مناخ أوروبا... بنى تحتية تُكافح موجات الحرّ بفوضوية

24 اغسطس 2025   |  آخر تحديث: 24 أغسطس 2025 - 00:09 (توقيت القدس)
درجات حرارة مرتفعة في إسبانيا، 17 يوليو 2025 (أليكس كامارا/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تأثير موجات الحر في أوروبا: تشهد أوروبا ارتفاعاً في درجات الحرارة، مما يؤدي إلى تأثيرات خطيرة على الصحة العامة والبنية التحتية، حيث سجلت دراسة وفاة 2300 شخص في صيف 2023 بسبب الحرارة، مع توقع زيادة موجات الحر بحلول 2100.

- استراتيجيات التكيف والتبريد: تواجه أوروبا تحديات في التكيف مع موجات الحر بسبب نقص البنية التحتية للتبريد، وتعتمد على مبادرات مثل الأسطح الخضراء والمباني الذكية.

- خطط التأقلم المستقبلية: يقترح برنارد ملاط خطة من ثلاث مراحل تشمل حلولاً فورية ومتوسطة وطويلة الأجل لتعزيز قدرة المدن على التكيف مع موجات الحر.

ما تعيشه قارة أوروبا في الوقت الحالي من موجات حرّ شديدة، يطرح أسئلة حول مدى استعداد بنيتها التحتية للتحمل، ومساعي بلدانها لوضع استراتيجيات طويلة الأمد.

كان يمكن للقليل من المثلّجات التخفيف من حدة درجات الحرارة صيفاً في أوروبا. والحدّة هنا ليست مصطلحاً علمياً يُمكن قياسه، بل تعود إلى قدرة تحمّل الأفراد ومدى حاجتهم إلى الانتعاش. قبل أن يُحدث تغيّر المناخ تحوّلات كبيرة في أنماط الطقس العالمية، كانت فصول الصيف في معظم الدول الأوروبية معتدلة نسبياً، ودرجات الحرارة تتراوح ما بين 20 و25 درجة مئوية، وكانت موجات الحرّ الشديدة نادرة الحدوث وقصيرة الأمد.

خلال السنوات الأخيرة، أصبح فصل الصيف في أوروبا أكثر حرارة، وأطول مدة، وأكثر خطورة. ارتفعت درجات الحرارة المتوسطة في معظم أنحاء أوروبا بمقدار درجتين إلى 3 درجات مئوية، وأصبحت موجات الحرّ القياسية تحدث بشكل شبه سنوي. وغالباً ما تتجاوز درجات الحرارة 45 درجة مئوية، وتبدأ في وقت مبكر وقد تمتد حتى شهر سبتمبر/أيلول أحياناً.

وخلال الصيف الجاري، شهدت أوروبا واحدة من أشدّ موجات الحر المسجلة، وخاصة خلال فترة الأيام العشرة من 23 يونيو/حزيران وحتى 2 يوليو/تموز. وأجرت "إمبريال كوليدج لندن" ومدرسة لندن لحفظ الصحة وطب المناطق الحارة دراسة شملت 12 مدينة أوروبية كبرى (بما في ذلك ميلانو وباريس ولندن وبرشلونة). وقدّر الباحثون أنّ حوالي 2300 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة حدثت خلال هذه الفترة. كما أن حوالي 1500 حالة وفاة من هذه الوفيات (حوالي 65%) نُسبت مباشرة إلى تغير المناخ. وبحسب منظمة الصحة العالمية، حدثت حوالي 489.000 حالة وفاة مرتبطة بالحرارة سنوياً في جميع أنحاء العالم، 36% منها في أوروبا (أي حوالي 175.000 حالة وفاة سنوياً في الاتحاد الأوروبي).

ويتوقع تحليل أجرته شركة Sweco في 24 مدينة أوروبية ارتفاعاً ملحوظاً في وتيرة موجات الحر بحلول عام 2100 مقارنة بعام 2020. وتُشير التوقعات إلى زيادة تتراوح ما بين 100% و160% في عدد أيام موجات الحر. ومن المتوقع أن تشهد كوبنهاغن (الدنمارك) أكبر زيادة، حيث سترتفع أيام موجات الحر بنسبة 160%، تليها ستوكهولم (السويد) بنسبة 150%، ثم أوسلو (النرويج) بنسبة 140%. ومن المتوقع أن تشهد كل من روتردام (هولندا) وبروكسل (بلجيكا) زيادة بنسبة 130%، بينما من المتوقع أن تواجه هلسنكي (فنلندا) زيادة بنسبة 100%.

يشار إلى أنه رغم موجات الحر هذه، لا يزال من الممكن حدوث موجات برد، بل وقد تصبح أكثر تقلباً بسبب اضطرابات في أنماط دوران الغلاف الجوي. بالنسبة لأوروبا، لا مشكلة في موجات البرد. فعلى مدى عقود من الزمن، عرّف صانعو السياسات الأوروبيون أمن الطاقة بشكل أساسي بأنه الحفاظ على التدفئة خلال فصل الشتاء. لكنّ التهديد الجديد يتمثل في موجات الحر التي تعطل الحياة اليومية، وأنظمة الطاقة، وخدمات الرعاية الصحية، ما يكشف مدى عدم استعداد أوروبا للتطرف المناخي صيفاً. وعلى عكس التدفئة، كان نهج أوروبا في التبريد فوضوياً. انتشرت مكيفات الهواء بسرعة، وغالباً في المنازل أو المساحات التجارية الأكثر ثراءً. فالتبريد لم يكن يوماً أولوية استراتيجية لأوروبا. في المقابل، تتوفر شبكات تدفئة منسقة وأطر تنظيمية واسعة تضمن الوصول الشامل إلى التدفئة.

ولا يرتفع الطلب على الكهرباء خلال موجات الحر لبضع ساعات فحسب، بل يبقى مرتفعاً لأيام أو حتى أسابيع. في الوقت نفسه، يُقلّل الجفاف من توليد الطاقة الكهرومائية، بينما لا تستطيع مياه الأنهار الدافئة تبريد المفاعلات النووية. كما يُمكن لموجات الحر أن تُعطّل إنتاج الفحم أو الغاز. ففي ألمانيا، تسبّب انخفاض منسوب الأنهار في تعطل سفن الفحم، ما أدى إلى قطع إمدادات الوقود عن محطات الطاقة.
كما تتأثر البنية التحتية للشبكة الكهربائية أيضاً جراء الحرائق على سبيل المثال. وعندما ترتفع درجة حرارة المحولات والكابلات، تُصبح الصيانة أكثر صعوبة، ما يزيد من احتمالية انقطاع التيار الكهربائي. رغم المخاطر الواضحة والمتنامية، يفتقر الاتحاد الأوروبي إلى استراتيجية شاملة لمعالجة مشكلة التبريد.

موجة حر في اليونان، 20 يوليو 2025 (غيارغوس آرابيكوس/Getty)
موجة حر في اليونان، 20 يوليو 2025 (غيارغوس آرابيكوس/ Getty)

عوائق... واستراتيجيات

تدرك أوروبا حجم التحديات، وتعمل على حلول جماعية واستراتيجية، لكنّها في الوقت نفسه غير كافية. في فبراير/شباط الماضي، أطلق الاتحاد الأوروبي، الصفقة الصناعية النظيفة (The Clean Industrial Deal)، وهي مبادرة اقترحتها المفوضية الأوروبية، وتهدف إلى تسريع إزالة الكربون من الصناعة الأوروبية مع تعزيز قدرتها التنافسية. هذه الصفقة تشمل استراتيجية للتدفئة والتبريد، لكنها لا تتعامل بشكل مستقل مع تحديات الحاجة إلى التبريد المتزايد، بحسب موقع "أتلانتيك كاونسل".

ورغم مراجعة توجيه أداء الطاقة في المباني EPBD 2024 (أحدث مراجعة للتشريع الرئيسي في الاتحاد الأوروبي، ويهدف إلى تحسين كفاءة الطاقة في المباني، والوصول إلى قطاع مبانٍ خالٍ تماماً من الكربون بحلول عام 2050)، وإدراج التبريد ضمنها، إلا أنها تبقى جزءاً من سياسة كفاءة الطاقة وتأهيل المباني فقط.

من جهة أخرى، لا تزال الفئات السكانية الأكثر ضعفاً تعاني من نقص كبير في الحماية في مواجهة موجات الحر المتزايدة. ويكمن أحد العوائق الرئيسية في الغياب الواسع النطاق للبيانات التفصيلية والمحدثة وخرائط مواطن الضعف القائمة على نظم المعلومات الجغرافية. من دون هذه الأدوات، تكافح المدن لتحديد مواقع أعلى المخاطر بدقة، والفئات الأكثر عرضة للخطر، وكيفية تحديد التدابير الأساسية.

وإحدى أكثر الاستراتيجيات المعتمدة على نطاق واسع لمواجهة موجات الحر في المدن الأوروبية، هي إنشاء بنى تحتية قائمة على الطبيعة، من خلال الأسطح الخضراء، وتشجير الشوارع، وإقامة ممرات بيئية مائية ونباتية، وغابات حضرية، ومسطحات مائية. وتؤدي هذه العناصر دوراً مهماً في الحد من ظاهرة "جزيرة الحرارة الحضرية" (ظاهرة مناخية تشير إلى أن المدن والمناطق الحضرية تحتفظ بدرجات حرارة أعلى من المناطق الريفية المحيطة بها، خاصة في الليل). ويؤكد تقرير شركة Sweco أهمية وضع هذه التدخلات في مواقع استراتيجية، لا سيما بالقرب من المدارس، ودور رعاية المسنين، والأحياء ذات الدخل المنخفض، بحيث يستفيد السكان الأكثر ضعفاً منها.

وبالتزامن مع البنية التحتية الخضراء، تُشدد شركة Sweco على الدور التحويلي للمباني الذكية عالية الأداء في التخفيف من آثار موجات الحر. وتتضمن هذه الهياكل التظليل السلبي، وأنظمة التبريد الميكانيكية المتطورة، وتحسينات الغلاف الحراري، وميزات التصميم المستجيبة للمناخ. وعند دمجها مع التقنيات الرقمية، مثل أجهزة الاستشعار البيئي القائمة على إنترنت الأشياء وأنظمة التحكم في المناخ المدعومة بالذكاء الاصطناعي، يُمكن لهذه المباني إدارة درجات الحرارة الداخلية بشكل تكيفي استجابة للإجهاد الحراري الخارجي.

يتناولون المثلجات في مكان مظلل في حديقة سانت جيمس، لندن، 13 يوليو 2025 (فيكتور شيمانوفيتش/الأناضول)
يتناولون المثلجات في مكان مظلل في حديقة سانت جيمس، لندن، 13 يوليو 2025 (فيكتور شيمانوفيتش/ الأناضول)

مراحل للتأقلم

في هذا السياق، يقول المهندس المعماري برنارد ملاط، لـ"العربي الجديد"، إن البنية التحتية في أوروبا، وخصوصاً في المدن، غير مجهزة بالقدر الكافي للتعامل مع موجات الحر الشديد. ويوضح أن معظم المدن الأوروبية صُمّمت للتكيف مع المناخ البارد، وبالتالي غالباً ما تفتقر المنازل إلى أجهزة التكييف وتدابير التبريد السلبي (التهوية الطبيعية، التظليل الخارجي، البناء بالكتلة الحرارية العالية وغيرها)، لافتاً إلى احتمال تأثر السكك الحديدية والطرقات جراء الحر الشديد. ويلفت إلى أن بعض مدن جنوب أوروبا، التي تتميز تاريخياً بعناصر تصميم متكيفة مع الحرارة، تحقق أداءً أفضل من غيرها في هذا الإطار.

ولمواجهة موجات الحر، يمكن أن يساعد التخطيط المعماري أو الحضري في الحد من تأثيراتها، من خلال التشجير الحضري، والممرات المظللة، ونوافير المياه، والأشكال الحضرية المدمجة/المتعددة الطبقات (الأفنية والشوارع الموجهة بحسب اتجاه الرياح)، والأسطح عالية الانعكاسية الشمسية (العاكسة للحرارة)، وغيرها، بحسب ملاط.

ويتحدث ملاط عن خطة متكاملة تتألف من ثلاث مراحل، لجعل البنية التحتية للمدن مقاومة للحرارة. المرحلة الأولى تتضمن حلولاً فورية/سريعة (0 - 12 شهراً)، وتشمل تطبيق طلاءات عالية الانعكاسية على الأسطح والأرصفة، وتركيب هياكل مظللة ومحطات رذاذ في مراكز النقل والساحات، وإطلاق مشاريع تشجير حضري، وتعديل التهوية الليلية على المباني العامة، وتجريب أنظمة تبادل حراري في المرافق الأساسية (نظام يُستخدم لنقل الحرارة من وسط إلى آخر دون خلط مباشر بينهما، وذلك لتحسين كفاءة الطاقة في التدفئة أو التبريد).

أما المرحلة الثانية (1 - 3 سنوات)، فتتضمّن تحسينات متوسطة المدى، وتشمل إنشاء شبكات تبريد المناطق باستخدام محطات بخار أو توليد مشترك (CHP) مُعدّلة، ومشاريع تجريبية لتقنيات الطاقة الجوفية وتخزين الحرارة الموسمية، وتوسيع الممرات الخضراء في المدينة، وتعديل واجهات المباني بإضافة وسائل تظليل وعزل حراري، ودمج عناصر تبريد مائية في التصميم الحضري.

أما المرحلة الثالثة (3 - 10 سنوات)، وهي تحولات طويلة الأجل، فتشمل مخططات تنظيمية شاملة على مستوى المدينة متكيفة مناخياً تُراعي تدفق الهواء وتوفير الظل، وأنظمة التخزين الحراري الموسمي (تخزين الحرارة أو البرودة الزائدة خلال فصل معين لاستخدامها لاحقاً في موسم آخر، عند الحاجة)، فرض استخدام ألواح تغيير الطور (PCM) والواجهات مزدوجة الطبقة ضمن قوانين البناء (مواد تمتص أو تطلق الحرارة عند تغيّر حالتها الفيزيائية، مثل التحوّل من الحالة الصلبة إلى السائلة أو العكس، وتُدمج في جدران أو أسقف المباني لتعمل كمخزن حراري طبيعي.)، بالإضافة إلى أنظمة متكاملة قائمة على الطبيعة ومرتبطة بالبنية التحتية.

وبحسب ملاط، هناك مبادئ عابرة للمراحل، مثل اعتماد التصميم القائم على الطبيعة، واختيار المواد والأنظمة المناسبة لجميع الفصول، وتعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، ورصد وتقييم مستمر للتكيف والتحديث بحسب الحاجة.

المساهمون