موجة الحر تفاقم معاناة السوريين وسط أزمة مياه وكهرباء

12 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 17:48 (توقيت القدس)
محاولات لتخفيف حدّة الحرارة، إدلب، 18 يوليو 2024 (بلال الحمود/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني السوريون من موجة حرّ شديدة تزيد من معاناتهم في ظل أزمات شحّ المياه وانقطاع الكهرباء، مما يكشف ضعف البنية التحتية.
- في الرقة والقامشلي، تتفاقم الأوضاع بسبب انقطاع الخدمات الأساسية، مما يؤثر على النازحين ويزيد من المشاكل الصحية.
- خبراء المناخ يحذرون من استمرار موجة الحرّ حتى منتصف سبتمبر، مشددين على ضرورة تعزيز البنية التحتية وتوعية المواطنين لمواجهة تأثيرات تغير المناخ.

يعيش السوريون تحت وطأة موجة حرّ تفاقم معاناتهم، مترافقةً مع أزمات عديدة، بينها شحّ المياه وانقطاع الكهرباء والخدمات الأساسية في المدن والأرياف والمخيمات. وتكشف الأزمة الراهنة هشاشة الواقع في ظلّ تدهور البنى التحتية وضعف قدرة المجتمع على الصمود، وسط تداعيات تغيّر المناخ.

منطقة الجزيرة السورية التي تضمّ محافظة الحسكة وأجزاءً من محافظات حلب ودير الزور والرقة تشتدّ فيها درجات الحرارة، وتتجاوز الـ50 درجة مئوية، كما تشهد شحّاً في تغذية المياه. وفي مدينة الرقة (شمال وسط سورية)، يعاني السكان من موجة الحرّ التي تفاقمها أزمة المياه. وفي السياق، يأسف المواطن عبد المنعم السعيد، من حي الانتفاضة في الرقة، لما تشهده المدينة من "أسوأ حالات الواقع الخدمي، متمثلةً بانعدام التيار الكهربائي خلال موجة الحر الشديد في الشهرين الأخيرين، بالإضافة إلى أزمة انقطاع متكرّر لمياه الشرب في أحياء مركز المدينة، قد تصل مدتها إلى 6 ساعات، وفي أحياء أخرى قد تتجاوز 10 ساعات، رغم أن الرقة مجاورة لنهر الفرات".

وتابع السعيد لـ"العربي الجديد": "المياه وسيلة للشرب والتبريد، نبلّل ملابسنا بالماء لنستطيع تحمّل الحرّ خلال ساعات الظهيرة، ونستخدم المياه كذلك في المكيّفات الصحراوية عند توفّر الكهرباء، خصوصاً أن درجات الحرارة في المنطقة تتجاوز خمسين درجة مئوية". وأضاف: "مياه الشرب، إن وُجدت، فهي غير صالحة للشرب من دون فلترتها (تنقيتها) أو غليها على النار أو تعقيمها، لاحتوائها على شوائب عديدة أو على مادة "الكلور"، وقد تظهر أشنيات أو عوالق من صنابير المياه في المنازل".

وانسحبت تداعيات الحرارة الشديدة في الرقة على حياة النازحين في المحافظة، حيث كشف النازح خلدون الحميدي من دير الزور، أنه يعاني برفقة ما يقارب 400 عائلة أسوأ الظروف المعيشية في مخيم سهلة البنات منذ أربعة أعوام، وسط تقاعس كبير من الإدارة الذاتية والمنظمات العاملة في الرقة. وأكد لـ"العربي الجديد" أن ارتفاع درجات الحرارة في الأيام الأخيرة فاقم حدّة الأوضاع على النازحين وأطفالهم، ولا سيما أن المخيم بعيد عن مستوصفات قريبة، حيث أصيب أكثر من 90 طفلاً بضربات شمس متفاوتة، من دون اتّخاذ أي مبادرات طبية أو توجّه فرق متخصّصة نحو المخيمات العشوائية التي تؤوي أكثر من 6000 عائلة في 41 منطقة بمحيط الرقة".

وفي مدينة القامشلي (شمال شرق سورية) لا يختلف الوضع كثيراً، حيث أوضح المواطن الستيني أمير العلو، وهو من سكان المدينة لـ"العربي الجديد"، أن "درجات الحرارة في أعلى مستوياتها منذ عقود، بحسب ذاكرتنا، حيث تجاوزت 50 درجة مئوية، ما ينعكس سلباً على حياتنا جميعاً وحتى على الحيوانات، كما نعاني حاليّاً من أزمة مياه حادّة مع جفاف ونضوب معظم الآبار في المنطقة، حيث انخفض مستوى المياه إلى ما دون 75 متراً، ما أدّى إلى مشكلة وأزمة في المنطقة".

تُضاف أزمة الكهرباء إلى درجات الحرارة القياسية، وفق العلو، الذي قال: "عند انقطاع الكهرباء في الليل يستحيل أن ننام، إذ يكون الوضع سيئاً جداً، والعرق شديداً، والهواء حارّاً للغاية، حتى إنّنا نعاني صعوبة في التنفس وآثاراً صحية، ويتعرّض أطفالنا بشكل متكرّر لضربات الشمس".

من جانبه، كشف خبير المناخ، غياث الطويل، لـ"العربي الجديد"، أنّ درجات الحرارة في دمشق ومحيطها هذا الصيف تسجّل معدلات أعلى من المتوسط السنوي بنحو 4 إلى 5 درجات مئوية، ما يجعلها من أشد موجات الحرّ خلال العقدين الأخيرين. وتوقّع أن تستمر موجة الحرارة الحالية حتى منتصف سبتمبر/ أيلول المقبل، مع احتمالية تراجع تدريجي في درجات الحرارة بعدها، من دون أن تصل إلى مستويات قصوى مثل 50 درجة مئوية، والتي تُعتبر نادرة جدّاً في المنطقة.

وأكد أن هذه الموجة تمثل ظاهرة مناخية استثنائية لها تأثيرات كبيرة على الصحة العامة والزراعة وإمدادات المياه والكهرباء. وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة يزيد من معدلات استهلاك الطاقة للتبريد، ويضع ضغوطاً إضافية على البنية التحتية الهشّة، كما يفاقم نقص المياه ويؤدّي إلى تدهور المحاصيل الزراعية، ما يزيد من هشاشة الأمن الغذائي ويهدّد استقرار المجتمعات المحلية.

وأوضح الخبير المعني بتغير المناخ أنه "من الضروري اتخاذ إجراءات عاجلة، مثل تعزيز شبكات توزيع المياه لتقليل الفاقد، وتنظيم ساعات التقنين الكهربائي لتفادي الانقطاعات الطويلة، وتشجيع استخدام تقنيات الزراعة المقاومة للجفاف، وتوعية المواطنين بطرق ترشيد استهلاك المياه والكهرباء، بالإضافة إلى تجهيز مراكز تبريد ورعاية صحية للمناطق الأكثر تأثراً". وشدد على أهمية التنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات الدولية لمواجهة التحديات المناخية وتحقيق صمود أفضل للقطاعين الزراعي والمجتمعي.

وأضاف الطويل أن هذه الموجات الحرارية الاستثنائية ليست ظاهرة عابرة، بل من المتوقع أن تتكرّر في السنوات المقبلة مع تزايد فترات الجفاف بسبب تغيّر المناخ، ما يستدعي التخطيط الاستراتيجي لمواجهة تأثيراتها المتصاعدة. وأشار إلى أهمية الاستثمار في مشاريع طويلة الأمد لتأمين مياه الشرب، مثل تحلية مياه البحر، بالإضافة إلى تحديث وتوسيع شبكات المياه لتلبية الطلب المتزايد، وتعزيز القدرات على إدارة الموارد المائية بشكل مستدام. كما دعا إلى تشجيع الابتكار في الزراعة والتقنيات البيئية للتكيّف مع الظروف المناخية المتغيّرة وحماية الأمن الغذائي والمائي للسكان.

بدوره، أكد المواطن مجد أمين من سكان منطقة القلمون الغربي بمحافظة ريف دمشق، أنّ الوضع في ريف دمشق سيّئ للغاية مع موجة الحرّ. وقال لـ"العربي الجديد": "نعتمد على مياه الصنبور من شبكات الدولة، مع العلم أن هذه المياه تصل إلى معظم مناطق ريف دمشق ساعات معدودة فقط كل أسبوع أو عشرة أيام. الأزمة كبيرة وسط موجة الحرّ واستمرار انقطاع الكهرباء".

وأضاف أمين: "كنا نترقب تحسّن الكهرباء، لكن لم يتحسن أي شيء حتى الآن من جانب الحكومة. نحاول استخدام المياه للتبريد، لكننا نحافظ عليها قدر الإمكان، إذ إنّ الحصول على المياه يتطلب توافر الكهرباء، والتي بدورها تشكّل حاجة ملحّة لتشغيل المراوح على أقلّ تقدير". ولفت إلى أن بعض المواطنين يستطيعون شراء بطاريات أو ألواح طاقة، لكن الأمر ليس بمقدور الجميع، وتابع: "تخيّل أن تُجبر على تحمّل درجة حرارة الظهيرة التي تتجاوز 43 درجة مئوية مع أطفالك، بسبب عدم توفر مصدر طاقة، الوضع لا يزال سيئاً للغاية".

المساهمون