مواصلات مصر... مآسٍ متكرّرة رغم إنفاق المليارات

15 يوليو 2025   |  آخر تحديث: 15 يوليو 2025 - 00:15 (توقيت القدس)
يتكدس الركاب في وسائل نقل غير آمنة في مصر (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني مصر من أزمة في قطاع النقل البري، حيث تتكرر الحوادث المرورية بسبب هشاشة البنية التحتية وغياب الرقابة، مما يدفع المواطنين لاستخدام وسائل نقل غير آمنة مثل "التوك توك" و"التروسيكل".

- على الرغم من الجهود الحكومية، تتجاوز الحوادث المرورية في مصر المعدلات العالمية بعشرة أضعاف، مع تسجيل 5,260 حالة وفاة و76,362 إصابة في عام 2024، مما يعكس غياب تطبيق القوانين وسوء حالة الطرق.

- يشير الخبراء إلى ضرورة إنشاء منظومة نقل متكاملة تشمل وسائل نقل آمنة وصيانة مستمرة وسائقين مؤهلين، مع تطبيق صارم للقوانين لضمان سلامة النقل البري.

لم تكن مأساة الطريق الإقليمي في محافظة المنوفية، شمال العاصمة المصرية، سوى واحدة من مئات الحوادث المرورية المتكررة التي تكشف هشاشة النقل البري في مصر. ففي غضون أسبوع واحد، حصد الطريق الإقليمي عشرات الأرواح في حوادث تصادم سيارات.
لم يعد المواطن المصري يخشى الطريق فقط، بل وسيلة النقل بحد ذاتها، بعدما تحولت وسائل المواصلات إلى قنابل متحركة، في ظل وجود سائقين بلا رخص. في الأحياء الشعبية والمناطق الريفية التي تعاني من ندرة المواصلات الآمنة تُستبدل وسائل النقل بأي وسيلة أخرى رغم مخاطرها، حيث يتكدس المواطنون في سيارات مخصصة لنقل البضائع صارت تُستخدم لنقل الركاب. وأصبحت المركبات التي تفتقد أبسط معايير الأمان والسلامة، مثل "التوك توك" أو "التروسيكل" (نوع من الدراجات النارية)، وسيلة يومية للوصول إلى العمل أو المدرسة، وغالباً ما يقودها مراهقون بلا ترخيص، بعيداً عن أعين الرقابة في مختلف المحافظات.
وعلى الرغم من التحركات الرسمية لتطوير منظومة النقل والبنية التحتية، لا تزال الأرواح تُزهق يومياً بسبب حوادث الطرق التي يتجاوز عدد ضحاياها في مصر العدد المسجل في الدول الصناعية بنحو 10 أضعاف. وسبق أن أعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن البلاد أنفقت 2 تريليون جنيه (نحو 40.3 مليار دولار أميركي) على مشاريع الطرق والجسور خلال آخر 10 سنوات، منذ عام 2014 وحتى عام 2024. وقال في تصريحات صحافية: "نجحنا في بناء قدرات الدولة من أجل مستقبل أفضل وأصبح لدينا شبكة طرق ضخمة فوق الخيال، ورقم واحد في الجودة، ساهمت في رفع مستوى مصر عالمياً في ترتيب الطرق".
فيما تشير الإحصاءات الرسمية الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) إلى تسجيل نحو 5,260 حالة وفاة و76,362 إصابة في حوادث الطرق خلال العام 2024، حيث بلغ عدد المصابين من الذكور 61,853 مقابل 14,509 من الإناث، أما الفئة العمرية ما دون 15 سنة فقد تصدرت قائمة الفئات المتضررة، بإجمالي 24,745 مصاباً.

يضطر الفقراء تحديداً إلى المجازفة بطرقات ومركبات متهالكة، مصر (العربي الجديد)
يضطر الفقراء إلى المجازفة بطرقات ومركبات متهالكة في مصر (العربي الجديد)

غير أن هذه الأرقام الصادمة لم تعد غريبة على الشارع المصري الذي اعتاد مشهد الحوادث المرورية المروّعة، بسبب غياب الرقابة وعدم تطبيق القوانين، أضف شكاوى المواطنين من سوء حال العديد من الطرق والسلوكيات المتهورة لسائقين يقودون مركباتهم من دون أدنى صيانة.
وكان عضو مجلس النواب المصري أستاذ القانون الجنائي، إيهاب رمزي، تقدم بطلب إلى رئيس مجلس النواب، لتوجيهه إلى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي، بشأن استمرار ظاهرة استخدام سيارات تفتقر إلى أدنى درجات الأمان، وما تمثله من خطر جسيم على أرواح المواطنين وسلامتهم. وقال رمزي: "انتشرت في السنوات الأخيرة ظاهرة نقل المواطنين في سيارات نصف النقل، خصوصاً في المناطق الريفية والنائية، سواء لنقل العمال أو الطلاب أو المواطنين. وهذا النوع من النقل يُعد عشوائياً، فهذه السيارات غير مجهزة لنقل الركاب، ما يؤدي إلى حوادث متكررة تنتج منها إصابات خطيرة ووفيات". وطالب النائب بحظر مثل هذه المركبات، مؤكداً أن الإحصاءات والتقارير الأمنية تشير إلى وقوع العديد من الحوادث المأساوية نتيجة انقلاب هذه السيارات أو تصادمها، نظراً لتحميل الركاب بشكل غير آمن، وغياب الرقابة المرورية في بعض المناطق.
من منطقة "بشاير الخير"، غربي الإسكندرية، يشكو الموظف ياسر عبد الوهاب من رحلة المعاناة اليومية منذ انطلاقه من المنزل حتى وصوله إلى العمل، نتيجة عدم توفر خطوط مواصلات دائمة، علماً أن المنطقة مكتظة بالآلاف، ويعتمد أغلبهم على مركبات غير مرخصة. ويضيف لـ"العربي الجديد": "أضطر يومياً إلى الاستعانة بأكثر من وسيلة نقل كي أصل إلى عملي في وسط البلد، وغالباً ما تكون سيارات متهالكة أو (توك توك) غير مرخص لا يحمل لوحات معدنية. ويعمد السائقون إلى تحميل أعداد كبيرة من الركاب من دون أي ضوابط، بعيداً عن رقابة المسؤولين الذين يكتفون بتحصيل الغرامات أو تحرير المخالفات".

الخطر يداهم الصغار والكبار في حين تغيب الرقابة، مصر (العربي الجديد)
الخطر يدْهم الصغار والكبار في حين تغيب الرقابة في مصر (العربي الجديد)

ومن مدينة كفر الدوار بمحافظة البحيرة، يقول محمد السعدني، وهو فني صيانة في أحد المستشفيات الخاصة: "أستقلّ ثلاث وسائل نقل غير آدمية وغير آمنة يومياً كي أوصل أبنائي إلى المدارس، قبل الذهاب إلى عملي في محافظة الإسكندرية. كل هذه الوسائل عبارة عن عُلب مكونة من الصفيح تسير على عجلات، غير صالحة حتى لنقل الحيوانات، لكننا نضطر إلى استخدامها لعدم وجود البديل". ويضيف لـ"العربي الجديد": "لم تلقَ شكاوى الأهالي من انعدام المواصلات الآمنة أي استجابة، ما يدفعهم إلى استخدام سيارات الربع نقل يومياً، وغيرها من وسائل نقل لا تخضع لأي رقابة".
ومن بني سويف (جنوب)، تؤكد الطالبة الجامعية إيمان فتحي، أنها تقطع مسافات طويلة يومياً باستخدام "توك توك" يقوده فتى لا يتجاوز عمره 14 سنة، من أجل اللحاق بمحاضراتها، وتقول لـ"العربي الجديد": "نستقلّ هذه الوسائل رغم إدراكنا حجم المجازفة، لكن ما من خيار آخر. من الضروري الحديث عن حوادث السير التي تزهق الأرواح بشكل يومي، وغالباً ما يكون الضحايا من الفقراء الذين لا يتمتعون بأي تأمين اجتماعي أو تغطية صحية، من فتيات يعملن في المزارع وطلاب في طريقهم إلى جامعاتهم، أو عمال عائدين من الدوام. ومع كل حادث، تُفجع عائلات ويُدفن مستقبل بأكمله وسط غياب أي تعويض أو دعم حكومي فاعل".
وتعاني وسائل النقل الشعبي من تهالك واضح، وأصبح السائقون مجبرين على قيادة مركبات قديمة بسبب قرار حظر ترخيص سيارات الأجرة. من موقف العامرية بالإسكندرية، يقول السائق شعبان جابر لـ"العربي الجديد": "أملك سيارة صغيرة بثلاث عجلات تُعرف بـ"تروسيكل"، وتُستخدم في أعمال النقل، غير أنني أضفت إليها مقاعد للركاب. ورغم مشاكلها لكنها تنقل الركاب عوض انتظارهم ساعات أو السير مسافات".
ويشير خبير السلامة على الطرق، المستشار سامي مختار، إلى أن نسبة كبيرة من سكان القرى تعتمد على وسائل نقل غير آمنة، بسبب غياب النقل العام المنظم في الأطراف والأرياف. ويتابع مختار، وهو رئيس الجمعية المصرية لرعاية ضحايا الطرق: "في المواقف العشوائية تُستخدم مركبات لأغراض مخالفة لترخيصها، تُركن السيارات المتهالكة بلا لوحات، وتعمل من دون تراخيص حيث تنقل الركاب في عربات نقل البضائع، ويقودها أشخاص غير مؤهلين. هذه الممارسات ليست استثناء بل قاعدة، وسط غياب كامل للرقابة أو المحاسبة".

واعتبر محمد جبريل، عضو لجنة النقل والمواصلات في مجلس النواب المصري، أن تكرار الحوادث على الطريق الإقليمي يُعد جرس إنذار للحكومة لإعادة النظر بمنظومات الأمان وأنظمة "كود" الطرق ومدى تطابقها مع الأنظمة العالمية، لا سيما أن الدولة أنفقت عشرات المليارات على بناء شبكة طرق قوية، ما يتطلب الحفاظ عليها. 
وفي تصريحات صحافية، تحدث اللواء أيمن الضبع، مساعد وزير الداخلية الأسبق والخبير في السلامة المرورية، عن وجود طرق جديدة "لكنها بلا روح". وقال: "كثير منها أُنشئ من دون معايير سلامة كافية، أو تُرك من دون صيانة. ورغم أن التخطيط الهندسي الجيد ينقذ الأرواح، لكننا نضيّعها بمحاباة المقاولين وسرعة التنفيذ، ويبقى المواطن الحلقة الأضعف". وأضاف الضبع: "مع انهيار العملة المصرية وارتفاع أسعار صرف الدولار، لم يعد المواطن قادراً على صيانة سيارته، وقفزت أسعار الإطارات إلى نحو ستة أضعاف خلال سنتين، وصارت قطع الغيار الأصلية حلماً، بينما انتشرت القطع المستعملة وغير الأصلية". وأكد ضرورة تطبيق القانون بشكل شامل، إذ لا يجوز أن تسير سيارة من دون فرامل، أو أن يعمل سائق بلا ترخيص، معتبراً أن المطلوب ليس فقط إنشاء طرق جديدة، إنما بناء منظومة نقل تحترم الحياة، قائمة على أساس وسائل آمنة، صيانة مستمرة، سائقين مؤهلين، وقوانين عادلة".

المساهمون