منخفض جوي مستجدّ يفاقم معاناة أهالي غزة
استمع إلى الملخص
- يعيش النازحون في ظروف قاسية داخل المخيمات، حيث يحاولون حماية خيامهم من الغرق وسط تحديات كبيرة، معاناة الأطفال وكبار السن من البرد القارس، وافتقار الخيام لوسائل الحماية الكافية.
- تواجه بلديات غزة تحديات كبيرة بسبب نقص الوقود ومواد الصيانة، مما يعيق تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، مع منع الاحتلال وصول المواد الأساسية، مما حول المنطقة إلى منطقة منكوبة.
مرّة أخرى، أغرقت أمطار الشتاء شوارع قطاع غزة وخيام النازحين فيه، وسط تحذيرات بلدية وحكومية من تفاقم المأساة بسبب نفاد الوقود وعدم القدرة على تشغيل آبار المياه ومضخات الصرف الصحي، بالإضافة إلى تأخّر إدخال مواد الإعمار والإيواء وكذلك المساكن المتنقلة أو "الكرفانات". يأتي ذلك بعدما حذّر المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان، قبل أيام، من أنّ الاحتلال الإسرائيلي يستخدم فصل الشتاء سلاحاً إضافياً لإهلاك أهالي قطاع غزة المنكوب، مطالباً بالضغط الفوري لإدخال المساكن المؤقتة ولوازم الإيواء من دون تأخير.
وتأثّر قطاع غزة بالمنخفض الجوي الأخير خصوصاً عصر اليوم السبت، علماً أنّه الرابع الذي يُسجَّل في القطاع أخيراً. وفي خلال منخفض "بيرون" الذي تأثّرت به المنطقة قبل نحو أسبوعَين، غرقت آلاف الخيام وانهار نحو 13 منزلاً، مع العلم أنّ عدداً منها سقط على من فيه، فيما سقطت جدران منازل على خيام النازحين أو مارة في الطريق. وقد أدّى ذلك إلى وفاة نحو 14 فلسطينياً، من بينهم ثلاثة أطفال توفّوا من جرّاء البرد القارس، وتضرّر أكثر من ربع مليون نازح.
ويستمرّ تأثير المنخفض الجوي الحالي وفقاً لدائرة الأرصاد الجوية حتى يوم غدٍ الأحد، مع تساقط غزير للأمطار وسط تخوّف من تكرّر حالات انهيار المنازل وتجدّد غرق الخيام مثلما حدث في خلال منخفضات جوية سابقة.
في سياق متصل، أعلن المتحدّث باسم جهاز الدفاع المدني في غزة الرائد محمود بصل وفاة طفل يبلغ من العمر سبعة أعوام بسبب سقوطه في بئر تجمّعت فيها المياه في شارع الرشيد بمنطقة السودانية شمال غربي مدينة غزة. وقال بصل لـ"العربي الجديد": "منذ بداية المنخفض، راحت تصلنا مناشدات من المواطنين من كلّ مدن قطاع غزة بشأن تضرّر الخيام، لكنّنا لم نبلغ عن غرق مخيمات ومراكز إيواء. والمؤكد أنّ الخيام التالفة تضرّرت، من دون تسجيل انهيارات في المنازل، ربّما يرجع ذلك لكون المنخفض الحالي، حتى مساء اليوم، لم يكن قوياً مقارنةً بالمنخفضات السابقة، لكنّه ربّما يشتدّ في الساعات المقبلة".
في أحد المخيمات الواقعة وسط مدينة غزة شمالي القطاع، كان أكرم الكتناني يحاول حفر قناة لتحويل جريان مياه الأمطار عن خيمته، فهي راحت تتجمّع في محيطها وتهدّد بإغراق أسفلها. يقول الكتناني، النازح من حيّ الشجاعية شرقي مدينة غزة إلى غربها منذ عامَين، لـ"العربي الجديد": "عانيت في المنخفضات السابقة وغرقت خيمتي، وتبلّلت الفرش والملابس، ومرض أطفالي، ومجدّداً راحت المياه تحاصر الخيمة وتتسرّب إلى داخلها".
وبسبب غرق الخيمة المتكرّر، نقّلها الكتناني أربع مرّات في المكان نفسه، من أجل إبعادها عن جريان السيول، ولا سيّما وسط غزارة الأمطار. لكنّ الغرق يلاحقه مثلما تلاحقه المعاناة والمأساة، بحسب ما يقول. يضيف، في حين يحاول الاحتماء من المطر المتساقط في داخل خيمته: "لم أستطع وضع شادر حماية فوق الخيمة، وما زال سقفها من القماش، فيما البرد قارس. وفي كلّ منحفض، يمرض أطفالي. وكما تبدو الصورة واضحة، كذلك غرقنا". ويتابع الكتناني: "طوال الوقت نعمل لإبعاد المياه. نحن نازحون منذ عامَين، ونعيش حياة صعبة جداً وكارثية في الخيام"، متسائلاً "إلى متى ستبقى هذه المعاناة ترافقنا؟".
على مقربة من خيمة أكرم المتناني، يعيش شقيقه في صندوق حافلة نقل بضائع بعدما تمزّقت خيمته ولم يجد مأوى آخر. وعلى الرغم من علوّ الحافلة عن الأرض، الأمر الذي يقيها من الغرق، يجعلها هيكلها الحديدي أشبه بثلاجة لحظة سقوط الأمطار. ولم تتمكّن عائلة شقيقه من حلّ مشكلة السقف المفتوح إلا من خلال وضع شادر حماية. ومن ثم، يبدو المشهد في داخل الحافلة مأساوياً أكثر ممّا هو في خارجها مع هطل الأمطار الغزيرة؛ فالأمر أشبه بالعيش في كهف مظلم، فيما تتدلّى الملابس على حبال عُلّقت على جانبَي الحافلة من الداخل.
وفي خلال سقوط الأمطار، راحت الطفلة ريفال الكتناني تتشارك مع عدد من أشقائها محاولة رفع الشادر للتخلّص من مياه الأمطار التي تجمّعت عليه، خوفاً من تجمّع أكبر قد يؤدّي إلى تمزّقه ووقوع المياه في داخل صندوق الحافلة. وتبدو هذه مهمّة متواصلة يتناوب عليها أفراد العائلة. وتقول الصغيرة التي تبلّلت ملابسها من المياه لـ"العربي الجديد": "لا أستطيع المشي بلا حذاء في داخل الصندوق من شدّة البرد، ومع ساعات المساء يتحوّل إلى ما يشبه الثلاجة، في خلال المنخفض الجوي. ولا أشعر بالدفء حتى مع ثلاثة أغطية في أثناء النوم"، مضيفةً "ونستيقظ ليلاً مرّات عدّة نتيجة تسرّب المياه أو تجمّعها على الشادر".
وفي مكان قريب، كان زياد الكتناني، عمّ الطفلة ريفال وشقيق أكرم، يتحلّق مع أفراد عائلته حول موقد نار، فيما تتساقط الأمطار وتجري في قنوات سبق أن أنشأها في محيط خيمته وكذلك موقد النار. ولا يخفي خشيته من التعرّض للغرق مرّة أخرى، مثلما جرى في خلال المنخفضات السابقة. ويقول لـ"العربي الجديد": "أُصبت في يوليو/ تموز 2025 بشظايا على مقربة من عمودي الفقري"، وصار البرد يؤثّر فيه، لذا "في حال عدم حصولي على التدفئة لا أستطيع النوم من شدّة الألم". يضيف: "صرنا نتعايش مع المأساة التي تفوق إمكانياتنا، ولا نعجز عن مواجهة الأمطار. هذه المرّة، وضعت حجارة في محيط الخيمة، في محاولة لمنع تدفّق المياه إلى داخل الخيمة من الأسفل".
وتتفاقم معاناة الأطفال وكبار السنّ والمرضى نتيجة البرد المُسجَّل في خلال المنخفضات الجوية. وتحكي الحاجة عيد الهركلي التي تسكن في مخيّم مجاور بمدينة غزة لـ"العربي الجديد": "تعرّضت للغرق في المنخفضات السابقة، لكنّني تسلمت خيمة أخيراً، توفّر لنا حماية من الغرق". تضيف أنّ "على الرغم من ذلك، أنا مريضة وكبيرة في السنّ، ومع ساعات المساء والأغطية الخفيفة أشعر بالبرد"، مشيرةً إلى أنّها تعمد مع أفراد عائلتها إلى "التقاراب في أثناء النوم للحصول على الدفء".
وتتعمّق مأساة النازحين في قطاع غزة أكثر فأكثر مع دخول فصل الشتاء، وعدم إدخال مواد الإعمار والإيواء، وفي مقدّمتها المساكن المتنقّلة التي يجدها هؤلاء أفضل من الخيام لحمايتهم من الأمطار. وبفعل تأثير المنخفض الجوي، تواجه بلديات محافظة شمال غزة (تمثّل مع محافظة غزة المنطقة الشمالية من القطاع) تحديات كبيرة، تتمثّل في عدم توفّر وقود كافٍ لتشغيل آبار المياه وشبكات الصرف الصحي، بالإضافة إلى عدم توفّر مواد للصيانة وأنابيب مياه وصرف صحي، الأمر الذي من شأنه أن يعوّق عملها في خلال المنخفض. وقد أكّد اتحاد بلديات محافظة شمال غزة، في مؤتمر صحافي عقده اليوم، أنّ الاحتلال حوّل المحافظة إلى منطقة منكوبة، فيمنع وصول المياه والوقود إليها وكذلك قطع الغيار ومواد إعادة الإعمار، فيما دمّر أكثر من 150 كيلومتراً من الطرقات و70 بئر مياه رئيسية.