موائد رمضان غزة... الفقد والذكريات يعمّقان أوجاع العائلات

10 مارس 2025   |  آخر تحديث: 00:33 (توقيت القدس)
إفطار رمضاني فوق الأنقاض في بيت لاهيا، 7 مارس 2025 (علي جاد الله/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعيش الفلسطينيون في غزة رمضان في ظروف قاسية، حيث تفتقر موائد الإفطار للفرح بسبب فقدان الأحباب وتدمير المنازل، مع نقص المساعدات وإغلاق المعابر.
- تروي أسمهان التلولي معاناتها بعد فقدان عائلتها، وتعيش في خيمة مع ابنها، وتعتمد على المساعدات الخيرية وسط ظروف معيشية صعبة.
- تعاني نيفين أبو ثريا وآية أبو سلطان من فقدان أفراد عائلتهما، وتحاولان التكيف مع الحياة الجديدة، معبرتين عن ألم الفقد والحرمان في رمضان.

يتجمع الفلسطينيون الناجون من العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة على مائدة إفطار محدودة المكونات؛ نتيجة تجدد إغلاق المعابر وتوقف دخول المساعدات، بينما يغيب عن الإفطار كثير من الأحباب.

على موائد إفطار مليئة بالأحزان ومغمّسة برائحة الفقد وطعم الغياب، يعيش الآلاف من ذوي شهداء قطاع غزة ليالي شهر رمضان في الخيام، أو داخل بقايا البيوت المدمرة. يفتقدون ذويهم الذين رحلوا خلال العدوان الإسرائيلي، إذ يغيبون بأجسادهم بينما تزيّن ذكرياتهم ليالي الشهر الفضيل، ليتجدد الجرح الذي لم يندمل أصلاً.
ويجدد حلول رمضان أحزان ذوي أكثر من 48 ألف شهيد قضوا خلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية التي غيّرت معالم الحياة في قطاع غزة، وأطفأت أفراحاً كانت تنبعث من كل ركن في القطاع.
في داخل كل بيت بقطاع غزة حكايات تختلف في تفاصيلها وتتشابه في الألم والأحزان، وبينما استقبل المسلمون حول العالم شهر رمضان بسعادة، حلّ شهر الصوم ثقيلاً على قلوب أهل غزة، إذ نبش الأحزان وأجج الذكريات، التي يزيد مراراتها قسوة الواقع المعيش، من البيوت المهدمة إلى العيش في الخيام وغياب معظم مقومات الحياة.
داخل خيمتها في أحد مخيمات الإيواء غربي مدينة غزة، تستقبل الخمسينية أسمهان التلولي رمضان بقلب مكسور، بعد فقد ابنتيها وزوجها، بينما لا زالت تبحث عن ابنها المفقود، ويضاعف مأساتها في الشهر الفضيل هدم منزلها وتحطيم ذكرياتها وأحلامها. 

اختفت أصوات فرح الأطفال بحلول رمضان في غالبية بيوت قطاع غزة

استشهدت ابنتها أحلام (33 سنة) في 13 يناير/ كانون الثاني 2024، بقصف إسرائيلي قرب مفرق الغفري في شارع الجلاء بمدينة غزة، واستشهدت ابنتها مريم (25 سنة) في 15 مايو/ أيار 2024، أثناء محاولتها إسعاف شاب في إحدى مدارس الإيواء بمخيم جباليا شمالي القطاع، فيما استشهد زوجها نافذ التلولي في 15 ديسمبر/ كانون الأول 2023، ولا تزال تبحث عن ابنها المفقود نمر التلولي (27 سنة)، معتقدة أنه في معتقلات الاحتلال.
تقف أسماء أمام مدخل خيمتها الصغيرة رفقة طفلها محمود (12 سنة)، وتحكي لـ"العربي الجديد" عن استقبال رمضان قائلة: "الحرب حرمتنا من أحبابنا، وهدّمت بيوتنا بينما العالم يقف متفرجاً على مأساتنا. وإضافة لاستشهاد زوجي وابنتيّ، استشهد أخي وزوجته وأولاده، وما زالت جثامينهم تحت الركام"، تشير التلولي إلى مكان دفن ابنتها أحلام القريب من مركز الإيواء، يتحشرج صوتها بالبكاء وهي تستحضر ذكرياتها معها في رمضان، تقول: "أعاني من غضروفين في الظهر، وكانت أحلام تقوم بدور الأم رغم أنها تعمل صحافية، وكانت تنزل إلى السوق وتشتري الأغراض، وتساعد في تعبئة المياه، وتحضير سفرة الإفطار".

تجمع على إفطار رمضاني. 6 مارس 2025 (مجدي فتحي/Getty)
تجمع على إفطار رمضاني. 6 مارس 2025 (مجدي فتحي/Getty)

على مائدة إفطار غاب عنها طعم الفرح مع رحيل ثلاثة أفراد من العائلة وفقدان الرابع، تجلس الأم مع أبنائها بوجه باهت الملامح وصوت أضعفه الحزن، وقلب أضعفته جراح فقدٍ غائرة، وتتابع: "كثير من أطفال غزة كبروا بينما هذه الحياة عبء عليهم".
تنقلها الذكريات من واقعها المرّ إلى أيام جميلة كانت تعيش العائلة فيها رمضان بين جدران منزلها، ويجتمع أفرادها لإعداد طعام الإفطار، والصلاة، وتلاوة القرآن. تسترسل فيما تلقي نظرة على الخيام، وتقول: "لا يوجد مطبخ ولا أدوات، ودورات المياه بعيدة عن الخيمة، ونعيش في ظلام دامس مع غياب وسائل الإضاءة. نطهو الطعام على النار بجوار الخيمة، وفي كثير من الأحيان ننتظر ما يأتينا من طعام التكيات الخيرية".
حين عادت الفلسطينية نيفين أبو ثريا (39 سنة) من رحلة النزوح الطويلة، وجدت منزلها في مدينة غزة قائماً، لكن الحياة فيه منطفئة خلال شهر رمضان، إذ استشهد زوجها إسماعيل (43 سنة) وابنها عماد (15 سنة) مع 23 فرداً من العائلة هم أشقاء زوجها وزوجاتهم وأولادهم، ولم يتبق لها سوى ثلاثِ بنات.
أصبحت بناية العائلة أشبه بمكان مهجور، ولم يعد يسمع فيه صوت الأطفال الذين كانوا يتسابقون لشراء فوانيس رمضان، ولا أصوات أبناء العم وهم يذهبون إلى صلاة العشاء والتراويح. لا صوت للفرح العائليّ في بيت الجد، فالعائلة خسرت أكثر من نصف أفرادها، ومن بينهم معظم الأطفال. تقول أبو ثريا لـ"العربي الجديد": "لا يوجد سبب للسعادة بعد فقد الشهداء، كان حسّهم ووجودهم بالدنيا كلّها، وكنا نشعر بوجود حياة في البيت، نجتمع على سفرة واحدة، ونصلي مع بعضنا، ونتشارك شراء الأغراض، الأوضاع اختلفت كلياً، فأنا أنفق على بناتي، وأقوم بتعبئة المياه بمفردي، حتى إن ابنتي تقوم ببيع الخبز أحياناً كي نوفر بعض الدخل".

إفطار أمام خيمة النزوح في مدينة غزة، 8 مارس 2025 (علي جاد الله/الأناضول)
إفطار أمام خيمة النزوح في مدينة غزة، 8 مارس 2025 (علي جاد الله/الأناضول)

إلى جانب مركز الإيواء، كانت أبو ثريا تحاول الحصول على طرد ملابس شتوية، وقبل أن تصطف في طابور النساء، تضيف بعيون دامعة وهي تستعيد ذكرياتها في رمضان: "كنا نتزاور ونجتمع، وبعد رحيل الشهداء، أشعر بألم والدة زوجي التي فقدت أولادها وزوجاتهم وأحفادها"، تمسح على رأس طفلتها ريماس (11 سنة) بينما تداهمها الدموع قائلة: "لا تجد من يلعب معها بعد استشهاد معظم أطفال العائلة، وهذا جزء من واقع مرير نعيشه".
يمر رمضان على الصحافي همام الحطاب (37 سنة) في غياب طفلته أمل وشقيقه محمد وزوجة شقيقه وأطفالهما، لتكون مائدة الإفطار ممزوجة بغصة الفقد، ومليئة بالوجع. يتذكر الحطاب ليلة إعلان وقف إطلاق النار في غزة، في يناير/ كانون الثاني الماضي، وبينما كانت تعلو أصوات الفرح، جاءته طفلته أمل تقفز وترقص ابتهاجاً، وترسم ملامحها فرحة لم يرها والدها على مُحيّاها طوال فترة الحرب، لكن فجر اليوم التالي، تغير كل شيء، إذ استهدفت طائرات الاحتلال منزلاً مجاوراً لبيتهم الواقع شرقي مدينة غزة، لتستشهد طفلته وشقيقه وزوجته التي كانت تنتظر عودة عائلتها من جنوبي القطاع، وكأن الاحتلال يصرّ على تنغيص الفرحة.
بصوت تخنقه الدموع يحكي الحطاب لـ"العربي الجديد": "فقدت طفلتي المدللة، وهي أكبر أطفالي، كنت في كل رمضان أصحبها للتسوق وشراء الأغراض، واشتري لها فانوس رمضان، لكنْ يمر علينا الشهر الآن بينما مائدتنا حزينة من دون ابنتي، ومن دون أخي الذي يصغرني بعام، الذي كان توأم روحي. كنا نذهب للصلاة معاً، ولزيارة الأرحام، ونخرج مع بعضنا، ونجتمع على الموائد الأسرية يومياً بعد صلاة التراويح"، ورغم ألم الفقد، لم تختف نبرات الأمل من حديثه، يتابع همام: "يُحتّم علينا كمسلمين أن نمنح الأمل لمن حولنا، وأنا أفعل ذلك من أجل طفلي منير وطفلتي عائدة، وأمي وأبي، وأخي المتبقي. لا نستطيع إلغاء شعائر رمضان، ورغم الفقد الذي نعاني منه يجب أن نفرح أطفالنا، ولو بأبسط الأشياء".

مسحراتي وزينة في خانيونس. 1 مارس 2025 (هاني الشاعر/الأناضول)
قضايا وناس
التحديثات الحية

عاشت آية أبو سلطان (37 سنة) آخر لمّة رمضانية مع عائلتها في مدينة غزة قبل أربع سنوات، وحل رمضان هذا العام عليها حزيناً بعد استشهاد أمها واثنين من أشقائها. في يوم 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2024، ذهبت أمها التي نزحت إلى مدينة خانيونس (جنوب) لتعزية خالتها في مخيم النصيرات (وسط) بعد استشهاد نجل الأخيرة، لتتحول التعزية إلى جنازة ثانية بعد استهداف المنزل، ما خلف مجزرة دموية استشهد على إثرها 16 فرداً من بينهم خالتها وأولادها، وأمها هدى أبو سلطان، وشقيقها إيهاب، وشقيقتها أريج وطفلها يوسف التي تركت خلفها ثلاث بنات.
تقول أبو سلطان لـ"العربي الجديد": "كنت على تواصل دائم في رمضان الماضي معهم، وقد عاشوه نازحين في مدينة رفح (جنوب)، وأكثر شيء أتذكره عندما كنت أرسل إلى أمي شيئاً أو هدية، وأرى السعادة التي أشعر بها في كلامها ودعائها، كان التواصل صعباً بسبب الحرب وضعف الإنترنت، وكنت أبذل مجهوداً كبيراً لأبقى مطمئنة، أكثر شيء أفتقده في رمضان الحالي هو دعاء أمي، وأتذكر كيف كانت تدعوني للإفطار أثناء وجودي في مدينة غزة، كما أتذكر عندما كانت تأتي لزيارتي".

تتابع "هذا أصعب رمضان يمر عليّ في حياتي، وهو يمر بمشاعر مليئة بالمرارة والقهر والألم بعد هذا الفقد، خاصة أني أعيش خارج فلسطين، وحرمت من قضاء رمضان في السنوات الأخيرة معهم. أمي كانت تحبّ جبر الخواطر، واستشهدت أثناء جبر خاطر خالتي، فرغم بعد المكان والخطر، إلا أنها أصرت على الذهاب لتعزيتها، وكانت تحب استقبال رمضان بفرح، وتحب اللمات العائلية، وأختي أريج كانت مثابرة، وأمنيتها في الحياة فتح مركز لعلاج مرضى التوحد كونه أساس عملها، وكنا نبقى على تواصل دائم في رمضان، أما أخي إيهاب فكان صاحب صوت جميل، وفكاهي، وكان يزين بضحكاته جلساتنا الرمضانية".