. وقد نزح آلاف المواطنين من تلك المناطق إلى الأبيض التي تحولت إلى أكبر مركز إيواء في الوقت الحالي، متفوقة على مدينة الدبة بالولاية الشمالية، والتي تأوي نحو 56 ألفاً من نازحي الفاشر، والذين منعتهم الدعم السريع من الوصول إلى الأبيض.
وتوصف أوضاع النازحين في الأبيض بأنها كارثية نتيجة ندرة الخدمات التي يحصلون عليها في المخيمات البدائية التي يعيشون فيها منذ أشهر. نزحت السودانية فاطمة أحمد، وهى أم لخمسة أطفال، من مدينة النهود، وتقول لـ"العربي الجديد": "خرجنا من منازلنا بالثياب التي علينا، وسرنا لمسافات طويلة على أقدامنا حتى وصلنا إلى الأبيض، ونعيش منذ نحو ستة أشهر أوضاعاً غاية في السوء، إذ تعرضنا لأمطار الخريف، وللحر الحارق في الخيام البالية خلال الصيف، كما نعاني من انعدام الخصوصية، وعدم توفر الحمامات لقضاء الحاجة أو الاستحمام".
تتابع: "نحصل على طعام قليل من التكايا والمطابخ الخيرية القليلة التي لا تعمل بانتظام، ونعاني من انتشار الأمراض مع ضعف الرعاية الطبية، ومن ارتفاع أسعار الأدوية التي تعرض للبيع بسعر السوق السوداء، ما جعل الكثير من النازحين لا يحصلون على العلاج اللازم، خاصة النساء والأطفال وكبار السن. آلاف النازحين تجمعوا هنا من مناطق مختلفة، وقد خسروا ممتلكاتهم وأعمالهم، ومع استمرار النزوح نفدت مدخراتهم القليلة، ما جعلهم يعتمدون في طعامهم على القليل الذي يقدم لهم من الخيرين بصورة غير منتظمة".
وتتشارك آلاف النساء في مخيمات الأبيض المكتظة ذات المعاناة. تقول سلوى عبدالكريم، النازحة من مدينة الدبيبات التابعة لولاية جنوب كردفان: "استولت الدعم السريع على الدبيبات في يوليو/ تموز 2023، واستردها الجيش في مايو/آذار الماضي، لكنه فقدها مجدداً، وخلال تبادل السيطرة على المدينة نزح غالبية سكانها إلى مدينة الأبيض. نزحت رفقة ستة عشر فرداً من أسرتي، من بينهم عشرة نساء، ونعيش أوضاعاً متأزمة منذ وصولنا إلى الأبيض، ونقيم حالياً في خيمة لا تحجب الشمس، ولا تقي من مياه الأمطار، وننام على الأرض لعدم توفر الأسِرة، ونأكل وجبة واحدة في اليوم، ونقضي أياماً عديدة من دون طعام/ مع قلة المياه في المدينة التي تعاني من أزمة عطش حادة منذ ما قبل اندلاع الحرب".
وتضيف سلوى لـ"العربي الجديد": "فقدنا مصادر رزقنا وأعمالنا في الزراعة وتربية المواشي التي كانت تسد حاجتنا اليومية للطعام والشراب والتعليم والصحة، وتحولت مدينتا إلى ساحة معركة يتبادل طرفا القتال السيطرة عليها، وفي كل مرة تؤول فيها الأمور إلى طرف، يتعامل مع المواطنين يوصفهم أعداء محتملين، فيقتلهم ويعتقلهم ويستولي على ممتلكاتهم غنائم حرب. خسر معظم سكان الدبيبات كل ما يملكون، وتحولوا إلى نازحين يقفون في صفوف للحصول على الطعام من المطابخ الجماعية التي لا تكفي أعداد النازحين من مُدن وقرى الإقليم الذي كان يتميز بانتاجه الزراعي والحيواني".
عن ذات المعاناة، تتحدث أميرة عبد الحميد النازحة من مدينة الخوى الواقعة في ولاية غرب كردفان، والتي سيطرت عليها الدعم السريع في يونيو/ حزيران الماضي، بعد معارك ضارية مع الجيش السوداني، ما أدى إلى نزوح سكانها إلى مناطق مختلفة من ضمنها مدينة الأبيض التي تعتبر أكثر تحصيناً من بقية أجزاء الإقليم، لذا تسعى قوات الدعم السريع إلى حصارها والاستيلاء عليها.
وتقول أميرة لـ"العربي الجديد": "تقطعت بنا السُبل في مخيمات الأبيض التي يعيش فيها آلاف النازحين ظروفاً إنسانية متدهورة، ويجابهون نقص المواد الغذائية، وانعدام الرعاية الطبية، كما أنهم مهددون بقصف مسيرات الدعم السريع. الكثير من النازحين يعيشون تحت الأشجار، وبعضهم يقيم في ضيافة معارفهم في المدينة، أما الذين يقيمون في المخيمات، فإنهم يعانون من انعدام الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الطعام ومياه الشرب والعلاج. مئات الأطفال لا يذهبون إلى المدارس لعجز أسرهم عن توفير تجهيزات الدراسة، كما تعاني النساء من انعدام الخصوصية وغياب الرعاية الطبية الضرورية".
من جانبه، ينبه الناطق باسم شبكة أطباء السودان، الطبيب فيصل محمد، إلى خطورة أوضاع النازحين في الأبيض، ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "أعداد النازحين في الأبيض تفوق إمكانيات المجتمعات المضيفة والمنظمات الإنسانية والخيرية العاملة، وهم يحتاجون إلى المساعدات بأسرع وقت ممكن. الأولوية في الوقت الحالي لتوفير المواد الغذائية والمعينات الطبية الأساسية لأكبر عدد ممكن من النازحين، فغالبيتهم وصلوا في ظروف صحية صعبة، ويفترض أن تقدم لهم الرعاية الطبية سريعاً، ولايزال المزيد من النازحين يتوافدون على المدينة".
وتعاني عدة مناطق في إقليم كردفان من نقص حاد في المواد الغذائية بعد فشل الموسم الزراعي الذي بدأ في يونيو/حزيران الماضي، وينتهي في ديسمبر/كانون الأول المقبل، من دون أن يتمكن المزارعون من اللحاق به بسبب العمليات العسكرية التي طاولت الأراضي الزراعية.
وفي مطلع نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، صنفت لجنة التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي التابعة للأمم المتحدة أجزاء من إقليم كردفان على أنها تعاني من المجاعة، وحذرت من تمدد المجاعة إلى مناطق أخرى في الإقليم، متوقعة أن يستمر نقص الغذاء حتى يناير/كانون الثاني المقبل.
وتجددت المواجهات العسكرية بصورة أعنف مما كانت عليه خلال الأيام الماضية بإقليم كردفان، وأعلنت قوات الدعم السريع أنها اقترب من السيطرة على مدينة بابنوسة الواقعة تحت الحصار منذ ما يقرب العامين، والتي يوجد بها مقر الفرقة 22 التابعة للجيش السوداني، وهي إحدى أكبر مُدن كردفان التي خلت من السكان تماماً، ولم يبق بها سوى قوات الجيش التي تحاول الذود عن رئاسة القيادة العسكرية في مواجهة محاولة الدعم السريع السيطرة عليها.