مواليد العدوان في غزة... نموّ بين الخيام والجوع والأمراض

غزة

العربي الجديد

لوغو العربي الجديد
العربي الجديد
موقع وصحيفة "العربي الجديد"
20 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 21 يوليو 2025 - 02:43 (توقيت القدس)
67 ألف مولود جديد في قطاع غزة.. جيل مهدد بالجوع والموت البطيء
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني أطفال غزة من ظروف قاسية تهدد صحتهم ونموهم، حيث يواجهون نقصًا حادًا في الخدمات الصحية والغذائية، ويعيشون في بيئات ملوثة تزيد من خطر الأمراض والوفيات بسبب التشوهات الخلقية والاختناق.

- تواجه الأمهات سوء التغذية، مما يؤثر على قدرتهن على توفير الرضاعة الطبيعية، ويضطرهن للبحث عن بدائل غير كافية، مما يؤدي إلى ضعف نمو الأطفال ووزنهم المنخفض.

- البيئة الملوثة ونقص الرعاية الصحية يزيدان من انتشار الأمراض بين الأطفال، مما يؤثر على تكوين جهازهم العصبي ويهدد بظهور جيل يعاني من محدودية القدرات.

يعيش أطفال قطاع غزة الذين وُلدوا خلال العدوان الإسرائيلي ظروفاً قاسية تؤثر في صحتهم، وتهدد نموهم، في ظل نقص جميع الخدمات الصحية والغذائية، بالإضافة إلى احتمال الاستشهاد.

تحيط المخاطر بحياة أطفال قطاع غزة الذين وُلدوا خلال العدوان الإسرائيلي. يولد هؤلاء في ظروف قاسية، ويكبرون على الألم والجوع، في ظل نقص الحليب والغذاء، خصوصاً خلال فترة الجوع الحالية التي يعيشها أهالي القطاع بشكل مستمر منذ الأول من مارس/ آذار 2025. حتى الرضاعة الطبيعية غير متاحة، نظراً إلى سوء التغذية لدى الأمهات اللواتي لا يتوقفن عن زيارة المستشفيات، نتيجة العيش في بيئات ملوثة، تعرّض الأطفال للإصابة بأمراض جلدية ومعوية متعددة. 
ويعيش المواليد الجدد حياة النزوح المريرة، ويسمعون أصوات القصف، وقد يستشهدون في عامهم الأول أو أيامهم الأولى.
وتفيد وحدة نظم المعلومات الصحية في وزارة الصحة في غزة، لـ"العربي الجديد"، بأن عدد المواليد الجدد بلغ 67 ألفاً خلال الحرب، بينهم 12 ألف مولود خلال الربع الأخير من عام 2023، و37 ألفاً و800 مولود خلال عام 2024، و17 ألف مولود خلال النصف الأول من عام 2025. فيما استشهد 940 طفلاً ممن هم أقل من عام خلال فترة الحرب، فيما بلغت أعداد الوفيات بسبب التشوهات الخلقية والاختناق والتسمم 300 حالة عام 2024. وتشير الوحدة إلى ارتفاع معدل وفيات الأطفال الذين تقل أعمارهم عن خمس سنوات، والذي بلغ 32.7/1000 من المواليد الأحياء، عن معدل الوفيات خلال السنوات السابقة، وذلك بسبب استهداف هذه الفئة خلال الحرب على قطاع غزة، إذ يبلغ معدل الوفيات الطبيعية 3.5/1000 من المواليد الأحياء.
ونتيجة تدمير المستشفيات، يُقدم الحد الأدنى من الرعاية الصحية للأطفال وأمهاتهم، وتتكدس المراكز الصحية المتبقية بأعداد كبيرة من المراجعين يومياً. فلقاء الطبيب يتطلب ساعات انتظار طويلة داخل أروقة المستشفيات. وبصعوبة، يحصل الأطفال على العلاج نتيجة نقص الدواء. ولا تتوقف معاناة الأمهات عند فترة الحمل الصعبة مع غياب المغذيات، بل تستمر بعد الولادة وحتى ما بعد عام الأطفال الأول، خصوصاً أن الأطفال في هذه الفئة العمرية يحتاجون لرعاية خاصة، قد لا تتوفر خلال الحرب.
قبل أن يبصر الطفل يامن سالم أبو محسن المولود في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 النور، استنشقت والدته غاز الفسفور خلال رحلة نزوحها من مدينة غزة إلى مدينة رفح جنوب القطاع، ليولد الطفل في حالة اختناق شديدة، وقد وضع في حضانة مدة عشرة أيام كان فيها بين الحياة والموت.
داخل صالة الانتظار في مستشفى جمعية أصدقاء المريض الخيرية بمدينة غزة، كان والداه يصطفان في طابورٍ طويلٍ، حيث الكثير من الأطفال الذين بدت على غالبيتهم ملامح سوء التغذية. يامن الذي بلغ عاماً وثمانية أشهر، عاش مع عائلته النزوح مراراً وتكراراً. وتقول والدته لـ"العربي الجديد": "عانيت جراء العيش في الخيام، خصوصاً في ظل ارتفاع درجات الحرارة. لم يجد طفلي بيئة مناسبة يعيش فيها. منذ ولادته، وضع في حضانة بين الحياة والموت. نزحت به تسع مرات جنوبي القطاع، ورأى أموراً وعاش مواقف لا يجب عليه رؤيتها، وحرم من أبسط حقوقه ولم يجد الحليب ولا الحفاضات".

معاناة استمرار القصف والنزوح، 7 يوليو 2025 (معز صالحي/الأناضول)
معاناة استمرار القصف والنزوح، 7 يوليو 2025 (معز صالحي/الأناضول)

تضيف: "حياة الخيام أثرت بصحة طفلي. عانى من الحساسية، وأصيب بنزلات معوية، وتنقّلت به من مستشفى إلى آخر. في إحدى المرات، مكث في المستشفى مدة شهر بسبب قلة الطعام. اعتقدت أنه سيموت لأننا لا نستطيع توفير ما يحتاجه من غذاء". وتلاحق المعاناة أمه الحامل بشهرها الأول، ويؤثر سوء التغذية، الذي تعاني منه منذ ولادة طفلها يامن، في حملها الجديد. تتابع: "لا توجد تغذية أو مناعة. أنهكت بالحمل الأول، وبالتالي لا يستطيع جسدي تحمل حمل جديد، وقد طرح عليّ الطبيب إجهاض الحمل".
بقدمين نحيلتين وجسد صغير، تحمل والدة سلام محمد أبو وادي (ستة أشهر) طفلتها وكأنها ولدت للتو، نتيجة معاناتها من سوء التغذية. فوزن الطفلة لا يزيد عن 3 كيلوغرامات، رغم أنها تأكل بانتظام من دون نمو أو تحسّن في حالتها. ولدت سلام بحالة طبيعية، وكانت "مثل الوردة" كما تصفها الأم، وهي صورة مختلفة تماماً عن وضع الطفلة الصعب التي كانت تحملها أمها برفق خشية تكسر عظامها. تقول لـ"العربي الجديد" وهي توشك على مغادرة المستشفى: "جئت اليوم إلى العيادة لمراجعة قسم سوء التغذية، حيث حصلت على الزبدة". تضيف: "كانت جميلة جداً عندما ولدت، لكن ساءت حالتها فجأة. أخبرني الطبيب أن السبب قد يكون استنشاقي الفسفور خلال فترة الحمل. وبالفعل، قُصف بيت جيراننا بالفسفور. وبسبب سوء التغذية لا تستطيع الجلوس، وتبقى نائمة على ظهرها طوال الوقت".
لم تصل حالة الطفل حازم سعيد حبيب (8 أشهر) إلى مستوى حالة سلام، لكن كانت علامات سوء التغذية واضحة على جسده. كان يبكي ويشد ثياب والدته بشكل متكرر طالباً الرضاعة. منذ ثلاثة أشهر، تحاول والدة الطفل استبدال الحليب الصناعي بالعدس، في ظل النقص الحاد بحليب الأطفال. ورغم تقبل الطفل للعدس، فإنها اضطرت لإيقافه بسبب مرضه المتكرر. تقول والدته لـ"العربي الجديد": "وزنه الآن لا يزيد عن 6 كيلوغرامات رغم أنه يفترض أن يصل إلى وزن 10 كيلوغرامات. كان يبكي من الجوع ويحتاج الرضاعة، ولا يوجد حليب كاف لديّ بسبب قلة الغذاء. في الصباح، قمت بإرضاعه لكنه لم يشبع. في المستشفى، يقدم له مكمل غذائي عبارة عن زبدة الفستق، وهو لا يشبعه". تضيف: "بعد ولادته، أصيب بالحمى الشوكية (التهاب الأغشية الواقية التي تحيط بالدماغ والحبل الشوكي)، وتأثر بحياة الخيام بشكل كبير".

عدد الحضانات في غزة محدود للغاية، 12 إبريل 2025 (دعاء الباز/الأناضول)
عدد الحضانات محدود للغاية في غزة، 12 إبريل 2025 (دعاء الباز/الأناضول)

كانت البثور واضحة على أنف وأذن الطفل وديع محمد الرملاوي (خمسة أشهر)، وقد انتشرت في جسده نتيجة العيش في بيئة ملوثة داخل الخيام. ورغم أن الطبيب أوصى بعدم وصول الذباب إلى البثور، فإن ذلك لم يحدث بسبب كثرة الذباب التي لا تفارق الخيمة، ما جعلها تنتشر. تضيف والدته لـ"العربي الجديد": "البثور تتزايد بسبب البكتيريا. وطوال الوقت، يبكي من شدة الألم والوجع الذي يشعر به بسبب هذه البثور التي تشبه الحروق".
وعن البيئة التي يعيش فيها الطفل، تصفها الأم بأنها "غير لائقة لا بحياة الطفل ولا للعيش الآدمي"، مضيفة: "وضعنا داخل الخيام صعب جداً. بعد ولادته بثلاثة أيام، عدت به من جنوب القطاع إلى غزة أواخر يناير/ كانون الثاني 2025، وكانت رحلة شاقة جداً بسبب حجم العائدين الكبير. وخلال الطريق أغمي عليه وتعرض لنزيف".
كانت والدة وديع تخشى أن يقوم الطبيب بكتابة علاج لطفلها لشرائه من خارج العيادة، لعدم توافر المال لديها. وتستذكر لحظة ولادة طفلها، قائلة إنها لم تجد سيارة تنقلها إلى المستشفى، وقد تأخرت سيارة الإسعاف. تضيف: "شعرت وكأنّ روحي تخرج من جسدي من شدة الوجع، وكانت أمامي حالتا ولادة".
أما الحالة الصحية لأميرة سعدة (تسعة أشهر)، فكانت أفضل من جميع الأطفال السابقين. وكونها المولودة البكر لوالدتها، فقد عانت الأم بشكل مختلف عن سابقاتها من الأمهات. تقول لـ"العربي الجديد" بينما كانت تلهو مع طفلتها بانتظار تقدُّم دورها في طابور الانتظار: "لم أجد ملابس للطفلة لحظة الولادة. فالقطعة يبلغ سعرها حوالي 20 دولاراً. مرت الأشهر بصعوبة علينا من نزوح وتعب، والتنقل من مستشفى إلى آخر، بسبب حياة الخيام التي أدت إلى إصابتها بحساسية جلدية".
ونزحت والدة الطفلة مع عائلتها من حي الشجاعية إلى محيط مكب النفايات، قرب ملعب اليرموك، وسط مدينة غزة. وبسبب قربها من المكب، تغزو خيمتها أسراب من البعوض والذباب والحشرات، فضلاً عن الروائح الكريهة، وهي حياة لم تكن "تتمنى أن تعيش فيها الطفلة، فضلاً عن نزوحها بطفلتها تحت القصف والخوف".

ويؤكد رئيس دائرة نظم المعلومات، زاهر الوحيدي، لـ"العربي الجديد"، أن المراكز الصحية في القطاع تبلغ حالياً 67 مركز رعاية، تعمل بصورة جزئية، من أصل 157 مركز رعاية كانت تقدم الرعاية كاملة للأطفال والأمهات وأصحاب الأمراض المزمنة.
بدوره، يصف رئيس قسم الأطفال في مجمع ناصر الطبي، أحمد الفرا، أوضاع مواليد الحرب بالسيئة، لافتاً إلى ازدحام الأطفال الشديد في المستشفيات. كما أن وضع الرعاية يواجه تحديات كبيرة نتيجة نقص المعدات والمكملات الغذائية والحليب والكوادر الطبية ما يؤثر بالأطفال. ويؤكد الفرا لـ"العربي الجديد" أن هناك عناصر مهمة كالفيتامينات والمعادن والبروتينات والدهون اللازمة لتكوّن الجهاز العصبي في السنوات الثلاث الأولى، وغيابها يؤثر بتكوين الطفل مستقبلاً، وقد ينشأ عن غيابها ضعف في التواصل الاجتماعي، وعدم قدرة في التعبير والكلام. يضيف: "نتحدث عن جيل كامل سينشأ لديه محدودية بالقدرات، بالإضافة إلى الإصابة بالاكتئاب. كما أن البيئة الملوثة في الخيام ومراكز الإيواء حيث يعيشون تؤثر بالصحة وتؤدي للإصابة بالنزلات المعوية والالتهابات الجلدية بشكل مستمر. وهذا الأمر قد يؤدي إلى الفشل الكلوي".