معبر رفح... شهادات من إذلال الاحتلال العائدين إلى غزة
استمع إلى الملخص
- رغم إعادة فتح معبر رفح، إلا أن عدد العائدين والمغادرين ظل محدودًا بسبب الإجراءات الصارمة والتفتيش الدقيق من قبل البعثة الأوروبية والسلطة الفلسطينية، بالإضافة إلى التحقيقات الإسرائيلية.
- يظهر العائدون صمودًا كبيرًا رغم الانتهاكات، حيث يعتبرون المعاناة جزءًا من ثمن العودة، بينما يصف حقوقيون هذه الإجراءات بأنها انتهاكات تهدف إلى عرقلة عودة الفلسطينيين.
يتمسك الفلسطينيون الذين يحاولون العودة إلى غزة بأهمية تجاوز كل الصعوبات والعراقيل على معبر رفح من أجل الوصول إلى الوطن ولقاء الأحبة، رغم ما يتعرضون له من تحقيقات وترهيب وتهديد ومصادرة لحاجياتهم.
تكشف شهادات العائدين إلى قطاع غزة عبر معبر رفح ممارسة جيش الاحتلال الإسرائيلي نمط إذلال جماعي مهين وممنهج
عند نقطة تفتيش تشهد ساعات انتظار طويلة، وتحقيقات قاسية، وضغوط نفسية، وتقييد الأيدي، وعصب العيون، والتهديد بالاعتقال أو التهجير، فضلاً عن الصراخ والمعاملة القاسية، وأحياناً رفض إدخال أشخاص أو حافلات كاملة.
بعد رحلة شاقة قد تمتد نحو 24 ساعة وأكثر منذ لحظة انطلاقهم من مستشفيات مصرية إلى غزة، يصل عائدون في حالات إنسانية صعبة ومنهكين جسدياً ونفسياً، ويُغمى على بعضهم وتظهر على آخرين علامات الصدمة والإرهاق الشديد. يتحدث عائدون لـ"العربي الجديد" عن أن رحلة العودة تبدأ بإبلاغ مسبق، بعد إخضاع الأسماء لفحص أمني، والحصول على موافقة إسرائيلية للدخول إلى غزة. وينطلق العائدون فجراً في حافلات باتجاه الصالة المصرية في معبر رفح حيث يخضعون لتفتيش روتيني، وتُعطى لهم تعليمات صارمة حول ما يُسمح بإدخاله وما يُمنع.
وبعد ساعات من الانتظار يُنقل العائدون إلى ممر جديد محاط بأسلاك شائكة في الجانب الفلسطيني، حيث تعمل طواقم من بعثة أوروبية وأخرى تابعة للسلطة الفلسطينية على ختم الجوازات. ومع حلول المساء، تبدأ المرحلة الأصعب، إذ يُفتش عناصر من مجموعات مسلحة العائدين قبل نقلهم إلى نقطة تفتيش أخرى تابعة لجيش الاحتلال الذي يحقق معهم بين ساعة وثلاث ساعات بهدف جمع المعلومات.
في 1 فبراير/ شباط الجاري بدأ تشغيل معبر رفح بعد نحو عام ونصف من إغلاقه، وفي 2 فبراير كان يفترض أن يعبر إلى القطاع 50 فلسطينياً، وإلى مصر 50 مريضاً مع مرافقَيْن اثنين لكل منهم، لكن سُمح بدخول 12 فلسطينياً ومغادرة 8 أشخاص فقط. وفي اليوم التالي عاد 40 فلسطينياً خضعوا لإجراءات تفتيش صعبة، وفي الرابع من يناير وصل 25 فلسطينياً، وسمح الاحتلال بمغادرة 20 مريضاً ومرافقاً، وأعاد إلى القطاع 26 مريضاً ومرافقاً في ثالث أيام عمل المعبر.
في ساعة متأخرة من ليل الثاني من فبراير الجاري وصلت المريضة هدى أبو عابد (56 عاماً) إلى قطاع غزة برفقة ابنتها ضمن الدفعة الأولى للعائدين التي ضمت 12 شخصاً معظمهم أطفال. وكانت رحلتها انطلقت فجر اليوم ذاته. وبعد انتهاء الإجراءات في الصالة المصرية عند الساعة التاسعة صباحاً ظلت تنتظر فتح البوابة من الجانب الفلسطيني الذي تسيطر عليه البعثة الأوروبية، وهو ما حصل عند الخامسة مساءً.
تقول هدى لـ"العربي الجديد": "تحكمت البعثة بكل شيء. أخذ أفرادها مني ومن ابنتي عطوراً وكريمات وهدايا وألعاباً وهواتف أحضرناها لأقربائنا، وأيضاً أدويتي الخاصة بعلاج مرض القلب والغضروف وقطرات العين، والآن تؤلمني عيني ولا أجد الدواء، وعدت مكسورة بحقيبة واحدة تخلو من هدايا".
وبعد الانتهاء من التفتيش صعدت هدى مع عائدين آخرين في حافلة اعتقدت بأنها ستتجه نحو مدينة خانيونس، لكنها توقفت عند نقطة جيش الاحتلال التي رجحت أنها قرب منطقة ميراج في رفح. وتقول: "فتشنا عناصر مليشيات بطريقة فجة، وأخذوا ما استطعنا إدخاله من البعثة الأوروبية، ثم فتشتني مجندة قبل أن أدخل مع ابنتي إلى غرفة التحقيق الذي استمر ثلاث ساعات، وشهد تقييد يدي وعصب عيني. وفي الغرفة طرح محقق عليّ أسئلة شخصية عن سبب وجودي في مصر وسبب عودتي إلى غزة رغم الدمار الكبير فيها، وقال لي إنه يجب أن أبقى في مصر وألا أعود، ثم سألني إذا كنت أعرف مقاومين، فأخبرته أنني مريضة ولا أعرف أحداً، فصرخ علي وكرر نفس الأسئلة عن حماس والمقاومة فأخبرته أنني لا أعرف، ثم هدد ابنتي بالاعتقال وسألها أيضاً إذا كانت تعرف مقاومين من العائلة، ولم يسمح لها بإحضار ألعاب أطفالها".
ورغم حالتها الصحية الصعبة كونها مريضة قلب وتستخدم ست دعامات لتقوية عضلة القلب الضعيفة، وزرعها عدسة في إحدى عينيها ورؤيتها بنسبة 70% في العين الثانية، تعرضت هدى لتحقيق قاسٍ وبقيت معصوبة العينين من دون أي مراعاة لوضعها الصحي. وتصف بقهر ما جرى بأنه قتل لفرحتها بالعودة، قبل أن تشاهد الدمار الكبير في الطريق من المعبر إلى خانيونس، والتي كانت أشبه بصحراء رملية ومدينة أشباح، ما ترك غصة كبيرة لديها.
كذلك تروي رنا اللوح (43 عاماً) تفاصيل رحلتها التي بدأت فجر الثالث من يناير بعدما غادرت غزة قبل نحو عامين لمرافقة شقيقتها المصابة من أجل العلاج في مصر، وتقول لـ"العربي الجديد": "بعد انتهاء الإجراءات في الصالة المصرية فوجئت عند الساعة السابعة مساءً بمطالبتي بالعودة إلى مدينة العريش كي أنتظر فتح المعبر من الجانب الفلسطيني حيث توجد بعثة أوروبية وطواقم من السفارة الفلسطينية، ثم نقِلت فجر اليوم التالي مجدداً إلى المعبر، ووصلت إلى مستشفى ناصر في خانيونس عند الساعة الثالثة من فجر الخامس من يناير، وكنت منهكة بشدة". تتابع: "ضمّت مجموعة العائدين 18 شخصاً معظمهم نساء وأطفال ورجل كبار بالسن توزعوا على حافلتين. كانت الرحلة متعبة جداً لأنها استغرقت يومين لم ننم خلالهما وتوجهنا إلى المعبر ثم عدنا مرة أخرى إلى العريش ومررنا بنفس إجراءات تفتيش الحقائب في كل نقطة، وأجبرنا على تخفيف محتوياتها".
وتوضح أنه بعدما تجاوزت حاجز البعثة الأوروبية وقفت أمام جهاز يتعرف عليها "وأبلغت بأنني أستطيع أن أنقل مبلغ 600 دولار أو ألفي شيكل فقط لغزة، واستمر تفتيش عناصر البعثة الأوروبية والفلسطينية الحقائب أربع ساعات، ثم توجهت بحافلة سارت ببطء شديد وصولاً إلى نقطة تفتيش أخرى حيث كانت الأجواء باردة، وقيد عناصر يديّ وعصبوا عيني وتركوني ساعات حتى العاشرة لدخول التحقيق الذي شمل أسئلة شخصية وعن المقاومة التي نفيت علاقتي بها". تضيف: "كان المحقق يصرخ بي ويقول لا يُعقل أنك لا تعرفين مقاومين. لماذا لم تبقَ في مصر وتستدعي زوجك وأولادك؟ فأخبرته أنني أريد العودة، ثم هددني بأن الجميع في غزة سيهاجرون، وأن الحرب لم تنتهِ".
وتروي أنه عندما انتهت الأسئلة كانت في حالة تعب شديدة، حتى إنها تعرضت لإغماء، كما تعرضت أختها المصابة التي خضعت للتحقيق نفسه للإغماء، ونقِلت كلتاهما بسيارة إسعاف إلى مركز صحي".
ورغم كل ما يتعرض له العائدون من إجراءات تمس بالكرامة الإنسانية، لكنهم يظهرون صموداً وصبراً كبيرين بهدف تحقيق هدف الوصول إلى غزة. هذا ما عاشته رنا التي تقول بفرح: "عندما وصلت إلى غزة والتقيت بأولادي وزوجي بعد عامين من الغياب كنت سعيدة رغم أنني مكثت في خيمة داخل مركز إيواء".
ولم يختلف حال عصمت صافي (48 عاماً) التي وصلت إلى غزة عند الساعة الواحدة والنصف من فجر الجمعة مع مجموعة ضمت 21 مسافراً، إذ انطلقت الرحلة إلى الصالة المصرية بمعبر رفح فجر الخامس من يناير، وحملت حقيبة واحدة لتجنّب الإجراءات، ورافقتها ابنتها المصابة اعتدال ريان، ثم دخلت في المساء نقطة التفتيش التي أنشأها الجيش الإسرائيلي.
تقول لـ"العربي الجديد": "كنت خائفة كثيراً واستمر التحقيق معي ثلاث ساعات، ولم أستطيع المشي والتنقل لأنني أعاني من ارتفاع ضغط الدم والقلب. تركوني مع ابنتي وأحفادي في ساحة كبيرة تحيط بها كاميرات وأسلاك شائكة، ثم نادوني وسألوني عن اسمي وعن أحفادي ومكان سكني، وسمعت سيدة أخرى تبكي في غرفة تحقيق مجاورة فزاد خوفي، وكان معنا رجل كبير في السن قيدوا يديه وأغمضوا عينيه وتعرض لتحقيق صعب، ثم لم يجدوا فائدة مني فتركوني بعد ساعة".
وكانت عصمت غادرت غزة مع ابنتها المصابة برصاصتين في قدميها كادتا أن تتسببا في بترهما، إلى مصر في 13 مارس/ آذار 2024. وبعدما تعالجت ابنتها اصطحبت أطفالها محمد وعز الدين وحنان. وخلال وجودها في مصر تلقت عصمت خبر استشهاد زوجها في 22 أغسطس/ آب 2024، ثم نجلها جمال في 27 يوليو/ تموز 2025، وأيضاً نجلها محمود الذي لم تعلم أنه مفقود، كما لم تعرف بأنّ منزلها دُمّر حتى وصلت إلى غزة لتعيش عند أحد أبنائها.
وبخلاف الرسائل التي يحاول إيصالها الاحتلال لباقي الموجودين بمصر ودول أخرى لمنعهم من العودة، تؤكد أرزاق محمد أن إجراءات التفتيش والإهانة لن تخيف العائدين رغم أنّها تُستخدم ضد مرضى ونساء وأطفال، وأنّ هؤلاء العائدين مجبرون على تحملها مقابل احتضان الأرض وتحقيق اللقاء المنتظر مع الأهل". وتقول لـ"العربي الجديد": "نحن في الغربة مثل سجناء ينتظرون الحرية، وشخصياً أوجد في مصر منذ عام بعدما خرجت للعلاج، وحالياً إجراءات العودة غير واضحة، ولم أتبلغ موعد العودة".
بدوره، يصف مدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان راجي الصوراني الانتهاكات الإسرائيلية بأنها "مخزية ومهينة وتحط من الكرامة الإنسانية، ويقول لـ"العربي الجديد": "نتحدث عن مرضى مهددين بالموت يريدون أن يخرجوا لتلقي العلاج ويجرى التعامل معهم بطريقة مهينة. كما يُهان من يريدون العودة ويذلهم الاحتلال بعدما مارس جرائم حرب ضد الإنسانية وتطهير عرقي. هذه الانتهاكات تؤكد أن الاحتلال لا يريد أن يعود أي شخص إلى غزة، وما يجرى يؤسس لتطهير عرقي من خلال إجراءات تفوق الخيال، والحديث عن عدد بسيط من العائدين أو المغادرين لا يتجاوز خمسين يهدف إلى الإذلال".
ويعتبر نائب مفوض عام الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان ومدير شبكة المنظمات الأهلية أمجد الشوا، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أنّ "فرض الاحتلال نقطة تفتيش جديدة بعد معبر رفح يستخدم فيها كل الوسائل المهينة والمذلة ينتهك القانون الدولي ويعرقل عودة الفلسطينيين في مقابل تسهيل خروجهم من غزة لخدمة مشروع التهجير ويستخدم بنقطة التفتيش كل الوسائل المهينة والمذلة". يتابع: "نتحدث عن فترة انتظار طويلة لإعاقة عودة الفلسطينيين وعملية توقيف ومصادرة احتياجات الناس والتضييق عليهم بهدف توجيه رسالة لمن يرغبون في العودة بأنهم سيتعرضون لكثير من القيود والمضايقات، وهذا أمر مرفوض في كل المبادئ الإنسانية التي توجب تسهيل عودة المواطنين وضمان كرامتهم وسلامتهم".
ويذكر أنه "جرت مطالبة كل الجهات بالعمل لوقف الانتهاكات الإسرائيلية على المعبر، بخاصة أنّ المواطنين حصلوا على موافقات أمنية إسرائيلية مسبقة بالعودة".