استمع إلى الملخص
- الطقوس والعادات: يمارس المسيحيون طقوسهم الدينية والاجتماعية مثل الصيام وتزيين البيوت وتبادل الهدايا، مما يعزز الروابط الاجتماعية ويجدد التواصل مع العائلة والأصدقاء.
- التكافل الاجتماعي: يتجلى من خلال جمع التبرعات وتوزيع الهدايا على الأطفال، خاصة الأيتام، وتنظيم فعاليات مجتمعية، مع التركيز على فرحة الأطفال رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.
انتشرت مظاهر الاحتفال بعيد الميلاد بين أفراد المجتمع الأردني بعدما كانت في الماضي تقتصر على الكنائس، وتزامن ذلك مع تغيّر الأنماط الاستهلاكية في وقت أصبحت فيه الاحتياجات أغلى، ما يبرز الجانب الإنساني والحاجة إلى مساعدة المحتاجين.
ويمكن ملاحظة مظاهر الفرح بعيد الميلاد في أماكن أردنية مختلفة، ومن بينها شجرة الميلاد المزيّنة، ومجسّمات بابا نويل الذي يجر عربته التي تسبقها غزلان الرنة لتوزيع الهدايا، والمغارة التي تضمّ السيدة العذراء وهي تحمل على يديها طفلها المخلّص.
وتُقدَّر نسبة المسيحيين في الأردن حالياً بنحو 4% فقط من إجمالي عدد السكان، بعدما كانت تقارب 12% وفق إحصاء عام 1956، ويقيم مسيحيو الأردن في مناطق عدّة، لكنهم يتركزون في مادبا وعجلون والفحيص والكرك وإربد والزرقاء وعمّان، والتي تشهد إقامة الشعائر الدينية.
يقول عيسى سعادة، وهو موظف متقاعد من سكان منطقة مرج الحمام في عمّان، لـ"العربي الجديد": "يحرص المسيحيون على ممارسة طقوسهم الدينية والاجتماعية المرتبطة بالعيد، وتبدأ الطقوس بالصيام، ويُطلق الناس على عيد الميلاد المجيد اسم عيد البشارة، ومن أهم الطقوس والعادات تزيين البيوت، وزينة شجرة الميلاد، إضافة إلى عمل المغارة التي وُلد فيها المسيح، كما نحرص في العيد على ارتداء الملابس الجديدة، خاصة الصغار، وعلى تبادل الهدايا، وتوزيعها على الأطفال من أجل زرع الابتسامة على شفاههم وإضفاء الفرحة على يوم العيد".
ويبيّن سعادة أن "العيد هو يوم للتضامن، ففي العادة يقوم معظم الناس بوضع مبالغ مالية في الصندوق الكنسي من أجل مساعدة المحتاجين، وتحظى وجبة غداء العيد بأهمية كبيرة، إذ يجتمع الإخوة والأخوات والأبناء عند كبير العائلة، وغالباً ما تضمّ الوجبة ديكاً رومياً، وأحياناً الدجاج المحشي الذي يُطبخ في البيت بعد صلاة العيد، أما حلويات العيد فإنها تشمل الشوكولاتة، والمعمول، والغريبة، والكعك الذي يكون على شكل شجرة عيد الميلاد أو بابا نويل. خلال السنوات الأخيرة، أصبح توزيع بابا نويل للهدايا منتشراً في الأردن، وأصبح هناك اهتمام رسمي ومجتمعي بالمناسبة".
من جهتها، تقول الكاتبة رُلى السماعين لـ"العربي الجديد"، إن "أهم ما يميّز عيد الميلاد هو الزينة متعدّدة الألوان، التي تمثل الفرحة، ولا سيّما زينة الشجرة التي ترمز إلى الحياة المتجدّدة، والتي باتت منتشرة في البيوت والساحات العامة، ويرافق ذلك فعاليات مجتمعية متنوعة، واحتفالات وبازارات في أجواء تتخلّلها ترانيم الميلاد التي تضفي بهجة على قلوب الكبار والصغار، ليتحوّل هذا الموسم إلى مساحة مشتركة للفرح في المجتمع الأردني".
وتابعت السماعين: "الأعياد لحظة توقّف نادرة تتيح إعادة التفكير في القيم الإنسانية، مثل التضامن والتعاطف، وهي قيم أثبتت قدرتها على الصمود عبر الزمن، وأسهمت في تعزيز تماسك المجتمعات واستقرارها. تبدأ استعدادات الاحتفال بعيد الميلاد بالصوم قبل أربعين يوماً من ليلة الميلاد، بهدف تطهير الجسد من الشهوات، وتقوية الروح. هذه الفترة مناسبة لتعزيز الروابط الاجتماعية، وتجديد التواصل مع العائلة والأصدقاء، مع تزيين البيوت من الداخل والخارج لبث روح البهجة، وصولاً إلى ليلة الميلاد التي لها طقوسها الخاصة، إذ تُقام الصلوات في الكنائس، وتبرز ترانيم الميلاد، ويليها لمّة العائلة حول عشاء خاص، مع وضع الهدايا تحت الشجرة تعبيراً عن المحبة، ليجري فتحها في تلك الليلة".
وترى الكاتبة الأردنية أنّ "العبرة بالقلوب التي يجب أن تتزيّن بالمحبة، وهي رباط الكمال حتى نتمكّن من العيش، ويتبعها اللطف والوداعة والتسامح والتصالح مع أنفسنا أولاً، ثم مع من حولنا، لينتشر السلام".
من مدينة مادبا، تقول الناشطة بسمة السلايطة لـ"العربي الجديد"، إنّ "استقبال العيد يبدأ بالصلاة، وتحافظ الغالبية على هذه الطقوس، ومنذ بداية شهر ديسمبر/كانون الأول، يحرص الناس على تجهيز شجرة الميلاد في البيوت، كونها دلالة على الفرح، ويجري تزيينها بالقناديل والهدايا، مع التركيز على وضع النجمة، والمغارة التي وُلد فيها المسيح، وقبل العيد تبدأ التحضيرات عبر شراء مستلزمات العيد، من ملابس للكبار والأطفال، والهدايا التي يوزعها بابا نويل على الأطفال، وفي السابق كان توزيع الهدايا قبل العيد بيوم واحد، لكن حالياً أصبح التوزيع يجري قبل العيد بأيام".
وتوضح السلايطة أنّ "التكافل الاجتماعي يتجلّى في العيد، إذ يقوم الناس بتشكيل جمعيات لجمع التبرعات للعائلات المعوزة، كما توفّر الكنائس صناديق لجمع الهدايا التي يوزعها بابا نويل على الأطفال، مع جولات الكشافة والموسيقى المرافقة، وتقوم جمعيات خيرية أحياناً بجمع الأطفال الأيتام قبل العيد، وتوزيع الهدايا عليهم، والتي تشمل الألعاب والملابس والحلويات، وأحياناً دعوتهم إلى مطاعم أو متنزهات وتقديم وجبات لهم".
وتضيف: "أغلب العائلات المسيحية تحضّر الحلويات الخاصة بالمناسبة منزلياً، مثل الشوكولاتة وبسكويت الزنجبيل، والذي يكون بأشكال الغزال، أو شجرة الميلاد، وبابا نويل، وفي يوم العيد يحرص الكبار على معايدة الصغار، إذ يزور الأب بناته ويقدّم العيدية لهنّ، وفي حال وفاة الأب، يقوم الإخوة بزيارة أخواتهم، ويلي ذلك تبادل الزيارات. توجد في مادبا جمعيات ودواوين عشائرية يتجمع فيها الناس للتهاني، ثم تزور العشائر بعضها البعض، كما تجتمع الطوائف المسيحية في إحدى الكنائس لاستقبال المهنئين من الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية".
وتوضح السلايطة أن "الاحتفال بالعيد هذا العام يختلف عنه في العامَين الماضيَين، إذ لم تُمارس طقوس العيد فيهما، لكن هذا العام عادت الطقوس بعد انتهاء العدوان على غزة، مع بقاء الغصّة في القلوب واستمرار الشعور بالظلم. هناك اهتمام رسمي كبير بالمشاركة في الأعياد، وشارك ولي العهد الأمير الحسين بن عبد الله أبناء الطوائف المسيحية في مادبا فعالية إضاءة شجرة عيد الميلاد كونها مدينة سياحة دينية، وتضم مواقع مسيحية بارزة، من بينها خريطة الفسيفساء الشهيرة في كنيسة القديس جورج، ومنتزه مادبا الأثري الذي يضم كنيسة العذراء والشهداء، وكنيسة الرسل، وموقع جبل نيبو المقدس".
ومن مدينة الفحيص، تقول سلام قموه لـ"العربي الجديد"، إنّ "مظاهر الاحتفال هذا العام أكثر وضوحاً مقارنة بالأعوام السابقة، إذ تظهر زينة الأعياد في المتاجر والشوارع والأحياء والمنازل، ما يبهج القلوب. الطقوس والزينة هذا العام أكثر، لكن الشعور العام لا يختلف، إذ ما زال أهالي غزة يعانون، ويحاول الناس تقديم ما يستطيعون. يركز العيد على المحبة والسلام، مع الحفاظ على مظاهره رغم صعوبة توفيرها لدى البعض، حفاظاً على التقاليد، واستمراراً لفرحة اجتماع العائلة، وتبادل الزيارات، وإلى جانب الطقوس الدينية، يُحافظ الناس على غداء العيد، إذ يُعد الطعام أحد مصادر الفرح، وتحافظ العائلات على وجبة المنسف التقليدية وورق الدوالي".
من جانبه، يقول عدنان شرايحة، وهو صاحب محلّ هدايا في الفحيص، لـ"العربي الجديد"، إن "أجواء هذا العام مختلفة كثيراً عن العام الماضي، فالحركة الشرائية أفضل، والناس يقبلون على شراء مختلف أنواع الزينة، خاصة زينة شجرة الميلاد والمغارات، كما يميل الناس إلى شراء الهدايا التقليدية التي تمثل الإرث القديم. أمنياتنا للعام المقبل تتركز على وحدة العرب لإنقاذ غزة، ودعم فلسطين".
بدورها، تقول ندين مسيح، وهي صاحبة مكتبة، لـ"العربي الجديد"، إنّ "هناك تغيراً كبيراً في طقوس الاحتفال بالعيد مقارنة بما قبل جائحة كورونا، لكن تبقى أجواء العيد جميلة، خاصة اجتماع العائلة. في يوم العيد، يجري توزيع القهوة والشوكولاتة والكوكيز والمعمول، ويُحضّر في غداء العيد المنسف، فيما يفضل البعض الديك الرومي وورق الدوالي والكوسا والدجاج المحشي، وتوزيع الهدايا يجري قبل يوم العيد بسبب زيادة أعداد الأطفال، مع وجود تكافل اجتماعي يتمثل في إرسال العيديات إلى الكنائس لتوزيعها".
وتشير مسيح إلى أن "احتفالات العيد أصبحت مكلفة، لكن كل شخص يحاول التكيّف لصناعة الفرحة، سواء في الضيافة أو اللباس أو الحلويات، والكنائس والجمعيات في مدينة الفحيص تساعد العائلات ذات الدخل المحدود، إضافة إلى حملات إنسانية تُعلّق فيها احتياجات الأسر على شجرة مخصّصة لذلك".
ويقول سهيل شتيوي لـ"العربي الجديد"، إنّ هناك إحباطاً نتيجة الظروف في فلسطين، ويحاول كثيرون الحفاظ على مظاهر الفرح شكلياً، بينما تسود القلوب مشاعر الحزن، ويضيف أن "الناس يحافظون على الحد الأدنى من العادات الاجتماعية المرتبطة بالأعياد، خاصة من أجل فرحة الأطفال. لكن الأوضاع ليست كما كانت في السابق، واللحمة الاجتماعية تراجعت، ما انعكس على الاحتفالات التي أصبحت في بعض الأحيان شكلية في ظل الألم الذي يعيشه الشارع العربي بسبب الجرائم الإسرائيلية، والاحتفالات باتت تقتصر على يوم العيد".
ويوضح منذر صويص، وهو صاحب مكتب عقاري في مدينة الفحيص، لـ"العربي الجديد"، أن "الناس يحافظون على كثير من تقاليد الأعياد، إذ تُنصب أشجار الميلاد في الميادين العامة، وتُضاء الشوارع بالزينة، وتشهد المدينة نشاطاً في البازارات الخيرية التي تعكس روح التكافل الاجتماعي. يتركز العيد على الأطفال، ويحاول الجميع رغم الظروف المعيشية الحفاظ على فرحتهم من خلال تزيين البيوت وتقديم الهدايا وشراء الملابس".
ويشير إلى أن أهالي المدينة يجتمعون في "بيت الفحيص" قبل ظهر يوم العيد لتبادل التهاني، كما تستقبل عائلات المتوفين التعازي في أول عيد يمر بعد الوفاة، مع استقبال المهنئين من الجهات الرسمية والمجتمعات المحلية، وتنفذ جمعيات العشائر احتفالات لأبناء العائلات، يتخللها توزيع الهدايا، مؤكداً أن "القيمة الأهم في الأعياد هي التكافل الاجتماعي".