معلّمون إيرانيون على فراش الموت

03 ديسمبر 2020
الصورة
تُواصل التدريس عبر هاتفها النقال (عن تويتر)
+ الخط -

كما كان الممرّضون والأطباء في الصفوف الأمامية لمكافحة تفشّي فيروس كورونا في إيران، برز دور بعض المعلمين الذين أصرّوا على الاستمرار في عملهم من داخل المستشفى، حيث كانوا يرقدون بسبب إصابتهم بكورونا. وتشهد البلاد منذ أكثر من شهرين، موجة ثالثة لتفشي كورونا هي الأقسى والأشد من الموجتين السابقتين، وتسجّل يومياً أكثر من 400 وفاة و14 ألف إصابة.  
أبرز القصص الإنسانية التي سجّلها القطاع التربوي هي لمعلّمة إيرانية تدعى مريم أربابي، كانت ترقد على الفراش في المستشفى بسبب الإصابة بفيروس كورونا، وهي تُواصل التدريس عبر هاتفها النقال من خلال برنامج "شاد" (شبكة تعليمية للتلاميذ)، التي خصصتها وزارة التعليم والتربية الإيرانية للتعليم عن بعد. 
وأظهرت الصورة حجم التضحية الكبيرة التي قدمتها أربابي المقيمة في مدينة غرمه في محافظة خراسان الشمالية، شرقي إيران، كونها واظبت على التعليم رغم وضعها الصحي الحرج، ما اضطرها إلى التنفس من خلال جهاز اصطناعي.  
وعمّت إيران أجواء من الحزن بعد انتشار نبأ وفاة أربابي يوم 12 نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي. ووصفت وكالات الأنباء وناشطون على وسائل التواصل الاجتماعي، الصورة التي تظهرها في المستشفى وهي تعلّم تلميذاتها، بـ"الصورة الأجمل التي تختصر معاني الإنسانية، فقد قدمت حياتها من أجل التعليم، وقد زاولت المهنة 22 عاماً".

وتداول كثيرون الصورة على مواقع التواصل الاجتماعي في إيران. وكتبت الناشطة والإعلامية نسرين حسني، وهي من محافظة خراسان الشمالية، ناعية المعلمة الراحلة عبر "تويتر": "عزيزتي مريم، تلك المعلمة المضحية صاحبة الضمير الإنساني النبيل، قد رحلت من بيننا. لن يسد أحد مكانها. لا يسد أي إنسان مكان إنسان آخر. هي لم تبق بيننا، والمصيبة هي في فقدان أحبتنا وأعزتنا. ليتنا نعلم قيمة من نفقدهم".  


كما نعى المعلّم الإيراني علي قلي زادة، من مدينة بجنورد مركز محافظة خراسان الشمالية، مريم، قائلاً في تغريدة على "تويتر"، إنّ "أجمل صورة في زمن كورونا والتي رافقها حزن كبير، هي تلك الصورة التي تظهر صعود روح المعلمة المضحية مريم أربابي إلى السماء من على فراش المستشفى".  
ومثل مريم، كانت المعلمة الكردية شيدا أميني، التي فارقت الحياة يوم الثاني من نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، بعد 18 عاماً من التدريس في مدارس مدينة مهاباد، غربي إيران. وعمّ حزن عميق على مواقع التواصل الإيرانية إثر انتشار رسالة صوتية لها، ودّعت فيها تلميذاتها من المستشفى قبل ساعات من وفاتها، وبعد دروس ألقتها لهن عبر تطبيق "شاد". وفي الرسالة الصوتية التي انتشرت على مواقع التواصل، سلمت أميني على تلميذاتها فرداً فرداً بصوت خافت، وكانت تتنفس بصعوبة. شكرتهن على اهتمامهن بصحتها وإرسالهن رسائل إليها عبر الهاتف للسؤال عن وضعها الصحي وهي ترقد في المستشفى. وكانت قد أوصت تلميذاتها بالمواظبة على التعلم والاهتمام بالدروس والمثابرة في حياتهن العلمية.  

حسين أسدي، وهو معلّم إيراني آخر، كانت له مساهمة إنسانية أخرى في ظل تفشي الوباء والأزمة الاقتصادية التي حرمت الكثير من الأسر الإيرانية من توفير أجهزة تابلت أو هواتف ذكية لأولادها لمواصلة التعلّم عبرها عن بعد. ولحسن الحظ، فإن المحسنين لم ينسوا هذه الأسر، وحاولوا قدر المستطاع توفير هذه الأجهزة للفقراء. وكان المعلم أسدي أحد هؤلاء، وقد استعان بما ورثه عن والده؟  

وقال أسدي خلال اتصال هاتفي تلقاه من وزير التعليم والتربية الإيراني، محسن حاجي ميرزائي: "ورثت من والدي ملياراً و245 مليون تومان (52 ألف دولار)، وكنت قد خططت لشراء سيارة. لكن خلال حديث مع مديرة إحدى المدارس، علمتُ أن إحدى التلميذات أصيبت باكتئاب". أضاف، وهو من محافظة خوزستان، جنوب شرقي إيران، وقد حصل على لقب المعلم المثالي قبل سنوات، أنه "خلال محادثتي الهاتفية مع التلميذة، علمت أن سبب اكتئابها وتراجعها في الدراسة هو عدم امتلاكها جهازاً ذكياً. لذلك، دعوتها إلى المدرسة وأهديتها جهاز تابلت".  

تابع أسدي، بحسب ما أوردت وكالة "إرنا" الإيرانية: "بعد حصولها على الجهاز، عبّرت عن شعورها العميق بالسعادة. لذلك، نسيت السيارة التي كنت أريد أن أشتريها. وقررت حينها أن أشتري بكل المال الذي ورثته عن أبي أجهزة تابلت للتلاميذ الفقراء". وقال إنه تمكن، من خلال هذا المال، من شراء 353 جهاز تابلت للتلاميذ في المناطق المحرومة، لمنعهم من ترك المدرسة. 
ما فعله أسدي حمّس آخرين. وقال إنه تعرّف برجل ميسور تأثر بما فعله، فقرر أن يبيع عمارة كان يمتلكها لبناء مدرسة في المناطق المحرومة. وشكره الوزير الإيراني على عمله الإنساني، قائلاً: "إنني أعتز وأفخر بوجود معلمين من أمثالك، الذين أدركوا حقاً معنى مهنة التدريس".  

المساهمون