منازل الضفة الغربية... اقتحامات وطرد وتدمير إسرائيلي ممنهج
استمع إلى الملخص
- يروي حازم التكروري تجربة اقتحام منزله وتحويله إلى موقع عسكري دون إشعار، مما يعكس سياسة العقاب الجماعي وعدم فعالية التواصل مع الجهات الرسمية الفلسطينية.
- يوضح بلال الشوبكي أن هذه التحركات تعكس نفوذ اليمين الإسرائيلي وتهدف إلى فرض السيطرة على الضفة، مما يعزز سياسة "فرض الوقائع على الأرض" وينهي مسار حل الدولتين.
يمعن الاحتلال الإسرائيلي بتحويل منازل الضفة الغربية إلى ثكنات عسكرية بذرائع تجعل من الفلسطينيين دروعاً بشرية، ويرى السكان أن هذا ترجمة عملية لسياسات السيطرة على الضفة، وإن بتكتيكٍ جديد.
تشهد مناطق عدة في الضفة الغربية المحتلة منذ نحو أسبوعين، اقتحامات متصاعدة تنفذها قوات الاحتلال الإسرائيلي، تطاول منازل المواطنين. وتُجبر قوات الاحتلال العائلات على مغادرة منازلها قسراً من دون إنذار، وتُحوّل البيوت إلى ثكنات عسكرية مؤقتة تمتد من يوم إلى خمسة، ما يخلّف آثاراً تتراوح بين تطبيع الوجود العسكري داخل الأحياء الفلسطينية، وتخريب ممنهج للممتلكات وفرض واقع جديد.
كان منزل الفلسطيني عبد الفتاح شبانة من أوائل المنازل التي طاولتها الاقتحامات الإسرائيلية الأخيرة في مدينة الخليل جنوب الضفة الغربية المحتلة، بما هي إحدى مناطق الضفة الغربية التي تتعرض منازلها للاقتحام بشكل مكثف، إذ اقتحمت قوات الاحتلال العمارة السكنية المكوّنة من ستة طوابق، والواقعة في منطقة "الكرنتينا" جنوب المدينة، والمطلة على مستوطنة تل الرميدة داخل البلدة القديمة، ما جعلها هدفاً دائماً للاقتحامات والمراقبة.
ويكشف شبانة لـ"العربي الجديد"، أن قوات الاحتلال كانت تقتحم المبنى من حين إلى آخر قبل الحرب على غزة، وتصعد إلى السطح وتمكث لساعات تراقب المنطقة، لكن في 11 يونيو/حزيران 2025، وقبيل القصف المتبادل بين إيران والاحتلال الإسرائيلي، "اقتحمت قوة عسكرية المنزل بنحو 70 جنديّاً ترافقهم أربع آليات، مستغلين غيابنا المؤقت في بلدة العيزرية شرق القدس".
وخلال الاقتحام، كسر جنود الاحتلال الأبواب والأقفال، واعتلوا الأسطح، ورفعوا الأعلام الإسرائيلية، ومنعوا السكان من الاقتراب، فيما أُبلغ الجيران أن المبنى تحوّل إلى موقع عسكري مغلق بذريعة "حدث أمني".
عاد شبانة مع عائلته في اليوم ذاته، وتمكن من دخول الطابق الثاني رغم محاولة منعه، فتعرّض للاعتداء اللفظي والجسدي، وأُجبر على البقاء في الطابق، بينما تمركزت القوات في الطوابق العليا باستخدام خيام ومعدات مراقبة. يقول: "جيش الاحتلال منحه دقيقتين لم تكفه لجمع شيء من المنزل، وسط شتائم وتهديدات، وإبلاغه صراحة بأن المكان أصبح للجيش والعَلم الإسرائيلي لن يُنزل".
وبعد نحو 24 ساعة، انسحبت قوات الاحتلال بسبب انقطاع الكهرباء عن المنزل، لكنها طالبت العائلة بإعادة تشغيلها، وهو ما قوبل بالرفض، ثمّ غادرت تلك القوات لاحقاً بعد الاستيلاء على مقتنيات وأغراض منزلية، فيما ادّعى جندي يتحدث العربية أنهم "نظفوا المكان"، في محاولة لتقديم صورة إيجابية.
غير أن ما ينفي هذا الادعاء هو عودة قوات الاحتلال في الليلة التالية، حين غادر شبانة مجدداً إلى بلدة العيزرية، ورصدوا والدته خارج المنزل، وتم اقتحام المبنى من جديد، وأُبلغ مواطن مستأجر في المبنى أن أمامه ساعة واحدة لإخلاء الشقة، تحت تهديد مباشر بأن المنطقة "أُعلنت عسكرية مغلقة"، ومن يقترب منها سيكون عرضة للاعتقال، كما اقتحم الجيش محلاً تجاريّاً أسفل المبنى، واعتدى على عدد من الشبان الموجودين داخله، ما استدعى نقلهم إلى المستشفى، فيما تعرّض مارّة في محيط المبنى للرشق بالحجارة وتهديد بالسلاح من الجنود، إذ أبلغوا المواطنين بأن الاقتراب من الموقع سيُقابل بإطلاق النار.
بعد ثلاثة أيام، انسحب الجنود ودخلت العائلة المنزل لتجد زجاجات خمر، وأثاثاً محطّماً، وزجاج نوافذ مهشماً بأعقاب البنادق، مع عبارات "سنعود قريباً" مكتوبة على الجدران وملصقة بِورقٍ. ويقول شبانة إن الجهات الرسمية الفلسطينية أبلغته بأن "الوضع الأمني لا يسمح بالتدخل، وبعدم تجاوب الجانب الإسرائيلي"، في ظل ما تصفه السلطة بـ"حالة الحرب"، مشيراً إلى أن الاحتلال يوزّع نقاطه العسكرية التقليدية داخل المناطق المدنية، ما يحوّل السكان ومنازلهم إلى دروع بشرية.
ويوضح شبانة أن المبنى كان مستهدفاً حتى قبل التصعيد الأخير، إذ يقع في منطقة تصنّف H2، أي خاضعة للسيطرة الأمنية الإسرائيلية والمدنية الفلسطينية، لافتاً إلى أن الاحتلال كان على علم بوجود طابقين غير مرخّصين في المبنى، واستخدم ذلك ذريعة للتهديد بالاستيلاء، رغم عدم وجود صلاحية قانونية للجيش في مسائل الترخيص بهذه المنطقة. وأُبلغ شبانة من جنود الاحتلال بأن "غيابه المتكرر عن المنزل منذ عامين يشكل مبرراً للسيطرة عليه". ويؤكد أنه طلب إبراز أمر عسكري أو قضائي، لكن الجنود لم يحملوا أي وثائق بذلك، كما أن "الارتباط الفلسطيني" أبلغه بوجود محاولات لوقف السيطرة والاقتحام، لكن من دون نتائج، معتبراً أن "الضغط الإعلامي هو السبيل الوحيد" لردع هذه الانتهاكات.
شهادة أخرى، يرويها حازم التكروري، نجل مالك منزل آخر استولى عليه الاحتلال في منطقة حي الجامعة، يؤكد فيها التكروري أن منزلهم يقع في منطقة H1 كاملة السيادة الأمنية والمدنية الفلسطينية، لكن ذلك لم يمنع الاحتلال من السيطرة على المنزل ومنزلين آخرين في الحي.
ويروي التكروري لـ"العربي الجديد": "وصلت قوات الاحتلال عند ساعات الصباح في 15 يونيو/حزيران 2025، وبدأت تطرق الأبواب بعنف، واقتحمت ساحة المنزل، ثمّ خرج شقيقي ليفتح الباب، فوجد الجنود أمامه مباشرة، وأمروه بالخروج من المنزل فوراً من دون السماح بأخذ أي شيء. جنود الاحتلال سمحوا لنا بالمكوث ثلاث دقائق فقط قبل إخلاء المنزل، ثم أجبرونا على المغادرة من دون السماح لنا بحمل أي شيء من الممتلكات. لم يُعرض علينا أي قرار رسمي أو إشعار قضائي يوضح خلفية الاقتحام، أو موعد انسحابهم. لم يُخبرونا بشيء، لا سبب، ولا جهة مخوّلة، ولا حتى إشعار محكمة. وكأن الأمر عملية طرد مباشرة".
ويؤكد أن "وجود الجنود في المنزل كان مزعجاً للغاية، إذ حوّلوا المكان إلى ما يشبه المزرعة. المنزل كان نظيفاً ومرتباً، لكنهم تركوه في حالة خراب تام، مخلفات طعام، معلّبات، وحتى سلوكيات قذرة؛ فأحد الجنود تبوّل داخل فناء المنزل. قام الجنود بتمزيق صور شقيقي الشهيد باسم التكروري، والمعلقة على الجدار منذ 20 عاماً، كما أتلفوا صوراً للشهيد محفورة على الخشب، وصادروا لافتاتٍ قديمة كانت تحمل صوراً له. وخلّفوا وراءهم مهملات وأوساخاً. تواصلنا مع الارتباط الفلسطيني للاستفسار عن سبب الاقتحام، وما يمكن فعله، لكن لم نتلق ردّاً واضحاً".
وانتشر جنود الاحتلال خلال يومَي الاقتحام داخل طرقات الحي، واعتلوا الأسطح، وخرجوا إلى الشوارع القريبة وسط المدينة، وكانت أعدادهم تزيد عن 200 جندي، وأقاموا حاجزاً وسط الطريق، وبدأوا بتفتيش المركبات والاعتداء على المارّة، في مشهد وصفه التكروري بأنه "عقاب جماعي".
ويقدم رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، بلال الشوبكي، قراءة أوسع لهذه التحركات، موضحاً أن الظاهرة ليست جديدة تماماً، بل تصاعدت مع موجة التصعيد الأخيرة، وهي تعكس "تنامي نفوذ قوى اليمين الإسرائيلي داخل مراكز صنع القرار، بما يعني ترجمة عملية لسياسة فرض السيطرة على الضفة الغربية المحتلة، لكن بتكتيك جديد".
ويشرح الشوبكي لـ"العربي الجديد": "ما يجري هو دفع الفلسطينيين للتكيّف مع الوجود العسكري الإسرائيلي، إلى جانب التوسع الاستيطاني. في السابق، كان دخول الجيش الإسرائيلي إلى أي منطقة فلسطينية يستدعي ردوداً شعبية واستنفاراً ميدانيّاً، أما اليوم فهناك محاولات لترسيخ هذا الوجود بشكل طبيعي، من خلال دخول المناطق المدنية والخروج منها من دون مبررات أمنية واضحة، وفي أحيان كثيرة من دون تنفيذ مهمات أمنية حقيقية".
ويؤكد أن هذا الحضور العسكري المتكرر يهدف إلى إعادة تشكيل الذهنية الفلسطينية، بحيث يصبح الوجود العسكري مألوفاً وغير مستهجن، وربما خطوة تمهيدية نحو جعله دائماً، حتى وإن لم يكن عمليّاً طوال الوقت. ويقول: "لا توجد مواجهات في الضفة الغربية تبرّر هذا التحصن، لكنه وجود محسوب في أماكن مختارة بعناية، ليُعطي انطباعاً بأن إسرائيل حاضرة في كل مكان. بدأ ذلك في الأرياف، ثم القرى الكبيرة، واليوم وصل إلى قلب المدن. ما يجري هو بثّ رسالة مباشرة للفلسطينيين: نحن موجودون، حتى من دون سبب ظاهر".
ويعتبر الشوبكي أن هذا الوجود يحافظ على حالة من اليقظة الدائمة لدى الفلسطينيين، ويوصل رسائل تحذيرية، خاصة بعد تفريغ الساحة من النشطاء القادرين على التحرك الميداني، من خلال الاعتقالات الإدارية والمحاكمات، وبالتالي "الرسالة الآن موجّهة لمن تبقى: نحن نراقب، وسنواجه أي تحرك قبل أن يبدأ". ويؤكد أن هذه السياسة لا ترتبط بالخليل وحدها، وإنما هي سلوك متكرر في أنحاء الضفة الغربية، مع فروقات في الشكل؛ ففي شمال الضفة الغربية المحتلة، يرتبط الوجود العسكري بعمليات ميدانية، بينما في الخليل، يكفي مجرد الوجود العسكري لخلق تأثير، في ظل غياب حاضنة شعبية قادرة على المواجهة.
ويخلص إلى أن ما يجري ليس مجرد خطوة أمنية، بل يحمل رسائل سياسية داخلية وخارجية. فداخليّاً، هو استرضاء لقوى اليمين الإسرائيلي وتعزيز لسياسة "فرض الوقائع على الأرض. وخارجيّاً، هي رسالة للعالم بأن لا حاجة لحل الدولتين، ولا جدوى من المؤتمرات الدولية أو المطالبات بإصلاح السلطة؛ فإسرائيل تنفذ خطوات عملية تنهي هذا المسار من أساسه".
ويختم الشوبكي: "حتى السلطة الفلسطينية تتلقى رسالة مفادها بأن دورها يجب أن يبقى محصوراً في إدارة الخدمات، كالصحة والتعليم، من دون أي سيطرة فعلية على الأرض، كما أن التنسيق الأمني لم يعد أولوية إسرائيلية كما كان سابقاً، بل تم استبداله برؤية جديدة لإدارة الضفة الغربية المحتلة، بغض النظر عن تقسيماتها الإدارية بين (أ - ب - ج)".