مقبرة أرقام دير البلح... شهداء مجهولو الهوية وجرح مفتوح

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:15 (توقيت القدس)
شواهد تحمل أرقاماً في مقبرة دير البلح، ديسمبر 2025 (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- مقابر الأرقام في غزة: يضم قطاع غزة ثلاث مقابر لدفن جثامين الشهداء مجهولي الهوية، حيث تُدفن في مقبرة جماعية بمدينة دير البلح، ويُعطى كل قبر رقمًا مرتبطًا بقاعدة بيانات تحتوي على صور ومقتنيات للتعرف على الشهداء.

- التحديات في التعرف على الجثامين: يواجه الأهالي صعوبة في التعرف على ذويهم بسبب غياب أجهزة فحص الحمض النووي والتحلل الشديد للجثامين، مع اتهامات للاحتلال بإخفاء الأدلة.

- جهود التوثيق والتعرف: تسعى لجنة إدارة الجثامين ووزارة الصحة بالتعاون مع جهات دولية لإدخال أجهزة حديثة لتحليل الحمض النووي، لتسهيل التعرف على الجثامين وحفظ كرامة الشهداء.

يضم قطاع غزة ثلاث مقابر أرقام في الوقت الحالي، دفنت فيها جثامين مئات من الشهداء مجهولي الهوية، لكنْ هناك مخطط لجمع تلك الجثامين في "مقبرة أرقام" دير البلح لتسهيل تعرّف الأهالي إلى ذويهم.

بلا اسم يدل على صاحبه، وبلا شاهد يحكي حكايته، باستثناء لوحة تحمل رقماً، يدفن مئات الشهداء مجهولي الهوية في مقبرة جماعية خصصت لهم بمدينة دير البلح وسط قطاع غزة، أُنشئت قبل نحو شهرين، وباتت تعرف باسم "مقبرة الأرقام"، فكل قبر يحمل لوحة برقم مرتبط بقاعدة بيانات تضم صوراً ومقتنيات تساعد الأهالي في محاولة التعرف إلى أبنائهم، لكن خلف كل رقم، قصة استشهاد لم تعرف تفاصيله، ولا يملك إجابته سوى الاحتلال الإسرائيلي.
تتراصّ القبور المتشابهة وفق خريطة مكانية دقيقة، فما تتجرع أمهات غزة مرارة البحث عن أبنائهن المفقودين، مع وصول جثامين يسلمها الاحتلال في حالة صادمة من التحلل الشديد، ما يجعل التعرف إلى أصحابها شبه مستحيل، ويحولهم بالتبعية إلى قائمة "مجهولي الهوية".
من بين مئات الأرقام تحوّل قبران إلى شاهدين معروفين، بعد أن تمكنت عائلتا الشهيدين محمد أبو ضاهر وبشير أبو محارب، من التعرف إليهما عبر سجلات وزارة الصحة التي توثق الملابس والمقتنيات. أزالت العائلتان لوحتي الأرقام، وكتبتا على الحجارة اسمي الشهيدين، ليتحولا إلى قبرين دائمين، ويصبحا القبرين الوحيدين اللذين يحملان ملامح هوية وسط المكان المقفر.
ويوجه أهالٍ ومسؤولون، في قطاع غزة، اتهامات للاحتلال الإسرائيلي بإخفاء العلامات والأدلة المهمة التي تحدد هوية الشهيد، كوثيقة هويته الشخصية، بهدف زيادة معاناة الأهالي خلال رحلة البحث عن أبنائهم المفقودين، بعد أن واجهوا صعوبات كبيرة في أثناء تسليم الاحتلال لدفعات الجثامين ضمن مقررات اتفاق وقف إطلاق النار، فضلاً عن منع الاحتلال إدخال أجهزة الفحص المتطورة إلى غزة.

لا تتوفر أجهزة فحص الحمض النووي لإجراء تحاليل التعرف اللازمة، ويتهم أهالي غزة الاحتلال بإخفاء الأدلة التي تحدد هوية الشهيد

بينما يتابع المسؤول عن المقبرة، جابر القديم، إنشاء القبور الجديدة، وانهماك العمال في تجهيزها، تمهيداً لاستقبال شهداء جدد، يقول لـ"العربي الجديد": "نتسلم جثامين الشهداء من خلال لجنة الجثامين، أو الدفاع المدني، ونتولى مهمة توثيقها في أرقام، ثم تجهز اللجنة الدولية للصليب الأحمر بطاقات تحمل رقماً لكل شهيد، حتى يتسنى لنا مساعدة الأهالي الذين يرغبون في التعرف إلى أبنائهم من خلال الصور الموجودة بملفهم، عبر مطابقة الصور برقم اللوحة، ومن ثم نقل الجثمان إلى المقابر الرسمية".
ورغم أن المقبرة أنشئت قبل شهرين فقط، يقدّر القديم أن عشرة أهالٍ فقط استطاعوا خلال تلك الفترة التعرف إلى جثامين أبنائهم من خلال الصور، من بينهم عائلتان قررتا ترك الجثمانين في المقبرة، ووُضع اسماهما بدل الرقم، وأفرادهما يأتون للزيارة كل فترة. ويوضح أن "هناك جثامين محترقة بالكامل، وجثامين أخرى متحللة. أعمل في المقابر منذ عشرين سنة، ولم أتخيل في يوم من الأيام أن أرى جثامين شهداء بلا رؤوس".
وبينما يواصل العمال رصّ الحجارة لإنشاء القبور الفارغة، كان الفلسطيني فوزي أبو سعفان وابنه، يضعان الطين بين الحجارة لزيادة تماسك القبور وإتمام إغلاقها. يسكن أبو سعفان في مخيم إيواء قريب من المقبرة، وأصبحت خيمته تطل مباشرة على القبور، ونتيجة تعطله من العمل، قرر العمل في إنشاء القبور، لكن مشاهدة الجثامين لا تمر على قلبه مرور الكرام.

تجهيز المزيد من القبور، دير البلح، ديسمبر 2025 (العربي الجديد)
تجهيز المزيد من القبور، دير البلح، ديسمبر 2025 (العربي الجديد)

يقول أبو سعفان لـ"العربي الجديد" فيما يدهن حجارة أحد القبور: "نزحت إلى هذا المكان قبل أن يتحول إلى مقبرة، وقد بلغت من العمر 59 سنة، ولم أفهم طوال حياتي كيف يكون الشخص مجهول الهوية. هذا أمر مؤلم. اعتدنا أن نرى الجنازات يشيّعها الأهالي، ويكتبون على شواهد القبور اسم الشهيد وعمره لحظة الاستشهاد وتاريخ الاستشهاد. هذه المعلومات غير موجودة هنا، ولا يوجد سوى رقم".
يتابع عدد من أهالي غزة قدوم جثامين، فيما كان أدهم قاعود الذي يسكن بالقرب من المكان يتفقد المقبرة، ويقول إن وجوده هناك تزامن مع وصول 18 جثماناً من طريق لجنة إدارة الجثامين بواسطة حافلة، وجميعهم شهداء مجهولو الهوية نقلوا من المستشفى الأهلي المعمداني في مدينة غزة إلى المقبرة.
شارك قاعود في نقل رفات الشهداء الذين وضعوا في أكفان بلاستيكية بيضاء، ودُفن كل أربعة أكفان في قبر واحد، ومن ثم حثوُ التراب على القبور، وهي المهمة التي ساعد فيها الأهالي عمال المقبرة، في حضور أطفال راقبوا المشهد بعيون دامعة وملامح مصدومة، ثم أدى الجميع صلاة الجنازة على الشهداء بعد دفنهم.
ويقول عضو لجنة إدارة الجثامين، زياد عبيد، لـ"العربي الجديد": "تواصل اللجنة نقل جثامين الشهداء مجهولي الهوية من الساحات والمستشفيات إلى المقبرة، وكان آخرهم يوم الأحد 7 ديسمبر/ كانون الأول الماضي، وكان عددهم 19 جثماناً مجهولاً من المستشفى المعمداني، مع 20 جثماناً معلومي الهوية سُلِّمت لعائلاتها، وستنقل مئات الجثامين الأخرى إلى المقبرة خلال الفترة المقبلة".

صلاة الجنازة على مجهولي الهوية، دير البلح، ديسمبر 2025 (العربي الجديد)
صلاة الجنازة على شهداء مجهولي الهوية، دير البلح، ديسمبر 2025 (العربي الجديد)

يضيف عبيد: "جرى التوافق بين وزارتي الصحة والأوقاف على نقل الجثامين المنتشرة إلى المقبرة، بدءاً من المجمعات الصحية والمستشفيات، وسيُنقَل نحو 250 جثماناً من مجمع الشفاء الطبي على مدار ثلاثة أيام، وبعدها ستُنتشَل الجثامين المجهولة من الأراضي الخاصة. قضية الجثامين المجهولة ملف مؤلم في حياة الشعب الفلسطيني، وهو ملف معقد، وسيستمر لسنوات طويلة، لأن الكثير من الجثامين تحت أنقاض المباني، وحتى لو سمح بدخول المعدات الثقيلة، فإن الرفات ستختفي مع الركام".
ووفق الإحصائيات الفلسطينية المتوفرة، تصل أعداد المفقودين في قطاع غزة إلى نحو 10 آلاف مفقود، معظمهم تحت أنقاض المباني المدمرة. ويشير زياد عبيد إلى أن "مقبرة دير البلح هي الثالثة لمجهولي الهوية في غزة، إذ دُفنَت مئات الرفات التي سلمها الاحتلال من دون أي تنسيق، ومن دون العرض على الأدلة الجنائية والطب الشرعي، إضافة إلى دفن عشرات الجثامين المجهولة في بلدة بيت لاهيا. ولاحقاً، سيُجمَّع المجهولون كافة في مقبرة دير البلح، كي يتسنى التعرف إليهم في حال دخول أجهزة فحص الحمض النووي، والتمكن من إجراء التحاليل اللازمة".
وتدعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهود نقل الجثامين المجهولة. وتقول المتحدثة باسم اللجنة، أماني الناعوق، لـ"العربي الجديد"، إن "آلاف العائلات لا تعرف مصير أحبائها، أو أماكن وجود جثامينهم في غزة، وبموجب القانون الدولي الإنساني يجب التعامل مع الجثامين باحترام، وضمان كرامة أصحابها. اللجنة الدولية للصليب الأحمر تدعم الطب الشرعي ووزارة الصحة في إدارة الجثامين وتوثيقها وتتبعها، حتى يتسنى تحديد هويتها فيما بعد، وتتمكن العائلات من إغلاق هذا الملف المؤلم".
وتضيف الناعوق: "يشمل الدعم الذي تقدمه اللجنة الدولية التدريب على كيفية التعامل مع الجثامين، وتقديم مواد مثل أكياس حفظ الجثامين، وبطاقات التعريف، ومعدات حماية العاملين، وتوفير معدات التبريد، كذلك ندعم إدارة البيانات، والمشاريع المتعلقة بإدارة المقابر والبنية التحتية لها".

وأدى تدمير المستشفيات وانهيار المنظومة الصحية إلى غياب أجهزة فحص الحمض النووي، وبالتالي الاعتماد على الفحص الظاهري للجثامين، واعتماد المقاربة والمطابقة من قبل ذوي الشهداء. ويقول مدير دائرة الطب الشرعي بوزارة الصحة في غزة، أحمد ضهير، لـ"العربي الجديد": "تأخذ دائرة الطب الشرعية البيانات الطبية من الرفات، كالطول والأسنان والعلامات الفارقة وتوثيق الإصابات، ويجب أن حضور الأهالي لتأكيد هوية أبنائهم، لكن عدم وضوح الملامح أو التحلل يعوقان التعرف إلى هوية الشهداء، كذلك هناك ملابس مميزة كان يرتديها الشهيد، لكن وجود شهداء كانوا يرتدون ملابس متشابهة يعوق عملية التعرف أيضاً".
وحول الإمكانات الطبية المتاحة في غزة، يوضح ضهير: "لا أجهزة متطورة، وبالتالي نأخذ الأدلة الواضحة كي نقارن، وهناك بيانات نستطيع أخذها، كالأسنان وعينات مثل الأظفار، كذلك يوجد الحمض النووي لشهداء مجهولي الهوية سلمه الاحتلال لنا من طريق الصليب الأحمر، لكن لا توجد آليات للمقارنة في الوقت الحالي، ولا يوجد دعم حقيقي من أي جهة، ولا تعهد بإدخال الأجهزة المتطورة الضرورية".
ويؤكد مدير دائرة الطب الشرعي أن "وزارة الصحة خصصت كل إمكاناتها وما تبقى لديها من مقدرات من أجل التعرف إلى الجثامين، لحفظ كرامة الشهداء، فضلاً عن السعي لمحاولة إدخال الأجهزة الحديثة بالتعاون مع جهات دولية، واستقدام اختصاصيين حتى تستطيع العائلات التعرف إلى أبنائها الشهداء من خلال مطابقة الحمض النووي، لأن هذا حق للعائلات، وتترتب عليه حقوق قانونية".

المساهمون