موسم كارثي في فرنسا: حرائق وجفاف وانقطاع مياه

17 اغسطس 2026   |  آخر تحديث: 16:51 (توقيت القدس)
بعد حريق جيروند في بلدة لو بورج، جنوب غربي فرنسا، 15 أغسطس 2026 (أوليفييه موران/فرانس برس)

استُقبل عشرات الأشخاص رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، اليوم الاثنين، بهتافات استهجان وانتقادات، لدى وصوله إلى بلدة لو بورج جنوب غربي البلاد. وكانت البلدة من أكثر المناطق السكنية تضرّراً من جرّاء حريق جيروند الضخم الذي اندلع نهاية يوليو/ تموز الماضي، إذ دُمّر فيها 183 منزلاً من أصل 240 أتت عليها النيران، فيما يتّهم قسم من سكانها فرنسا الرسمية بالتأخّر في حمايتهم وتقديم الأولوية لمناطق مجاورة أكثر ثراءً واستقطاباً للسيّاح.

وحاول لوكورنو احتواء الغضب بالتعهّد بكشف تفاصيل تعامل السلطات الفرنسية مع الحريق "دقيقة بدقيقة"، قبل أن يضيف أنّ الحكومة "ليس لديها أبداً ما تخفيه" حول إدارتها الحريق. ودعا إلى التحلّي بـ"العقلانية" في النقاش حول هذا الموضوع، بعدما كان قد اتّهم الذين يشكّكون في طريقة توزيع وسائل الإطفاء بالانجرار خلف روايات تآمرية.

لكنّ زيارة لوكورنو، برفقة عدد من وزراء حكومته، جاءت بعد ساعات من كشف صحافي يقوّض دفاع السلطات عن استعداداتها لموسم الحرائق. فقد كشف موقع ميديابارت، أمس الأحد، مضمون تسجيل لاجتماع عقده وزير الداخلية لوران نونييز، الخميس الماضي، مع ممثّلي رجال الإطفاء، أقرّ فيه بأنّ تأكيد الحكومة توفّر وسائل كافية لمواجهة الحرائق يدخل من ضمن "موقف سياسي" للردّ على انتقادات المعارضة. أضاف نونييز، في التسجيل نفسه، أنّ السلطات "لم تقل قطّ" إنّ عدد شاحنات الإطفاء "كان كافياً في الحقيقة". ويتناقض ما يكشفه هذا التسريب مع تأكيد الوزير، منذ بداية موسم الحرائق، أنّ فرنسا تملك ما يكفي من الوسائل الجوية والبرية للسيطرة على النيران.

ولا يقتصر الجدال على حريق جيروند وحده، الذي التهم 42 ألف هكتار وأجبر 220 ألف شخص على مغادرة منازلهم. فقد تجاوزت المساحات التي اجتاحتها النيران في فرنسا هذا العام 119 ألف هكتار، ولقي أربعة من رجال الإطفاء حتفهم خلال الصيف، فيما أعلنت نقاباتهم التحضير لتحرّك واسع بدءاً من 26 سبتمبر/ أيلول المقبل، احتجاجاً على ضعف دعم الدولة ونقص التوظيف وعدم شراء ما يكفي من معدّات. وفي خلال ذروة حرائق يوليو، لم تكن إلا خمس طائرات إلى ثمانٍ صالحة للخدمة من أصل 12 طائرة "كنداير" تملكها البلاد، علماً أنّ فرنسا لن تتسلّم أوّل طائرتَين جديدتَين قبل عام 2028، رغم تعهّد رئيس الجمهورية إيمانويل ماكرون في عام 2022 برفع الأسطول إلى 16 طائرة بحلول نهاية ولايته ربيع عام 2027.

وخصّص رئيس الوزراء الفرنسي جزءاً من زيارته لملفّ إعادة إعمار المناطق المتضرّرة وتكييفها مع تغيّر المناخ، معلناً إطلاق مهمّة تتولّى هذا الملف، فيما تعهّدت الحكومة بتسريع إعادة الإسكان والإعمار ومتابعة المتضرّرين بصورة فردية. ودخل حيّز ااتنفيذ، أوّل من أمس السبت، مرسومٌ يمنح مساعدات مؤقتة للشركات التي يقلّ عدد موظفيها عن 250 شخصاً في أقاليم جيروند ولاند وفار، إلى جانب تخفيف كلفة البطالة الجزئية عن الشركات التي اضطرّت إلى إغلاق أبوابها.

من جهتها، قدّرت وزيرة التحوّل البيئي في فرنسا مونيك باربو الكلفة المباشرة وغير المباشرة لموجات الحرّ لموسم الصيف الجاري بما يتراوح ما بين 10 مليارات يورو و15 ملياراً (ما بين نحو 11.60 مليار دولار أميركي و17.40 ملياراً). وفي مقابلة نشرتها صحيفة ليبيراسيون، أمس الأحد، قالت الوزيرة إنّها سوف تعرض إجراءات جديدة لتسريع العمل بالخطة الوطنية للتكيّف مع تغيّر المناخ، وذلك بحلول أكتوبر/ تشرين الأول المقبل. وتغطّي الخطة قضايا تمسّ الحياة اليومية، من حماية العاملين في خلال موجات الحرّ إلى تهيئة المدارس والمساكن، وتأمين المياه والرعاية الصحية عند اشتداد الحرارة. لكنّ باربو أقرّت بأن موارد فرنسا محدودة، فيما لم تعلن الحكومة حتى الآن حجم الأموال التي سوف تُخصَّص لتنفيذ الإجراءات الجديدة.

وتأتي هذه الوعود بعد صيف أظهر حجم التأخّر في حماية السكان. فقد سجّلت فرنسا أكثر من 5.700 وفاة زائدة في خلال موجة الحرّ الممتدة من 17 يونيو/ حزيران إلى الثاني من يوليو/ تموز الماضيَين، كان نحو ثلثَيها لأشخاص تبلغ أعمارهم 75 عاماً فما فوق، من دون أن يعني ذلك أنّ موجة الحرّ تقف وراء كلّ هذه الوفيات. ومع اشتداد الجفاف، انقطعت مياه الصنابير عن أكثر من 40 ألف شخص في 97 بلدة، واضطرت السلطات المحلية إلى تزويد السكان بالمياه عبر الصهاريج والقوارير.

وفي الأرياف، انعكس الجفاف مباشرةً على المحاصيل، بما يجعل الموسم استثنائياً في حجم خسائره. فقد قدّرت منظمات منتجي الخضراوات تراجع الإنتاج في عدد من الزراعات، من قبيل الكوسا والبازلاء والبروكولي، بنسب تراوحت ما بين 30% و60% أحياناً، ووصلت في حالات أخرى إلى خسارة المحصول كله. ولا ترجع كارثية الموسم إلى هذه النسب وحدها، بل إلى تضرّر أحواض الإنتاج الرئيسية شمالي البلاد وغربيها وكذلك جنوبها الغربي في الوقت نفسه، بعدما كان محصول منطقة يعوّض في العادة خسائر منطقة أخرى. ولم تتوقّف الأضرار عند محاصيل هذا الصيف، إذ كشفت نقابات ومنظمات مزارعين صعوبة شتل محاصيل عديدة للموسم المقبل بسبب جفاف التربة، الأمر الذي ينذر باستمرار الخسائر في خلال الأشهر المقبلة.

في هذه الأثناء، ساهم الانخفاض النسبي في درجات الحرارة بمعظم أنحاء فرنسا بالحدّ من نشاط الحرائق، غير أنّ مئات من رجال الإطفاء ظلوا منتشرين في المناطق المتضرّرة لمراقبة مواقع البؤر ومنع اشتعالها مجدداً. وفي إقليم لاند جنوب غربي البلاد، أعلنت السلطات صباح اليوم الاثنين تثبيت حريق أتى على نحو 1700 هكتار، من دون إخماده حتى الآن، مبقيةً نحو 350 من رجال الإطفاء في الموقع. وفي شمال شرقي البلاد، جاءت الأزمة هذه المرّة من خارج الحدود، بعدما حملت الرياح الدخان والروائح المنبعثة من حريق محميّة أوت فانيه شرقي بلجيكا إلى إقليم غراند إيست الفرنسي. وسجّلت مناطق عدّة في الإقليم ارتفاعاً كبيراً في تركيز الجسيمات الدقيقة ونسب تلوّث الهواء، الأمر الذي دفع السلطات إلى إصدار تحذيرات ودعوة السكان إلى تجنّب الأنشطة البدنية التي تستلزم جهداً كبيراً وإغلاق النوافذ عند اشتداد حدّة الدخان.