استمع إلى الملخص
- تُعرض صور الجثامين المشوهة في مجمع ناصر الطبي، حيث تصل معظمها بملامح مشوهة وآثار تعذيب، مما يصعب التعرف إليها، ويزيد من مشقة الأهالي في التنقل بين المدن للبحث عن أبنائهم.
- تواجه العائلات تحديات في التعرف إلى الجثامين بسبب تحلل الأجزاء وغياب فحوصات الحمض النووي، وتتهم الاحتلال بتعمد إخفاء الملامح، مما يؤدي إلى دفن الجثامين مجهولة الهوية.
تتواصل نكبة أهالي غزة وسط العجز عن انتشال آلاف المفقودين من تحت الركام، كذلك حرقة ذوي الشهداء المفقودين وصعوبة التعرف إلى الجثامين جراء تنكيل الاحتلال بملامحها وتعريتها من هويتها.
يمثّل ملف جثامين الشهداء الفلسطينيين المفقودين تحت الركام إزاء الحرب الإسرائيلية التي استمرت عامين، إحدى أبرز المآسي الدامية التي خلفتها حرب الإبادة الجماعية ضد قطاع غزة. فقد أُرهقت قلوب أهالي الشهداء ونفوسهم في رحلة بحثٍ مريرة ضمن قوائم الأسرى الغزّيين أو بين ملامح الجثامين المشوّهة التي يسلمها الاحتلال على دفعات منذ اتفاق وقف إطلاق النار الأخير، بينما تعجز عائلات أخرى عن انتشال جثامين أبنائها وأحبائها من تحت الركام، رغم معرفتها بمكان استشهادهم، وذلك جراء غياب المعدات الثقيلة.
في صالة عرض لصور جثامين الشهداء داخل مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس جنوبي القطاع، جلس شقيق المفقود عبد الله توفيق، أبو نعيم، مع عشرات العائلات، فيما تولّى أحد طواقم الأدلة الجنائية عرض صور جثامين الدفعة الخامسة التي سلّمتها قوات الاحتلال الإسرائيلي إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار والقاضي بتسليم الجثامين المحتجزة لدى الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.
وصل معظم تلك الجثامين بملامح مشوّهة بفظاعة، ولا سيما الوجوه. كما تظهر الصور تحلّل الكثير من الجثث، خصوصاً بالأجزاء العلوية، ما يصعّب مهمة التعرف إلى الشهداء. وتبدو على العديد منها آثار التعذيب والكدمات وتقييد اليدين والشنق، ما يدلّ على تعرضهم لتعذيب قاسٍ وإعدام ميداني شنقاً أو رمياً بالرصاص، مع إخفاء الكثير من العلامات الدالة عليهم، مثل الأحذية.
تفقد أبو نعيم عشرات الصور على شاشة العرض من دون أن يتمكن من العثور على شقيقه، ويقول لـ"العربي الجديد": "رأيت مشاهد قاسية جداً، من جثث تعرضت لأبشع أنواع التعذيب إلى جثث عارية تماماً، وأخرى فقدت ملامحها بالكامل ولا يمكن التعرف إليها. كان شقيقي يرتدي بنطالاً زيتياً وحذاء رمادياً بسحاب من الجنب، لكنني لم أجد تلك العلامات بين كل صور الجثامين التي سلمتها قوات الاحتلال".
ومع وصول كل دفعة جديدة من الجثامين، ينتقل أبو نعيم من محافظة دير البلح إلى مدينة خانيونس، وهذه مشقة أخرى تعيشها عائلات المفقودين في رحلة البحث عن مصير أبنائها، نظراً لازدحام الطريق بالنازحين ما يؤخرهم لساعات طويلة ذهاباً وإياباً، ناهيك عن وسائل النقل غير المريحة، خصوصاً لكبار السن الذين يهرعون بحثاً عن فلذات الأكباد.
ونتيجة قسوة صور الجثامين، يرفض أبو نعيم اصطحاب طفلتَي شقيقه اللّتين تتوقان لرؤية والدهما وإلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليه، حتى ولو كان جثة. ويلفت إلى أن شقيقه فُقد في السابع من أكتوبر 2023 داخل السياج الفاصل شرق مخيم البريج وسط القطاع، وقد أفاد شهود عيان بتعرضه للإصابة، ما يجعله يفقد الأمل بأن يجده حياً.
بعد مشاهدة أكثر من مئتَي صورة لجثامين عُرضت في صالة أخرى، خرج والد الشهيد محمود هشام الغلبان يائساً مقهوراً، ويصف لـ"العربي الجديد" المشاهد بأنها "تُدمي القلوب"، ويقول: "من الصعب على الأهالي التعرف إلى أبنائهم بهذه الملامح المشوّهة، إلا من خلال نبضات القلب، حيث تستشعر أن هذا ابنك أو لا". ويضيف: "من مئات الصور التي شاهدتها، فقط أربعة شهداء كانت ملامحهم واضحة، أما بقية الصور فمن الصعب التعرف إلى أصحابها".
ويتّهم الغلبان قوات الاحتلال بـ"التفنّن" في تعذيب المفقودين وتغيير ملامح الشهداء، كاشفاً أن "بعض الجثامين معصوبة الأعين وتبدو عليها آثار الشنق، وأخرى مفصولة مع بقاء النصف السفلي فقط، وبالتالي يبحث الأهالي عن ملامح أبنائهم في حزام البنطال، ومن الصعب الجزم بذلك". ويؤكد أن أسماء الجثامين معروفة لدى الاحتلال، لكنه تعمد إخفاء الملامح، وهذه جريمة أخرى يرتكبها بهدف تعذيب العائلات في التعرف إلى أبنائها، آملاً في أن يتعرف إلى جثمان نجله المفقود منذ السابع من أكتوبر 2023.
ونتيجة تحلل الأجزاء العلوية، جادلت بعض العائلات بشأن جثامين أبنائها، ففي وقت حددت عائلة أبو عودة أحد الجثامين على أنه جثمان نجلها أحمد، جاءت في اليوم التالي عائلة أخرى وتعرفت إلى نفس الجثمان باعتباره نجلها، قبل أن يؤكد والد الشهيد للعائلة الأخرى أن الجثمان يعود لنجله، مستعيناً ببعض الأدلة، ما أدى لتراجع تلك العائلة عن موقفها.
ويقول أبو عودة لـ"العربي الجديد" بينما يجلس بالقرب من الجثمان قبل انطلاق الجنازة: "رغم أن الجزء العلوي من الجثمان متحلل، لكن كان هناك أكثر من علامة تعرفت من خلالها إلى نجلي، أولها أن لدى ابني سنّا مكسورة بالمقدمة، وقد بحثت في الجمجمة ووجدتها، كما أن أصابع قدمه من ناحية وراثية تشبه أصابع قدم جدته، وكذلك ملابسه الداخلية ذاتها، ولون بنطاله الذي خرج به من المنزل". ويتابع: "منذ عامين ونحن نعيش على أمل أن يكون حيّاً، لكن عندما تعرفنا إلى الجثمان، شعرنا بارتياح نفسي كوننا تمكنا أخيراً من الصلاة عليه ودفنه".
بدوره، يقول عضو لجنة إدارة الجثامين بوزارة الصحة الفلسطينية في غزة، سامح حمد، إن اللجنة الدولية للصليب الأحمر أبلغتهم بأن الاحتلال سيُفرج عن 450 جثماناً على دفعات. وبحسب بيان وزارة الصحة في 28 أكتوبر الجاري، جرى التعرف إلى 75 جثماناً من أصل 195. ويوضح حمد لـ"العربي الجديد" أن "الجثامين الـ15 التي جرى استلامها في 18 أكتوبر الجاري، تبين أنها تعرضت للتعذيب والتنكيل، بينها ستة جثامين لشهداء معصوبي الأعين ومقيّدي الأيدي ومشنوقين بعد تعرضهم للإعدام الميداني، وأن آثار التعذيب واضحة على الجسد".
وحول سرقة أعضاء الشهداء، يؤكد حمد وجود جرح طبي بمنتصف البطن، وهو جرح مقطب بخيط أسود، لكن يصعب على الطواقم الطبية فتحه ومعاينة البطن، نظراً لتجمد الجثامين، ولعدم الرغبة في تأخير عملية دفن الأهالي لشهدائهم. وفي ظل عدم امتلاك وزارة الصحة ثلاجات تحفظ الجثامين مدة طويلة، وانتفاء إمكانية إجراء فحص الحمض النووي، يشير حمد إلى أنهم نشروا رابطاً يتضمن صور الجثامين لمساعدة الأهالي بالتعرف إلى أبنائهم، كاشفاً أن قوات الاحتلال بترت كل أصابع الإبهام للشهداء التي تساعد في التعرف إلى هوية الشهيد، وتنصلت من تسليم اللجنة الدولية للصليب الأحمر جهازاً للفحص الفوري للحمض النووي، وكذلك بيانات بأسماء الشهداء.
ويؤكد حمد أن أسماء الجثامين الستة التي سلمتها قوات الاحتلال، تبين لاحقاً أنها خاطئة، وذلك بعد المطابقة مع الوثائق الشخصية المرفقة، وظهر أن اثنين منهم على قيد الحياة، وأن الحالات الباقية بعضها مسجل باعتبارها جثماناً لشاب بينما تبين أنها تعود لرجل مسنّ. ويلفت إلى أن الوزارة استأجرت حافلات بوظة من شركات خاصة للاحتفاظ بالجثامين، وجرى الاتفاق على إعطاء الأهالي مهلة خمسة أيام للتعرف إلى الجثامين عقب استلامها، وفي حال لم يتم التعرف إليها، تُدفن في مقبرة أرقام في محافظة دير البلح (محافظة الوسطى) مخصصة لمجهولي الهوية، بالاتفاق مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ووزارة الأوقاف والشؤون الدينية، مع الاحتفاظ بصور وأدلة قد تساعد الأهالي بالتعرف إلى شهدائهم في المستقبل.
وتُقدر أعداد المفقودين بنحو أكثر من 10 آلاف مفقود في قطاع غزة، حيث تعجز فرق الإنقاذ عن انتشالهم نتيجة منع الاحتلال إدخال المعدات الثقيلة، مع العلم أن معظم المفقودين لا يزالون تحت أنقاض المباني، حيث اختفى بعضهم أثناء تفقدهم لمنازلهم، وفُقد جزء آخر في السابع من أكتوبر 2023 بعد استشهادهم داخل السياج الفاصل.
وفي 3 ديسمبر/كانون الأول 2023، قصفت قوات الاحتلال منزلاً يعود لعائلة العرابيد بشارع اليرموك في مدينة غزة، وتهاوت الطبقات الأربع للمنزل. ومنذ عامين يعيش رائد العرابيد حسرة شديدة، فهو يقيم بجانب عشرة شهداء تحت الركام، بينهم والده وإخوته وأولاد إخوته، بينما يعجز عن انتشالهم. ويقول لـ"العربي الجديد": "استشهد 17 شخصاً، انتشلنا سبعة ممّن كانوا في الطبقات العلوية، وذلك بعد الحفر بأدوات بدائية، وبقي عشرة شهداء أسفل الركام، لكننا نحتاج إلى معدات ثقيلة لانتشالهم، وهذه نكبة أخرى نعيشها تُضاف إلى مآسينا الكثيرة".
منذ 11 أكتوبر 2023، يحاول محمد خضير استخراج جثامين أبنائه المفقودين أسفل منزل جدهم في بلدة بيت لاهيا شمالي القطاع، حيث رافقوا والدتهم حينها إلى منزل جدهم المؤلف من طبقتين، قبل أن يتعرض لقصف إسرائيلي من دون سابق إنذار. ويروي خضير لـ"العربي الجديد": "كانت الضربة عنيفة وأحدثت حفرة كبيرة، استطعتُ إخراج زوجتي وجزء من ابني سمير بينما بقي رأسه مدفوناً تحت الركام، وأخرجنا تسعة شهداء، وبقي سبعة بينهم طفلي سيف (4 أعوام) وطفلتي عبير (8 أعوام)". ويؤكد أن غياب المعدات اللازمة وحجم الدمار والركام يحولان دون تمكن طواقم الدفاع المدني من انتشال جثامين الشهداء، ويختم بالقول: "بقاء أحبائنا تحت الركام معاناة مريرة تحرق قلوبنا جميعاً".