مفقودون في مقابر ترهونة الليبية

23 فبراير 2021
الصورة
عملية دفن سابقة لمفقودين عُثر عليهم في مقبرة جماعية (فرانس برس)
+ الخط -

 

تعرّفت أسرة جاب الله من مدينة ترهونة الليبية، الواقعة إلى جنوب شرق العاصمة طرابلس، إلى أبنائها الأربعة من بين جثث انتُشلت من المقابر الجماعية في المدينة، وذلك بعد أشهر من فقدانهم على يد مليشيا الكانيات التي كانت تشارك في الحرب على طرابلس في العام الماضي.

وكانت وزارة العدل في ليبيا قد أعلنت في السابع من فبراير/ شباط الجاري عن بدء عرض صور أولية للجثث المنتشلة من المقابر الجماعية في ترهونة وجنوب طرابلس، بعد مطابقتها لعلامات التعرّف الثانوية، بهدف تسهيل بداية عملية التعرّف عليهم. وأوضحت الوزارة، في بيان، أنّ إجراء مطابقة علامات التعرّف الثانوية يستهدف عدداً من الجثث في حالة اشتباه أو حالة تعرّف مبدئي من خلال الصور التي تمّ عرضها ومطابقة البيانات الطبية والملابس والمقتنيات الأخرى.

وحول جثث مفقودي أسرة جاب الله الذين تمّ التعرّف إليهم، أوضحت الوزارة أنّهم أربعة إخوة؛ بدر وهو طبيب أسنان من مواليد 1990، وعبد الله من مواليد 1999، وأكرم من مواليد 1982، وفوزي من مواليد 1973. وقد دُفن هؤلاء، أوّل من أمس، بعد تسلّمهم من قبل العائلة، بحسب ما يقول خالد ابن عمّهم لـ"العربي الجديد". يضيف أنّه "على الرغم من قناعتنا بموتهم وبأنّ العثور عليهم في المقابر كان مسألة وقت، فإنّ الحدث أليم جداً". ويتابع: "لم نطّلع على ظروف العثور عليهم... هل كانوا في مقبرة واحدة؟ ولا كيف تمّت تصفيتهم". ويشير خالد إلى أنّ "بلاغ الجهات المسؤولة أكّد العثور على الإخوة الأربعة في مقبرة جماعية تضمّ 10 جثث، لم يتمّ التعرّف حتى الآن إلا على الإخوة فقط". ويوضح أنّ "أبناء عمومتي اختطفوا من قبل مليشيا الكانيات في ديسمبر/ كانون الأول من عام 2019 من أمام محلهم التجاري بمدينة ترهونة، على خلفية شبه تتعلق بمعارضتهم لتجنيد أبناء المدينة قسراً في الحرب الدائرة في طرابلس حينها". يُذكر أنّه في التاسع من يناير/ كانون الثاني الماضي، أعلنت الهيئة العامة للبحث والتعرّف على المفقودين التابعة لحكومة الوفاق في ليبيا، عن العثور على مقبرة جماعية في جنوب مدينة ترهونة. وأوضح بيان للهيئة حينها أنّ المقبرة عُثر عليها في مشروع الربط المحاذي لترهونة، مؤكداً أنّ فرقها ستنقل الجثث بعد انتشالها إلى مختبراتها لبدء مقارنة حمضها النووي وبدء إجراءات عرض متعلقات الجثث وملابسهم بهدف تسهيل التعرّف إلى أصحابها.

ومنذ اكتشاف عمليات الدفن الجماعي في مدينة ترهونة، مطلع يونيو/ حزيران من عام 2020، تتابعت إعلانات الهيئة حول عثورها على مقابر جماعية في المدينة التي كانت تخضع لسيطرة مليشيا الكانيات. وبحسب ما يوضح مصباح عاشور، وهو مسؤول في إحدى فرق البحث التابعة للهيئة، فإنّ 27 مقبرة جماعية اكتُشفت حتى الآن، مرجّحاً إمكانية العثور على مزيد منها في مساحات أخرى ما زال البحث جارياً فيها. ويؤكد عاشور لـ"العربي الجديد" أنّ "عدد الجثث التي تمّ العثور عليها قارب 120 جثة، في حين أنّ البلاغات حول مفقودين أشارت إلى نحو 330 مفقوداً". من جهته، ما زال إبراهيم الجديدي يبحث عن ابنه المفقود. يقول لـ"العربي الجديد" إنّه "لم يتمّ التعرّف إلى كل الجثث التي انتُشلت من المقابر الجماعية حتى الآن، ومن جهتي زرت معرض المتعلقات الخاصة بجثث المقابر ولم أعثر على ابني بعد". يضيف الجديدي "رأيت جثثاً متحللة ومتفحمة في ثلاجات الموتى ونحن ننتظر تقنية التعرّف بواسطة الحمض النووي"، مشيراً إلى أنّه زوّد اللجان بعيّنات من حمضه النووي تماماً كما فعل ذوو المفقودين الآخرين.

وتؤكد منظمات دولية عدّة فقدان مئات من سكان مدينة ترهونة على يد مسلحين، من بينها منظمة "هيومن رايتس ووتش" التي طالبت في بيان لها أصدرته في يناير/ كانون الثاني الماضي، المنظمات المعنية والأمم المتحدة بتوفير خبراء في الطبّ الشرعي وإجراء اختبارات الحمض النووي لمساعدة حكومة الوفاق في تحقيقاتها حول المقابر.

الجريمة والعقاب
التحديثات الحية

من جهتها، أوفدت المحكمة الجنائية الدولية بعثتَين إلى ليبيا، في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، موضحة أنّ بعثتَيها "تلقتا معلومات موثوقة تشير إلى احتمال ارتكاب قوات من ترهونة جرائم خطيرة بما فيها القتل والاختطاف والإخفاء القسري"، ودعت السلطات الليبية إلى اتخاذ خطوات لحماية وتأمين مواقع المقابر الجماعية في المدينة. وفي الشهر نفسه، أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عن إدراج اسم محمد الكاني آمر مليشيات الكانيات على قوائم العقوبات الأميركية لـ"قتله مدنيين اكتشفوا أخيراً في مقابر جماعية عديدة في ترهونة، فضلاً عن التعذيب والإخفاء القسري وتهجير المدنيين". لكنّ الجديدي يرى أنّ من شأن ذلك "تسييس قضية إنسانية"، مؤكداً أنه ليس معنياً بكل هذا، "ابني مفقود منذ سبتمبر/ أيلول من عام 2019 وهو في إحدى المقابر بكل تأكيد، وما يعنيني هو فقط توفّر التقنيات الحديثة للمساعدة على التعرّف إلى هويته ودفنه في قبر لوحده بشكل يليق بالإنسان".

دلالات

المساهمون