معاناة البحث عن المياه تتفاقم في غزة

22 أكتوبر 2025   |  آخر تحديث: 16:16 (توقيت القدس)
المياه في الحدّ الأدنى بغزة، 4 أكتوبر 2025 (حسن الجدي/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تعاني مدينة غزة من أزمة مياه حادة بسبب تدمير البنية التحتية خلال العدوان الإسرائيلي، مما أجبر السكان على الاعتماد على مصادر بديلة غير كافية ومرتفعة التكلفة، مع تفاقم الوضع بسبب انقطاع الكهرباء وشح الوقود.

- تتجلى الأزمة في مشاهد يومية لأشخاص يبحثون عن مياه نظيفة، حيث تعاني الأسر من صعوبة في إنجاز المهام اليومية بسبب نقص المياه وتلوث الحوض الجوفي وزيادة ملوحته.

- تحولت أزمة المياه في غزة إلى مأساة إنسانية تتقاطع مع أزمات الفقر والبطالة والحصار، مما يتطلب تحركاً عاجلاً دولياً لضمان حق السكان في المياه.

تعتبر أزمة المياه من بين الأكثر إلحاحاً وعمقاً في مدينة غزة التي تعرضت لدمار غير مسبوق خلال العدوان الإسرائيلي. ويعاني السكان أزمة عطش خانقة بعد عودتهم من النزوح إلى مناطقهم السكنية المدمّرة حيث تنعدم البنى التحتية في شكل شبه تام، ما يَضطرهم إلى اللجوء إلى مصادر بديلة، مثل صهاريج أو محطات قليلة للتحلية توجد داخل الأحياء، والتي لا تلبي سوى الحدّ الأدنى من الاحتياجات، وبتكلفة لا يستطيع معظمهم تحمّلها.

في الأحياء المكتظة تتكرر مشاهد حمل أشخاص عبوات بلاستيكية والسير بها مسافات طويلة على الأقدام، غالباً تحت الشمس الحارقة أو في أوقات متأخرة من الليل، بحثاً عن محطة توفر القليل من الماء النظيف. وترسل عائلات كثيرة الأطفال أو النساء لملء المياه في رحلة يومية شاقة تُثقل كاهل الأسر وتكشف حجم القهر المعيشي الذي يعيشه السكان.
تقول مها السيلقي (42 عاماً) التي فقدت بيتها في منطقة السنافور شمالي حي الشجاعية شرقي مدينة غزة، لـ"العربي الجديد": "أعاني يومياً أزمة المياه التي باتت الشغل الشاغل لأسرتي التي تقطن في خيمة وسط المدينة، إذ أضطر إلى نقل المياه من مناطق بعيدة، أو ملاحقة صهاريج تنقل المياه. وفي كثير من الأحيان أشتري المياه بأسعار مرتفعة من محطات التحلية في حال توافرت باعتبار أن أزمة انقطاع التيار الكهربائي توقف العديد من هذه المحطات. أيضاً يندر بيع المياه في عربات التوزيع، لذا بتنا نعتمد على شاحنات التوزيع أو نحاول الوصول إلى خطوط بعيدة عن خيمتنا".
تتابع: "ليست الطريق قريبة، وهي غير معبدة، لذا يُضطر أبنائي إلى جرّ المياه بعربة يدوية بعد الوقوف في طابور طويل. وتتكرر هذه المهمة الصعبة والشاقة يومياً، وتستنزف الوقت والجهد في ظل تفاقم الأزمات حتى مع بدء تطبيق وقف إطلاق النار".
وتترافق أزمة المياه مع انقطاع تام في الكهرباء، ما يمنع تشغيل المضخات المنزلية، ويجعل تخزين المياه تحدياً إضافياً. كما تعاني محطات التحلية الصغيرة شحّ الوقود وارتفاع تكاليف الصيانة، ما يقلل قدرتها على خدمة الأعداد المتزايدة من المحتاجين.
وتجد سمر جهير صعوبة كبيرة في إنجاز المهمات اليومية المطلوبة من غسيل وشطف وجلي الأواني وغسل الأطفال بسبب أزمة المياه التي تفاقمت إلى مستويات أكثر تعقيداً بعد الاجتياح الأخير لمدينة غزة. وتقول لـ"العربي الجديد": "بدأت أزمة المياه منذ اليوم الأول للعدوان، وتفاقمت مع مرور الأيام، لكن الإخلاء الأخير لمدينة غزة ضاعفها في شكل كبير بعدما تعمّد الاحتلال تدمير البيوت وشبكات المياه، وما تبقى من البنى التحتية المتهالكة أصلاً". تتابع جهير، وهي مدرّسة: "ليست المشكلة في غزة نقص المياه فقط، بل أيضاً انهيار نظام المياه بالكامل بعد تدمير المقومات الأساسية للعمل والتوزيع، وتلويث الحوض الجوفي، وزيادة نسبة ملوحته بسبب التسربات والصرف الصحي، وأيضاً اعتماد البحر كملاذ أخير لتصريف المياه العادمة".
وتذكر أن "تأثيرات أزمة المياه كارثية على الإنسان والبيئة، والوضع مرعب في غزة، فالأطفال يفتقدون النظافة بسبب النقص الشديد، ومياه الشرب غير صالحة، ما يزيد الأمراض الجلدية والهضمية".

تعبئة المياه مهمات يومية للأطفال، 4 أكتوبر 2025 (حسن جدي/ الأناضول)
تعبئة المياه مهمات يومية للأطفال، 4 أكتوبر 2025 (حسن الجدي/ الأناضول)

ولم تعد أزمة المياه في غزة تحت هذا الضغط المستمر مجرد قضية خدماتية، بل مأساة إنسانية بكل معنى الكلمة تتقاطع مع أزمات أخرى مثل الفقر والبطالة والحصار وانعدام الأفق السياسي، وتشكل حالة من الاستنزاف اليومي الذي ينهك حياة الناس، ويصادر أبسط حقوقهم.
ويوضح النازح سعدي عليان (15 عاماً)، وهو طالب، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن أسرته تعتمد عليه بشكل أساسي في تعبئة المياه من خرطوم مياه يبعد عشرات الأمتار عن مخيم النزوح، وأنه يُضطر إلى صف غالونات في انتظار وصول المياه كل يومين أو ثلاثة أيام.
ويلفت إلى أن "توفير المياه يعتبر أزمة يومية شاقة، تبدأ مع بداية النهار حين أضطر إلى نقل غالونات وصفها، ثم انتظار قدوم المياه. وفي حال إنجاز مهمة تعبئة الغالونات أجد صعوبة إضافية في نقلها بسبب وعورة الطريق الرملية".

قضايا وناس
التحديثات الحية

ولا يمكن اعتبار واقع المياه في غزة أزمة طارئة، بل نتيجة تراكمات عمرها سنوات تفاقمت في شكل مأساوي جداً مع طول أمد الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، والانغلاق. وتفتقد هذه الأزمة الحلولَ الجذرية، ما يستوجب تحركاً عاجلاً يتجاوز الإطار المحلي إلى الدولي لأن الماء حق إنساني لا يجوز المسّ به تحت أي ظرف.

المساهمون