مقابر غزة تنبض بالحياة... نازحون يعيشون بين الموتى

04 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 13:27 (توقيت القدس)
نازحون يعيشون حول مقابر في خانيونس، غزة، 19 أكتوبر 2025 (الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- لجأت بعض العائلات الفلسطينية في غزة إلى المقابر كملاذ مؤقت بسبب الحرب والدمار، حيث يعيشون في ظروف قاسية بين شواهد القبور، مثل عائلة ميساء بريكة التي تعيش في مقبرة بخانيونس منذ خمسة أشهر.

- النزوح الجماعي لسكان غزة، الذي تجاوز عددهم مليوني نسمة، جاء نتيجة العدوان الإسرائيلي المستمر، ومع وقف إطلاق النار في أكتوبر، عاد البعض إلى منازلهم المدمرة بينما بقي آخرون في مناطق محدودة.

- حتى في المقابر، لا يوجد ضمان للأمان حيث تعرضت للقصف وتُستخدم لأغراض عسكرية، مما يزيد من خوف وقلق النازحين الذين يعيشون دون أمل في التعافي أو العودة للحياة الطبيعية.

أصبحت الهياكل العظمية جيراناً لبعض الفلسطينيين في غزة الذين لم يجدوا مكاناً يلجأون إليه سوى مقابر غزة للاحتماء من ويلات الحرب. حيث تحولت شواهد القبور إلى مقاعد وطاولات لعائلات مثل عائلة ميساء بريكة، التي تعيش مع أبنائها منذ خمسة أشهر في مقبرة متربة تحت شمس خانقة في مدينة خانيونس جنوب القطاع. ويقيم في هذه المقبرة نحو 30 عائلة.

خارج إحدى الخيام، يجلس طفل أشقر الشعر يلعب بالرمل بين أصابعه، بينما يطل طفل آخر بخفة ظل من وراء قطعة قماش معلقة. لكن الليل يروي حكاية أخرى. تقول بريكة: "عندما تغيب الشمس، يخاف الأطفال ولا يريدون الخروج، ولدي أربعة صغار. إنهم يخافون من الكلاب في الليل... ومن الأموات".

حياة وسط المقابر في غزة، دير البلح، 18 أكتوبر 2025 (Getty)
حياة وسط المقابر في غزة، دير البلح، 18 أكتوبر 2025 (Getty)

لقد نزح الغالبية العظمى من سكان غزة البالغ عددهم أكثر من مليوني نسمة، بسبب العدوان الإسرائيلي على غزة منذ عامين. ومع وقف إطلاق النار الذي بدأ في 10 أكتوبر/تشرين الأول، عاد بعضهم إلى ما تبقى من منازلهم، بينما لا يزال آخرون محشورين في رقعة الأرض القليلة التي لا تسيطر عليها قوات الاحتلال الإسرائيلية.

هنا، وفي مقابر أخرى في غزة، تنبض الحياة بين الموتى. سجادة صلاة تتدلى على حبل غسيل، وطفل يدفع جالون ماء فوق كرسي متحرك بين القبور، ودخان يتصاعد من نار طهي. أحد أقرب جيران بريكة هو أحمد أبو سعيد، الذي توفي عام 1991 عن عمر18 عاما، بحسب ما نُقش على شاهد قبره الذي يبدأ بآيات من القرآن الكريم. هناك شعور بعدم الارتياح وإحساس بالانتهاك، لأنهم اضطروا لنصب خيامهم هنا، لكن لا خيار آخر أمامهم. تقول بريكة إن منزل عائلتها في منطقة أخرى من خانيونس دمر بالكامل، وإنهم لا يستطيعون العودة إليه لأن القوات الإسرائيلية تحتل حيهم.

مقابر غزة ملجأ النازحين

يأتي سكان آخرون ممن لجأوا إلى هذه المقبرة من شمال غزة، وغالباً ما يكونون بعيدين عن الأرض التي دُفن فيها أحباؤهم. يقول محمد شما، الذي يعيش هنا منذ ثلاثة أشهر، إن منزله هو الآخر تعرض للتدمير. ويضيف: "أنا رجل بالغ، ومع ذلك أشعر بالخوف من القبور ليلاً... أختبئ في خيمتي". جلس شما على شاهد قبر مكسور وهو يحدّق في الشمس قائلاً إن كل ما كان يملكه عند وصوله إلى هنا هو 200 شيكل (نحو 60 دولاراً)، وقد أخذها صديق ليساعده في نقل عائلته إلى المقبرة.

تقول حنان شما، زوجته، إن قلة المال وعدم القدرة على إيجاد مأوى آخر هما السبب الذي يجعلهم يعيشون بين القبور. وبينما كانت تغسل الأطباق في وعاء صغير بحجم صحن فطيرة، قالت وهي تحافظ على كل قطرة ماء: "بالطبع، الحياة في المقبرة مليئة بالخوف والرعب والقلق، ولا نستطيع النوم فوق كل الضغوط التي نعيشها".

حتى بين الأموات لا يوجد ضمان للأمان. فقد قصفت القوات الإسرائيلية مقابر خلال الحرب، بحسب الأمم المتحدة

لكن حتى بين الأموات لا يوجد ضمان للأمان. فقد قصفت القوات الإسرائيلية مقابر خلال الحرب، بحسب الأمم المتحدة وجهات مراقبة أخرى. ويقول الاحتلال الإسرائيلي إن حماس تستخدم بعض المقابر غطاء، وتزعم أن هذه المواقع "تفقد حمايتها" عندما تُستغل لأغراض عسكرية.

وخلال الحرب، دُفنت الجثث في أي مكان متاح، بما في ذلك في ساحات المستشفيات. ووفقاً للتقاليد، تُدفن العائلات الفلسطينية قرب أحبائها، لكن القتال عطل هذا العرف. ومع وقف إطلاق النار، بدأت رحلة البحث عن الموتى. و تضغط إسرائيل على حماس لتسليم رفات الأسرى، بينما تنشر السلطات الصحية الفلسطينية صوراً مروعة لجثث أعادتها إسرائيل على أمل أن تتعرف العائلات عليها. وهناك من لا يزال ينقب بين الركام الهائل في غزة بحثاً عن جثامين أحبائه الذين لم يتمكن من دفنهم أثناء القتال. 

وارتفع عدد الشهداء في غزة، والذي تجاوز 68 ألفاً و800، بمئات أخرى منذ بدء الهدنة، بسبب انتشال هذه الجثث فقط. وشهدت العائلات المقيمة بهذه المقبرة في خانيونس وصول جثامين جديدة، تُدفن غالباً تحت الرمل لا تحت ألواح حجرية، وتُعلَّم فقط بأحجار بسيطة. أما التعافي وإعادة الإعمار والعودة، فتبقى جميعها بعيدة المنال. يقول محمد شما في ختام حديثه: "بعد الهدنة، حياتي ما زالت كما هي داخل المقبرة... لم أكسب شيئاً".

(أسوشييتد برس)