منخفض غزة... انحسار العاصفة يكشف عمق الكارثة الإنسانية
استمع إلى الملخص
- تسببت الأمطار الغزيرة في وفاة 11 فلسطينيًا وانهيار 13 منزلًا، وكان حادث انهيار منزل عائلة بدران في بيت لاهيا من أصعب الحوادث، حيث توفي خمسة أفراد ونجا طفل واحد.
- في منطقة المواصي، تكررت مأساة غرق الخيام، حيث أدت الأمطار إلى سيول جرفت الخيام وأغرقت الأطفال، وزادت البنية التحتية المدمرة من معاناة السكان.
حلّ المنخفض الجوي الأخير ثقيلاً على أهالي غزة مخلّفاً شهداء ومفقودين ومستنقعات وانهيارات في المنازل، وسط انعدام سبل الإغاثة والنجاة واستمرار مأساة نازحي الخيام والشواطئ.
انحسر المنخفض الجوي الذي تأثر به قطاع غزة على مدار ثلاثة أيام، مُحدثاً أضراراً بالغة بخيام الإيواء، وكوارث إنسانية كشفت عن التداعيات الجسيمة لحرب الإبادة الجماعية، والتي جعلت مئات البيوت مهددة بالسقوط، وقد انهار بعضها بالفعل فوق رؤوس ساكنيه بفعل الرياح الشديدة والأمطار الغزيرة. كما غرقت وتمزقت نحو 300 ألف خيمة تؤوي نازحين وتحوّلت مخيمات القطاع وشوارعه إلى بحيرات ومستنقعات حاصرت الكبار والصغار، ما اختزل مشهد الانهيار الكامل في منظومة الصرف الصحي وشبكات تصريف مياه الأمطار، بفعل الحرب الإسرائيلية التي قضت على البنية التحية ومقوّمات الحياة.
وقد سبّب المنخفض الجوي مصرع 11 فلسطينياً وانهيار 13 منزلاً في القطاع، فيما أجْلَت طواقم الدفاع المدني 52 شخصاً من تلك المنازل ونقلتهم إلى أماكن آمنة. وقد شكل انهيار الجزء المتبقي من منزل عائلة بدران في مدينة بيت لاهيا شمالي القطاع أصعب تلك الانهيارات، بعدما أدى إلى وفاة خمسة أفراد من العائلة، ونجاة طفل.
وبحسب الصور المتداولة للمنزل قبل انهياره، كان واضحاً انحناء الأعمدة والسقفين اللذين سبق أن تعرّضا للقصف، ما زاد الضغط على الطابق الأرضي المتضرر بشكل كبير. لكن مع انعدام البدائل بفعل تدمير مساحات شاسعة من القطاع، هرب أفراد العائلة من الأمطار والبرد القارس إلى الجزء المتبقي، اعتقاداً منهم أنه سيكون ملاذهم الآمن، ليتحول بفعل الأمطار إلى قبر جماعي لأفراد الأسرة.
فجر أول من أمس الجمعة، انهار المنزل بشكل مفاجئ، ووقف نجلهم أحمد بدران (25 عاماً) رفقة الجيران، عاجزين عن فعل أي شيء، باستثناء الاستعانة بأدوات بدائية لرفع الركام بينما الأمطار الغزيرة تهطل على رؤوسهم. وعلى امتداد ثلاث ساعات متواصلة، ظلّ بدران وجيرانه وعناصر الدفاع المدني وفرق الإسعاف يحفرون بأيديهم، ويحاولون إزالة الركام إلى أن تمكنوا أخيراً من انتشال شقيقه وسام (11 عاماً)، وهو الناجي الوحيد من سكان المنزل. وبعد قدوم طواقم إضافية من الدفاع المدني تمكنوا من انتشال خمس ضحايا، هم؛ عبد الرؤوف بدران (72 عاماً) وزوجته إيناس (55 عاماً) وأولادهم تسنيم (15 عاماً) ووسيم (16 عاماً) وأسماء (10 أعوام).
وخلال الحرب، تعرّض منزل عائلة بدران لقصف إسرائيلي سبّب تدمير الطبقتين العلويّتين، وأحدث أضراراً جسيمة بالأساسات والأعمدة التي ظهرت عليها آثار التصدع والانحناء، وبسبب المطر والبرد القارس نصبت العائلة خيمة داخل الطابق الأرضي للاحتماء بداخلها، ولم تتوقع أن يُطبق عليها المنزل بالكامل.
بقلب مثقل برحيل والدَيه وأشقائه، يروي أحمد لـ"العربي الجديد" تفاصيل الفاجعة، ويقول: "كنتُ في الخارج لحظة الانهيار المفاجئ، قبل أن أهرع لنجدتهم، محاولاً إزالة الركام بيديّ، بمساعدة الأهالي والجيران، فكان أن أنقذنا شقيقي وسام. لكن جدران المنزل كانت قبل الانهيار مفتوحة من كل الجوانب، ومياه الأمطار كانت تتدفق عليهم من السقف المتصدع، فضلاً عن تصدع وتكسر الأعمدة بأحد جوانب المنزل. كانوا في حالة يُرثى لها، لكن لم يكن أمامنا أي خيار آخر، إذ إنّ إخوتي الآخرين يعيشون كذلك في خيام غرقت بمياه الأمطار".
لم تكن هذه حالة الوفاة الأولى التي ألمّت بعائلة بدران، إذ خلال فصل الشتاء الماضي توفي الطفل أحمد ابن شقيقه محمود، الذي لم يكن يتجاوز حينها العامين، نتيجة البرد القارس. ويتابع: "لم نتوقع الانهيار، فقد كان والدي يرتاح في منزله ويرفض مغادرته، خصوصاً أنّ الخيام ليست أفضل حالاً".
وللمرة الثالثة تكررت مأساة غرق عشرات آلاف الخيام في مختلف مدن قطاع غزة جراء الأمطار الغزيرة، ولا سيّما في منطقة مواصي خانيونس، نتيجة غياب البنية التحتية في تلك المنطقة التي تمتاز مساحات واسعة منها بالتربة الطينية التي لا تمتص المياه، كما تزداد البرودة شتاءً لتتحول الخيام إلى ثلاجات تُسبّب مرضَ آلاف الأطفال.
عند الواحدة من فجر الخميس الماضي، أرضعت هاجر أبو جزر طفلتها رهف قبل أن تغفو الرضيعة داخل خيمة تقع أسفل تل مرتفع، مكوّنة من أقواس يغطيها شادر وتحيط بها أغطية شتوية. وقد أدت الكميات الكبيرة من الأمطار إلى سيول في التربة والمياه تدفقت نحو الخيمة، لتستيقظ الأم عند الرابعة فجراً، وتجد طفلتها وفراشها وأجزاءً من خيمتها تغرق بالمياه.
بدموع حارقة، تروي الوالدة المفجوعة ألم فقدان طفلتها من بين أحضانها، وتقول لـ"العربي الجديد": "عندما استيقظتُ لإرضاعها، تفاجأتُ بأن المياه غمرت ملابسها وفراشها، حيث كانت ترقد من دون أي صوت أو حركة، فغيّرتُ ملابسها على الفور، وكان لون جلدها مائلاً إلى الأزرق نتيجة البرد، بل كانت شبه متجمدة". وتضيف أبو جزر: "سارعتُ إلى تحسّس نبضات قلبها، أملاً في العثور على بصيص حياة، قبل أن أهرع بها نحو المستشفى رفقة فرق الإسعاف، لكنها فارقت الحياة هناك. قدري أن أعود بقلب مكسور، وأن أتجرع مرارة الفقد. لقد فارقتنا رهف قبل أن تُزهر طفولتها".
لم تعانِ الطفلة التي وُلدت بحالة طبيعية، وفق والدتها، أيَّ مرض سابق، بل كانت ضحية حياة بائسة ومريرة يواجهها النازحون في منطقة المواصي وكل الخيام على امتداد قطاع غزة. فهي وُلدت بشبه خيمة اهترأت بفعل النزوح الطويل وتعاقب الفصول عليها، لم تجد الدفء إلا في حضن والدتها، قبل أن تقتحم السيول فراشها المتواضع.
وتتابع الوالدة بقهر: "نعيش في خيمة صنعناها من النايلون والشادر والأغطية بجوار جبل من الطين، وليست المرة الأولى التي تتدفق علينا المياه، لكنها تسربت هذه المرة ليلاً ونالت من طفلتي الرضيعة، وما زلتُ حتى اللحظة مصدومة لا أستوعب خسارة رهف".
ولدى رهف سبعة أشقاء أُصيبوا بنزلات برد، وتشكو الوالدة من انعدام الأغطية والملابس التي تمنحهم الدفء. وتقول: "أعطاني إخوتي أغطيتهم بعد تبلل أغطيتي، خوفاً من أن أخسر طفلتي شام (3 أعوام) وريتال (5 أعوام) وباقي أطفالي، وكلهم أقل من عشر سنوات".
وعلى شاطئ غزة ابتلع البحر نحو 122 خيمة، بينما لم يستطع نازحو الشاطئ مغادرته نتيجة غياب البدائل، فكان أن عاشوا ثلاثية معاناة تختلف عن المناطق الأخرى بفعل الأمطار والرياح الشديدة وارتفاع منسوب الأمواج. ويقول وليد ديب لـ"العربي الجديد": "نصبتُ خيمتي بعيداً عن شاطئ المواصي، لكن المياه تقدمت فهرعنا إلى الخارج رغم هطل الأمطار الغزيرة، وكنتُ طيلة الوقت أحاول بمساعدة الجيران إنشاء قنوات رملية وسواتر لتأخير قدوم الأمواج، لكن موجة قوية واحدة كانت كفيلة بهدم تعب يوم كامل. كما أن صوت الأمواج مرعب ليلاً، والرياح تؤدي إلى اهتزاز الخيام واقتلاع بعضها. الحياة على الشاطئ مأساوية، كل الأغطية لن تمنحك الدفء والشادر لن يحجب البرودة".
وعلى الرغم من انحسار المنخفض الجوي ومبادرة الكثير من العائلات إلى نشر الفُرش والأغطية لتجفيفها تحت أشعة الشمس، لم تستطع هالة الزنط المقيمة في مخيم إيواء غرب مدينة غزة نشر الأمتعة والملابس والأغطية المبللة، بينما تجلس أمام خيمتها مكبّلة الحركة، بانتظار تبخر المياه التي حولت المكان إلى بركة اختلطت فيها مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار، أو بانتظار شفطها من الجهات المختصة. وتقول لـ"العربي الجديد": "جئنا من جنوب القطاع بعد فترة نزوح، هرباً من الأرض الطينية التي تغرق دائماً بالمياه، لكننا تفاجأنا بغرقنا هنا نتيجة تدمير البنية التحتية وتجريف شبكات التصريف. كانت كمية المتساقطات غزيرة، ولا أماكن للتصريف، فحاصرتنا المياه وأغرقت خيامنا، وأتلفت آخر ما تبقى معنا من ملابس وأغطية نقلناها من منزلنا المدمر".
فشلت محاولات عائلة الزنط وعاشوا مأساة غرق الخيام على مدى ثلاثة أيام، على الرغم من أنهم تناوبوا على إنشاء سواتر ووضع حجارة لوقف تدفق المياه. ولم يقتصر الحال على غرق الخيام وانهيار المنازل، بل كانت الشوارع والبنية التحتية المدمرة وجهاً آخر لمأساة أهالي غزة، ما أدّى إلى اختلاط مياه الصرف الصحي بمياه الأمطار، وتحوّل الكثير من الشوارع إلى مستنقعات بفعل الحفر الناجمة عن القصف الإسرائيلي، أو تجريفها من قبل آليات جيش الاحتلال، ما أعاق حركة السكان وحاصر بعضهم في الشوارع.
على مفرق أحد الشوارع المتفرعة من حي النصر غرب مدينة غزة، يجلس البائع محمد أبو القمصان داخل بسطته لبيع الخضار، تحيط به المستنقعات من كل حدب وصوب، كما حوّلت الأمطار الشارع الترابي إلى وحل، ويقول لـ"العربي الجديد": "بمجرد مرور السيارات تتطاير المياه المختلطة بالطين إلى بسطة الخضار". وفي منطقة أخرى غربي المدينة، حُرم محمد عسلية من تعبئة المياه، عندما حال تجمّع المياه بينه وبين الوصول إلى شاحنة توزيع مياه كانت تقف على الطرف الآخر، ويؤكد لـ"العربي الجديد" أن "الشوارع لم تعد صالحة للسير خلال فترة المنخفض الجوي، ولا حتى للذهاب نحو السوق، وإلّا نعود مغمورين بالوحل والطين. بعدما كانت شوارع غزة جميلة قبل الحرب، صارت اليوم مليئة بمياه الصرف الصحي".