مطالبات بتطهير مواقع التفجيرات النووية في صحراء الجزائر بسبب مخاطر بيئية

03 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 19:21 (توقيت القدس)
قياس الإشعاع بموقع تفجيرات نووية، الجزائر، 25 فبراير 2010 (فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- سلط الخبراء في الجزائر الضوء على المخاطر البيئية والصحية للتفجيرات النووية الفرنسية في الصحراء منذ 1958، مطالبين بتطهير المواقع وتعويض الضحايا وفتح الأرشيف.
- دعت الجزائر فرنسا للاعتراف بمسؤوليتها التاريخية عن الأضرار، وطالبت وزيرة البيئة بإدراج هذا المطلب في التشريعات البيئية لتحقيق العدالة وإزالة النفايات الإشعاعية.
- رغم الاتفاق على لجنة مشتركة لمناقشة الملفات التاريخية، تعطل عملها بسبب الأزمة السياسية، مع استمرار الدعوات لاستئنافها ومعالجة التلوث وتعويض الضحايا.

سلّط خبراء ومختصون في الجزائر الضوء على المخاطر البيئية الناجمة عن مخلّفات التفجيرات النووية التي نفّذتها فرنسا في الصحراء الجزائرية منذ عام 1958، مؤكدين تأثيراتها على البيئة وصحة الإنسان على حد سواء، فيما تجددت المطالبات بضرورة تحمّل فرنسا مسؤوليتها التاريخية في تطهير مواقع التجارب النووية.

وقال رئيس الأكاديمية الجزائرية للعلوم والتكنولوجيات (هيئة استشارية تتبع الرئاسة) محمد هشام قارة، خلال ندوة بعنوان "التحدّيات الراهنة في تطهير مواقع التجارب النووية الفرنسية بالجزائر" نظمت اليوم الأربعاء، إنه يتعين "معالجة ملف التفجيرات النووية الفرنسية بالجزائر، بالنظر لما خلفته من أضرار جسيمة على الإنسان والبيئة والحيوان، ما زالت تداعياتها تمتد إلى يومنا هذا"، مضيفاً أن "هناك ضرورة لتطهير المواقع، خاصة من المخلفات المدفونة في باطن الأرض، مع تعويض الضحايا وفتح الأرشيف المتعلق بهذا الملف، وهذه المسألة تتطلب تعاون مختلف الجهات، لا سيما في الجانب العلمي الذي من شأنه الكشف بدقة عن مواقع التفجيرات ومقابر النفايات المشعة المدفونة في الصحراء، وبالتالي الإسهام في تنظيف المواقع".

وقال منسق اللجنة الجزائرية للتاريخ والذاكرة (هيئة رسمية تضم عشرة مؤرخين من الجزائر وفرنسا) محمد لحسن زغيدي، إنه يتعين على السلطات الفرنسية ضرورة الكشف عن الخرائط والمعلومات الدقيقة عن مواقع النفايات المشعة مع الاعتراف بالمسؤولية الكاملة عن الجرائم التي ارتكبتها في حق الإنسان والبيئة، مشيراً إلى أن هذه إحدى أبرز المطالبات الجزائرية القائمة تجاه فرنسا، وأبرز الملفات التي تجري مناقشتها بين البلدين في ملف الذاكرة.

وكانت وزيرة البيئة وجودة الحياة، نجيبة جيلالي، قد قالت خلال جلسة في البرلمان الجزائري، إنه سيتم إدراج مطلب الجزائر المتعلق بتحميل فرنسا مسؤولياتها في إزالة المخلفات الكارثية للتفجيرات النووية بالجنوب إبان الفترة الاستعمارية بشكل واضح وصريح ضمن التشريعات البيئية الوطنية لتعزيز حقوق الأجيال الحالية والقادمة، في سياق تحقيق "العدالة التاريخية والبيئية".

وشدّدت على أن "المتسبب في هذه الكارثة البيئية التي خلفتها التفجيرات النووية التي تعد انتهاكاً آخر في حق بلادنا وشعبنا لا بد أن يتحمل مسؤولياته التاريخية والأخلاقية والقانونية كاملة في إزالة هذه النفايات الإشعاعية والاعتراف بالضرر الكبير الذي ألحقته ببلادنا وسكان مناطق أدرار ورقان وإين إكر وغيرها".

ضرورة التطهير

واستعرض الباحث المختص في الفيزياء النووية والذرية علي مفتاح، خلال مداخلة له، السياق التاريخي والسياسي الذي تمت فيه تلك التفجيرات التي قامت بها فرنسا في الجزائر، وكذا الطرق العلمية الواجب اعتمادها لتنظيف مواقع التفجيرات وضمان تأمينها بشكل مستدام، مشيراً إلى أنه يمكن الاستفادة في الوقت الحالي من التطور التكنولوجي المساعد على مهمة في تطهير مواقع التفجيرات والتقليل من الآثار والمخلفات الخطيرة لها باتباع خطوات علمية، على غرار تحديد مواقع النفايات المشعة وقياس مستويات التلوث وإجراء الدراسات الوبائية لتحديد الآثار الصحية المترتبة عنها، مشدداً على أن مواقع التفجيرات النووية في الصحراء الجزائرية تظل من الملفات البيئية والصحية التي تستدعي نقاشاً علمياً معمقاً بمشاركة مختلف الأطراف المعنية".

وفي أغسطس/آب 2022، اتفقت الجزائر وباريس بمناسبة زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى الجزائر، على إنشاء لجنة مشتركة للذاكرة والتاريخ مكلفة بالتفاوض حول الملفات والقضايا التاريخية العالقة، بما فيها ملف التفجيرات النووية، وعقدت اللجنة خمس اجتماعات متوالية، لكن عمل اللجنة والمفاوضات تعطلت بين البلدين، بسبب الأزمة السياسية المتصاعدة بين البلدين منذ يوليو/تموز 2024.

وفي السياق طالب المؤرخ بنجامين ستورا، وهو منسق اللجنة من الجانب الفرنسي، باستئناف عمل لجنة الذاكرة، ونشر مقالاً في صحيفة "لاكروا" الفرنسية، الأربعاء، دعا فيه إلى استئناف عمل اللجنة ومسارها عن تأثيرات الأزمة بين البلدين، "لكونها ليست ترفاً سياسياً، بل ضرورة تفرضها التحولات الاجتماعية والسياسية في البلدين".

 وأجرت فرنسا سلسلة من التجارب النووية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966، والتي شملت 17 تجربة نووية، إضافة إلى 40 تجربة تكميلية، خلّفت إرثاً ثقيلاً من التلوث الإشعاعي واسع النطاق، وما ترتب عليه من أضرار صحية، وبيئية، واجتماعية لا تزال آثارها قائمة حتى اليوم، حيث سجلت المناطق المتضررة ارتفاعاً مقلقاً في معدلات الإصابة بالسرطان، والأمراض التنفسية المزمنة، والتشوهات الخَلقية، إلى جانب التدهور المستمر للموارد الطبيعية، وتعطيل سبل العيش، وإضعاف النسيج الاجتماعي والاقتصادي للمجتمعات المحلية.

وكان الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون قد أكد في حوار تلفزيوني سابق، أنّ "ملف تطهير مواقع التجارب النووية أمر واجب وضروري من الناحية الإنسانية، والأخلاقية، والسياسية، والعسكرية. لقد كان بإمكاننا القيام بذلك مع الأميركيين، الروس، الإندونيسيين، والصينيين. نحن نعتقد أن الجزائر يجب أن تفعل ذلك مع فرنسا التي يجب أن تحدد لنا بدقة المواقع التي تم فيها إجراء هذه التجارب وأين تم دفن المواد. هناك أيضاً قضية الأسلحة الكيميائية المستخدمة في واد نموس. بدأت مسيرتي كموظف حكومي في بشار، غرب البلاد، في بداية السبعينيات. تقريباً كل أسبوع كان لدينا شكاوى من المربين حول وفاة حيواناتهم. يجب أن لا ندفن هذه القضايا تحت السجاد ويجب حلها بشكل نهائي".

ووقّعت 20 منظمة دولية تنشط في مجال حظر الأسلحة النووية، وحماية البيئة، وحقوق الإنسان، وتعزيز السلام، في أغسطس/آب الماضي، على لائحة حول التجارب النووية الفرنسية في الجزائر، بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة التجارب النووية (29 أغسطس من كل عام)، جددت فيها مطالبة الحكومة الفرنسية بتحمل مسؤوليتها التاريخية والقانونية، والاعتراف الكامل بجرائمها النووية نتيجة التفجيرات التي قامت بها في خمسينيات القرن الماضي في صحراء الجزائر، وكذا تعويض الضحايا، والكشف عن الوثائق والخرائط المتعلقة بمواقع دفن النفايات المشعة، مع اتخاذ خطوات عملية لمعالجة التلوث الاشعاعي.

المساهمون