موجة حر تضرب شمال سورية وسط انقطاع الماء والكهرباء

15 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 16:36 (توقيت القدس)
نازحون يبردون أجسادهم بمياه في إدلب تحت وطأة الحر، أغسطس 2023 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد مناطق شمال سورية موجة حر شديدة تتجاوز 45 درجة مئوية، مع انقطاع المياه والكهرباء، مما يزيد من صعوبة الحياة اليومية للسكان في القامشلي وإدلب وريف حلب.
- يعاني السكان من نقص الخدمات الأساسية، حيث يتأثر الأطفال وكبار السن بالحر الشديد، وتزيد تكلفة المولدات الخاصة من صعوبة التبريد في المنازل.
- تعكس الأزمة هشاشة الوضع الإنساني في شمال غرب سورية، حيث يعيش النازحون في ظروف قاسية مع غياب الدعم الحكومي والإنساني الفعال.

تشهد مناطق من شمال سورية، شرقاً غرباً، موجة حرّ خانقة تجاوزت خلالها درجات الحرارة حاجز الـ45 درجة مئوية في بعض المدن، وسط ظروف معيشية متردية تتفاقم بفعل انقطاع المياه والكهرباء. ففي القامشلي، يتزايد استياء الأهالي من غياب الحلول الرسمية، فيما لا تبدو الأوضاع أفضل في إدلب وريف حلب شمال غرب سورية، حيث يعيش السكان تحت وطأة حر شديد وخدمات شبه معدومة، دون أي استجابة تُذكر من الجهات المعنية أو المنظمات الإنسانية، ما يجعل الحياة اليومية أكثر قسوة وتعقيداً.

في هذا السياق، يقول فيصل الدعاس، أحد سكان مدينة القامشلي، في حديثه لـ"العربي الجديد": "نعاني في الصيف من انقطاع المياه، تمرّ الصهاريج أمام منازلنا لكنها لا تستجيب لطلباتنا. المشكلة أن آبار المياه في القامشلي لا تزال على حالها، لم يطرأ عليها أي تغيير، ولا نعلم ما السبب الحقيقي لهذا الشحّ المتزايد". ويضيف: "نأمل في تأمين المياه والكهرباء، فالوضع لم يعد يُحتمل مع هذا الحر الشديد والفقر المتزايد. كثيرون لا يملكون القدرة على شراء خزان ماء، إذ يبلغ سعره نحو خمسين ألف ليرة سورية، لكنه يُساوي ثلاثة رواتب شهرية لموظف حكومي. هذا عبء يفوق طاقة معظم العائلات".

ويشير المتحدث إلى أن بعض الأحياء لا تصل إليها المياه إلا مرة كل عشرين يوماً، في حين تُحرم مناطق أخرى منها بشكل كامل. ويؤكد: "شراء الماء من السوق بات عبئاً يومياً يثقل كاهل الناس. في السابق، أيام سيطرة النظام، كانت المياه متوفرة بشكل أفضل. نطالب اليوم، على الأقل، بتأمين المياه لست ساعات يومياً، ونناشد الجهات المعنية التحرك فوراً لإنهاء هذه المعاناة".

من جهته، يوضح عبد الإله الدرويش أن أزمة المياه والكهرباء باتت تطاول الجميع، كباراً وصغاراً، ويقول لـ"العربي الجديد": "حتى الأطفال يشعرون بثقل هذه المعاناة. إذا سألت أحدهم، سيصف لك يومه الطويل بلا كهرباء ولا ماء. ليس بمقدور الجميع شراء المياه يومياً، والوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم". ويضيف موجهاً رسالة إلى المسؤولين: "الماء والكهرباء من أبسط مقومات الحياة، وحرمان الناس منهما ينهكهم نفسياً وجسدياً. لا نطلب رفاهية، نطلب فقط أساسيات العيش". ويشرح الدرويش جانباً من صعوبات الحياة اليومية: "أملك محلاً تجارياً، لكن البيع ضعيف جداً، والدخل لا يكفي لسد احتياجات الأسرة. أما الاشتراك في المولدات الكهربائية، فهو أمر مكلف لا يمكن للجميع تحمله".

بدوره، يتحدث حسين جمعة عن تأثير هذه الظروف القاسية على الحياة اليومية، قائلاً: "انقطاع الكهرباء يعني توقف أجهزة التبريد، والمراوح، وهذا أمر كارثي خاصة على كبار السن والأطفال. أما المياه، فباتت رفاهية في ظل ارتفاع الأسعار. لا يستطيع الجميع تأمين احتياجاته منها، أو دفع اشتراك في المولدات". ويعتبر أن هذه الظروف "تستنزف الطاقة النفسية والجسدية للسكان، وتزيد شعورهم بالتجاهل من قبل الجهات المسؤولة في وقت يحتاجون فيه إلى دعم عاجل".

وتعود أسباب الارتفاع الكبير في درجات الحرارة إلى عوامل عدة، من أبرزها وجود الأبنية الإسمنتية، والطرقات المعبدة بالإسفلت، والمولدات التي تولّد حرارة إضافية في الشوارع، ما يؤدي إلى امتصاص الحرارة وتخزينها في الجو المحيط، ويزيد من الإحساس بالحر الشديد.

ويؤكد مختصون أن أفضل سبل الوقاية من ضربات الشمس تشمل شرب كميات كافية من الماء يومياً (بين 2 إلى 3 لترات)، واستخدام واقيات الشمس والنظارات الشمسية، والاستحمام قبل الخروج من المنزل، وحمل مظلات للحماية من أشعة الشمس المباشرة، وتجنب الخروج من المنزل في ساعات الذروة، إلا في حالات الضرورة القصوى. ويحذرون من أن ضربات الشمس قد تؤدي إلى طفح جلدي، واسمرار في البشرة، ودوخة، وغثيان، وحتى فقدان الوعي في بعض الحالات.

ورغم قسوة الموجة الحارة، لم تُتخذ أي تدابير من قبل الإدارة الذاتية، مثل رش المياه في الشوارع أو تركيب مراوح عمومية أو حتى سقاية الأشجار التي من شأنها تلطيف الجو. حالة الطوارئ تكاد تكون معدومة، مما يفاقم الأزمة البيئية والمعيشية. ويعد استخدام المكيفات داخل المنازل وسيلة غير متاحة للجميع بسبب انقطاع الكهرباء المستمر، وارتفاع كلفة المولدات الخاصة، ما يجعل من التبريد أمراً صعباً حتى في المنازل.

وفي شمال غرب سورية، تعاني مدن مثل إدلب وريف حلب من ظروف مشابهة، في ظل موجة الحر التي تضرب المنطقة دون أي استجابة تذكر من الجهات المسؤولة أو المنظمات الإنسانية. إذ يواجه السكان هناك تحديات معيشية مركبة، تبدأ من غياب الخدمات الأساسية ولا تنتهي عند حدود الحر الشديد.

تقول رزان الخطيب، من سكان مدينة إدلب، لـ"العربي الجديد": "تنقطع الكهرباء لساعات طويلة يومياً، وأحياناً لا تأتي إلا ساعة أو ساعتين في اليوم. أما المياه، فلا تصلنا إلا عبر صهاريج خاصة، ويجب حجزها مسبقاً، وسعرها مرتفع جداً مقارنةً بدخل العائلات". وتتابع: "لا توجد شبكة مياه ثابتة في بعض الأحياء، وخاصة في المناطق العشوائية أو تلك التي تضم نازحين. اضطررنا إلى تركيب خزانات صغيرة وتعبئتها بشكل متقطع، لكن ذلك لا يكفي للاستخدام اليومي، خصوصاً مع ازدياد الحاجة للماء بسبب الحر". وتوضح، "مع موجة الحر الشديدة، نشعر وكأننا نعيش في صحراء. لا أشجار، لا مراوح، لا كهرباء، والبيوت صغيرة لا تسمح بدخول الهواء. الأطفال ينامون وهم يتقلبون من شدة التعرق والضيق، وكبار السن يتعرضون للإغماء بسبب الجفاف والحرارة".

أما محمود حاج يوسف، نازح يقيم في أحد مخيمات أطمة بريف حلب الشمالي، فيقول: "الوضع في المخيم مأساوي. نعيش في خيم من قماش لا تقي من الشمس، ترتفع درجات الحرارة داخلها إلى مستويات لا تطاق. لا نملك أجهزة تبريد، ولا حتى كهرباء كافية لتشغيل مروحة. الماء يوزع علينا بصهاريج كل عشرة أيام، ولا يكفي للشرب والغسيل والطهي معاً".

ويضيف: "بعض العائلات تلجأ إلى تبريد أجساد الأطفال بمناشف مبللة بالمياه، أو تعبئة عبوات المياه وتجميدها إن وجدت كهرباء عبر الطاقة الشمسية المحدودة، ثم وضعها قرب الأطفال لتلطيف حرارة أجسادهم. هذه حلول بدائية، لكنها ضرورية للبقاء". ويتابع "لم نشاهد أي حملة لتوزيع عبوات مياه، أو تركيب مظلات في الساحات العامة، الناس هنا يواجهون هذه الكارثة وحدهم".

هذا التدهور المستمر في البنية التحتية وعدم توفر الموارد اللازمة للتكيف مع موجات الحرارة، يعكس هشاشة الواقع الإنساني في شمال غرب سورية، لا سيما في ظل وجود ملايين النازحين المقيمين في خيام ومنازل متهالكة، حيث تتحول الحرارة إلى تهديد مباشر للصحة والحياة. ويشير سكان شمال غرب سورية، إلى غياب تام لدور الحكومة المؤقتة والمنظمات الإنسانية في مواجهة موجة الحر، باستثناء حملات توعية خجولة. كما تغيب مشاريع تحسين البنية التحتية، أو تأمين الطاقة، أو توزيع مياه الشرب.

وتكشف موجة الحر في مناطق الشمال السوري، سواء في الشرق أو الغرب، هشاشة الواقع الخدمي، وتسلط الضوء على غياب دور السلطات المحلية في اتخاذ إجراءات طارئة تحمي حياة المدنيين. وفي ظل هذه الأوضاع، لا يملك السكان سوى الصبر، والأمل بإجراءات تنقذهم من حر خانق لم يرحمهم، وفقر متفاقم ينهش كرامتهم.