استمع إلى الملخص
- يوضح سمير أن العمل بالطين يتطلب تحضيراً دقيقاً وعناية بالتفاصيل، حيث يعتبر النحت بالطين فناً سهلاً ممتنعاً يحتاج إلى دقة وصبر لالتقاط أدق تفاصيل الوجوه.
- يعتبر الزوجان النحت بالطين وسيلة لإعادة تشكيل الذاكرة الشعبية وتجسيد مشاعر الناس، مؤكدين على أهمية الحفاظ على روح الحرفة كوسيلة للتعبير عن الحكايات المخفية في الوجوه.
في إحدى زوايا منزله الريفي ببلدة الهبارية في قضاء حاصبيا جنوبي لبنان، تتربع طاولة عليها وجوه ورموز نحتها الفنان سمير منصور بشغف وأناة وعناية، وهي تولّد لدى من يشاهدها شعوراً بأنها تريد أن تروي ما عاشته. إلى جانبها معدات يدوية بسيطة مثل أدوات تشذيب وملعقة معدنية ومسطرة خشبية وإبر دقيقة.
على هذه الطاولة تتفتّح حكايات تجمع سمير منصور وزوجته كارولين ماضي، وقد اختارا أن يمنحا الطين صوتاً وصورة، وأن يصنعا منه وجوهاً وأشكالاً تقول الكثير من دون أن تنطق.
يمضي سمير جلّ وقته في مشغله حيث يُعالج الطين ويصقله حتى يتحوّل إلى أشكال، من بينها وجوه تحمل ملامحهم المحبّة، أو التعب، أو تجاعيد تحاكي عمراً. يقول لـ"العربي الجديد"، وهو يضع اللمسات الأخيرة على منحوتة لوالدته الثمانينية: "لم يخطر في بالي يوماً أن أدخل عالم النحت. بدأت حياتي بكتابة الشعر والقصص، لكن المصادفة وحدها قادتني إلى الطين، ثم أصبحت الرحلة شغفاً لا ينتهي".
جاءت الشرارة الأولى لشغف سمير من زوجته الفنانة التشكيلية والمطربة الأردنية كارولين ماضي، وذلك في الأشهر الأخيرة من نهاية جائحة كورونا، حين كانت كارولين تبحث عن فخاريات منزلية في بلدة راشيا، جارة الهبارية، والتي اشتهرت بصناعة الفخار عبر الزمن، فتحوّلت الزيارة إلى اكتشاف لفنّ يعدّ من أوائل الفنون في تاريخ البشرية، وهناك وقعا في حبّ الطين، المادة البسيطة التي تخرج من الأرض وتشكلها الأنامل المبدعة.
يوضح سمير: "الطين جزء من الطبيعة، ويتشكل عند حافات الأنهار، وقرب مصادر المياه عبر تفاعلات زمنية قديمة، وتدخل فيه عناصر كثيرة تحدد نوعه وكثافته ودرجة نقائه، ويُمكن من لونه معرفة العناصر التي تشكّله، وقد يميل إلى الأخضر، أو يشبه لون النحاس، أو لون الحديد، والأصفر كبريت، وأحياناً ذهب، والبني هو مانغنيز، والأزرق وباقي الألوان خليط من معادن مختلفة تتحكم بدورها بصلابة ومتانة وجودة المنتج بعد طحنه ونقعه كي يتخمر قبل أن يصفّى من الشوائب، ويُترك ليصبح طرياً قبل العجن، ثم تضاف إليه مواد خاصة كي يتماسك". يتابع: "بدأت رحلتي حين شكّلت أول وجه من طين، وكانت زوجتي تعمل به، ثم اكتشفت عالماً واسعاً، حيث لكل وجه قصة ورسالة، ورغم صعوبات الحياة تبقى متعة النحت قادرة على تجديد الأمل".
ودفع عشق منصور وزوجته للطين، وشغفهما به إلى المشاركة في دورات تدريبية حول أنواعه، وكيفية استخراجه ومعالجته، ويلفت إلى أن "الطين عالم واسع نبحث عنه في الحقول المحيطة ببلدتي راشيا والهبارية، وفي حفريات البناء. المهم أن يكون صلباً ونقياً وقادراً على مقاومة الصدمات، أما عملية التحضير فطويلة ودقيقة، تبدأ بغسل الطين ونقعه لأيام، ثم تخميره وتوضيبه داخل أكياس نايلون لحفظ الرطوبة، وصولاً إلى المرحلة الأصعب، وهي عجنه باليدين لإخراج فقاعات الهواء التي قد تتسبب في تشققات".
وتقول كارولين التي تشارك سمير تفاصيل المنحوتات، وهي ترتّب مجموعة من وجوه وُضعت فوق طاولة صغيرة كي تجفّ: "فن النحت بالطين سهل ممتنع، وهو يحتاج إلى خبرة وهدوء وصبر. يُصنع بأدوات بسيطة، لكن الدقّة مطلوبة لأن كل ملمح له قيمته".
ويشرح منصور أنه يضع صورة الشخص الذي طلب المنحوتة أمامه، ويلتقط أدق التفاصيل، أكانت تجعيدة، أو علامة فارقة، أو التفاتة عين، أو فكرة ينوي نحتها، ولا وقت محدداً لإنجاز المنحوتة، فهذا الأمر يعود إلى شكلها وتفاصيلها، والهدف الأسمى هو الوصول إلى شبه حقيقي يجعل المنحوتة تكاد أن تنطق، على حد قوله.
وتؤكد هذا الأمر كارولين، والتي تتماهى أناملها مع صوتها حين تعزف وتغني، وتقول: "ليست التجاعيد خطوطاً على الطين فقط، بل ذاكرة كاملة، وكل منحوتة تختزن زمناً وحالة نفسية".
ولا يرى الزوجان في النحت مهنة، بل جزءاً من ذاكرة الشعوب. وتعتبر كارولين أن "الفن التشكيلي أرقى أشكال التعبير، والنحت بالطين أحد أقدم الفنون، وشيّدت به حضارات كاملة"، بينما يشدد منصور على "أهمية الحفاظ على روح الحرفة، إذ يبوح الطين حين نعمل به ببطء، وبيدين عاريتين".
يتجاوز ما يفعله سمير وكارولين النحت، فهما يعيدان تشكيل الذاكرة الشعبية عبر وجوه تستعيد ملامح الريف، وتجسّد مشاعر الناس، وتحفظ قصصهم. وفي زمن تتسارع فيه التكنولوجيا يقف الزوجان بثبات على طاولة صغيرة في قرية، ويقولان إن "الفن لا يحتاج إلا إلى طين وأيدٍ عاشقة وقلب يعرف كيف يصغي للحكايات التي تخبئها الوجوه. النحت هو أحد أشكال التعبير، وهذا مقصد الفن، وأرقى تعبير في النحت بالطين أن لكل منحوتة حكاية، والهدف هو الإنسان، أحاسيسه ومشاعره وأمانيه. أن تنحت يعني أن تعطي الجماد معنى".