مهرجون في بيروت... محاولة زرع ابتسامة بعد انفجار المرفأ

10 نوفمبر 2020
الصورة
عروض ممتعة (العربي الجديد)
+ الخط -

في العاصمة اللبنانية بيروت المتضررة من جراء انفجار الرابع من أغسطس/ آب الماضي، الذي دمر مرفأها وجزءاً من شوارعها ومبانيها، ترتفع بالونات وأشرطة ملونة، وتنتشر، وإن للحظات قصيرة، بضحكات وابتسامات، وثياب مزركشة، وحركات بهلوانية مضحكة. فقد نظّمت فرقة "كلاون إن مي" في أكتوبر/ تشرين الأول وسبتمبر/ أيلول الماضيين عروضاً تهريجية في شوارع بيروت المتضررة، مثل الكرنتينا والأشرفية وغيرهما، في محاولة منها لإضحاك السكان صغاراً وكباراً، وتسليتهم لفترة زمنية قصيرة. يمتد العرض المجاني لأربعين دقيقة، ويتابعه ما بين عشرين ومائة شخص، مع الالتزام بالإجراءات الوقائية ضد فيروس كورونا. وتستمر الفرقة، اليوم، بعد انتهاء عروض الشارع، بتنظيم ورش عمل خاصة بالدعم النفسي- الاجتماعي، موجهة للأشخاص المتضررين من الانفجار، وللاجئين، والعمال المهاجرين في لبنان، وهو ما يساعدهم في تخطي الأزمات التي يمرون بها.
تقول المهرّجة، مؤسسة الفرقة، سابين شقير، إنّ الناس يحتاجون إلى الضحك، وهم متعطشون لأمور ايجابية، بالرغم من كلّ التشاؤم والحزن اللذين يلفّان المدينة بلونها الرمادي. تتابع أنّ الضحك يساعد الأشخاص على المستوى النفسي، في الشعور بالراحة وفي الاسترخاء، وفي الشعور بأمل، وإن ضعيفا، وفي تخطي الصعاب. وكما يتخطى الأولاد الصغار المشاكل من خلال اللعب، يمكن أيضاً أن يساعد اللعب والتهريج الكبار أنفسهم في تخطي بعض الأزمات.
تتابع شقير قائلة لـ"العربي الجديد": "نبدأ بالتجوّل في أحد الشوارع، ثم ندعو الأشخاص للانضمام إلينا من خلال حركات مفرحة ومزركشة، وبعدها نبدأ بالعرض التهريجي، الذي يحمل أيضاً كثيراً من الرسائل التوعوية كالمحافظة على النظافة الشخصية، وغسل اليدين، والصحة العامة والبيئة، وإعادة التدوير وغيرها. ويتقبّل الأفراد هذه العروض، ويشاركون فيها بالرغم من كلّ المآسي التي يعيشونها". تتذكر شقير تعليقات بعض المتابعين للعرض: "هذه التعليقات هي أجمل ما حدث بعد الانفجار: أنا في حاجة لأن أضحك وأعبّر عن الحزن الذي في داخلي، وفي ذاتي". وتذكر شقير أنّ إحدى الفتيات الصغيرات كانت تجد صعوبة في الكلام بسبب صدمة الانفجار، لكنّها بعد متابعة العرض التهريجي، تكلّمت بسهولة مجدداً، وأخبرت والديها بمجريات العرض بعدها. تقول شقير إنّ هذه العروض لا تهدف إلى أن يتقبّل الأشخاص ما حدث في هذه المدينة، فهي ترفض أن تتقبّل أو أن تقبل بما حدث، لكنّ هذه العروض توفّر بعض لحظات الضحك والفرح التي يحتاجها الأشخاص لكي تستمرّ الحياة بالرغم من سوداوية المعاش.

مهرجون في بيروت- العربي الجديد
(العربي الجديد)

يشارك هشام أسعد، وهو واحد من ستة مهرجين، بالعرض. هو يرقص على وقع الموسيقى والتصفيق، كما يبدأ الصغار بالرقص أيضاً، وقد ينضم إليهم الكبار. يقول أسعد لـ"العربي الجديد": "ونحن نرقص على جوانب أحد الطرقات، انضمت إلينا سيدة ورقصت، ثم تابعت طريقها نحو منزلها المتضرر من جراء الانفجار". يشير أسعد إلى هذه اللحظة التي يحاولون نسجها بالرغم من الواقع المحزن والأليم، فمن حق الجميع أن يضحك، وإن لفترة قصيرة، كما يقول، ما قد يساعد البعض في عيش التجربة ومقاربتها بشكل مختلف. ويتابع أسعد أنّ دورهم كمهرجين لا يقتصر على لعب بعض الموسيقى، أو صنع الضجة، بل يتعداه لأن يكونوا إلى جانب الأشخاص المتضررين بدعم نفسي واجتماعي، خصوصاً أنّ المهرّج يتواصل بشكل سريع وشفاف مع الأشخاص من دون حواجز، في محاولة لإضحاكهم من الأحداث أو المآسي التي يعيشونها أو يمرّون بها. 

منذ عام 2006 (وقع العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو/ تموز وأغسطس/ آب من ذلك العام) تقوم شقير بجولات عروض تهريج في لبنان والخارج، في بلدان وأماكن تعيش أزمات إنسانية أو كوارث طبيعية أو حروبا وغيرها. وقدّمت شقير مع فريق "مهرّجون بلا حدود" الدولي عروضاً عدة أمام فئات متضررة أو مهمشة من نازحين ولاجئين وناجين من كوارث أو حروب في مختلف أنحاء العالم. ولاحظت شقير، باختلاف درجات الحزن أو المصائب، أنّه يمكن دائماً إضحاك الناس أو منحهم لحظة فرح وتسلية من خلال عروض فنّية جميلة تشعرهم ببصيص أمل. وربّما قد يجد البعض في المهرّج ثيابا ملونة، أو حركات مضحكة تناسب أجواء أعياء الميلاد المخصصة للصغار، لكنّ شقير توضح أنّ التهريج فن واختصاص جامعي، وكانت قد تابعت شقير دراستها على مرّ سنوات عدة في لبنان ولندن. كذلك، تشير إلى أنّ التهريج رسالة، وله بعد اجتماعي ونفسيّ. ويتمتّع المهرّج بقدرة كبيرة على التواصل مع الأشخاص في الشارع إذ يكون حقيقيّاً وشفّافاً، وفي اتصال مباشر ومضحك مع المجتمع.

مهرجون في بيروت- العربي الجديد
(العربي الجديد)

 

وبدأ العالم العربي، وفق شقير، يتقبّل أكثر فنّ التهريج والعروض المقدمة، وأصبح أكثر تقديراً له ولما يحمله من معانٍ وأهداف. وتجدر الإشارة إلى أنّ الفرقة تتولى حالياً تدريب عشرة مهرجين جدد على فنّ التهريج وأدواته وخصائصه، ما يوفر فرصة للأشخاص المهتمين بهذا المجال في اكتساب المهارات اللازمة وخوض تجربة جديدة، ما يساهم بانتشار أكبر لهذا الفنّ في لبنان.

ويشير أسعد إلى أنّ التفاعل مع العروض يختلف بين الأشخاص، فكلّ شخص يتجاوب وطريقته مع العرض، لكنّه يبقى ممتعاً للصغار والكبار. ويضيف أنّها من المرات القليلة التي تنظم فيها الفرقة عرضاً في بيروت، إذ إنّ عروضها المعتادة هي في بعض المخيمات أو الأماكن التي تشهد مشاكل اجتماعية عدة: "ولم نتخيّل يوماً أنّ المصيبة ستكون في مدينة بيروت، وأنّ دورنا سيكون في خلق بعض لحظات الفرح في هذه المدينة المنكوبة". 


"كأنّ الحزن معشش في الحجر، وكأنّ مراسم العزاء تجوب أرجاء المدينة، وكأنّ المدينة رمادية، وكأنّ هالة الحزن تلفنا" هذا ما تشعر شقير به وهي ترقص، وتصفّق، وتغني مع أطفال المدينة وسكانها، وهي تحاول أن تلوّن وجهاً أو سماء، أو مدينة. 

المساهمون