مصنع مسطرد... تلوث خطير على الصحة برعاية السيسي

30 سبتمبر 2020
الصورة
يضاف المشروع إلى مصادر تلوث عدة يعاني منها المصريون (محمد الشاهد/ فرانس برس)
+ الخط -

في زيارة غير معلنة، وسط تواجد أمني مكثف، حطت طائرة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، صباح الأحد الماضي، على مهبط أُعدّ خصيصاً بمنطقة المطرية حيث يقع مشروع "الشركة المصرية لتكرير البترول" في مسطرد بمحافظة القليوبية القريبة من القاهرة.
افتتح السيسي، بعد ذلك، المشروع الذي يرفضه أهالي المنطقة المحيطة، وهم سكان المطرية وشبرا الخيمة المكتظة، نظراً لتأثيراته البيئية الخطيرة، وهو المصنع الذي يُعرف شعبياً بمشروع "أجريوم مسطرد"، في إشارة لمشروع "أجريوم دمياط" الذي اعترض عليه الأهالي هناك، ونجحوا في وقف عمله ليجري نقله بعد احتجاجات كبيرة وقعت عام 2009، في أواخر سنوات حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك.
وكشفت دراسة تقييم الأثر البيئي للمشروع التي أجرتها الدكتورة شاكيناز طه، أنّ المشروع ينتج 2 مليون طن سولار سنوياً، كما أشارت الدراسة إلى أنّ المياه السطحية في ترعة الإسماعيلية التي تقوم الشركة بتصريف مخرجاتها فيها لا تتوافق مع المعايير المصرية، وأنّ الشركة ستصرف صرفاً صناعياً يقدر بـ243.4 متراً مكعباً في الساعة، ويجري التصريف على منظومة الصرف الخاصة بالشركة المصرية للتكرير، المتصلة بترعة الإسماعيلية. وأشارت الدراسة إلى ارتفاع تركيزات الرصاص في المياه الجوفية، وأنّ "في ظل البيئة الصناعية الكائنة في منطقة المشروع، فإنّ التلوث الصناعي يوحي بأنّ تلوث التربة والمياه الجوفية محتمل، ويحتمل أن تكون هذه هي الحال مع الأرض الشمالية والجنوبية للمشروع".
وكشفت الدراسة أنّ تلوث الهواء بالمنطقة أعلى من المسموح به دولياً، وقالت إنّ البيانات من محطتي مراقبة الهواء بمنطقة شبرا والتي تقع على بعد خمسة كيلومترات من المشروع وكذلك محطة قها، توضح التركيزات القصوى للملوثات بصفة مستمرة. وتشمل البيانات لمحطة رصد شبرا الخيمة تركيزات ثاني أوكسيد الكبريت، بينما تشمل بيانات محطة رصد قها تركيزات ثاني أوكسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة، وتتجاوز متوسط التركيزات لثاني أوكسيد الكبريت التي جرى قياسها في كلّ الأوقات في محطة شبرا الخيمة، القيم التي تحددها المعايير المصرية والأوروبية ومعايير البنك الدولي، وكذلك متوسطات التركيزات لثاني أوكسيد النيتروجين مرتفعة بشكل ملحوظ في محطة قها بما يتجاوز المعايير المصرية ومعايير البنك الدولي لجودة الهواء، بينما يتجاوز المعدل اليومي لتركيز الجسيمات الدقيقة في محطة قها القيم التي تحددها المعايير المصرية والأوروبية لجودة الهواء.

وأوضحت الدراسة أنّه جرى اختيار تسعة أماكن لجمع العينات السلبية والإيجابية في منطقة المشروع، وأوضحت العينات أنّ نتائج الجسيمات الدقيقة وثاني أوكسيد الكبريت تتجاوز معايير البنك الدولي والاتحاد الأوروبي. وأضافت الدراسة أنّه تبين أنّ ظروف كثيرين من بين السكان في هذه المناطق حساسة على المستويين الاجتماعي والاقتصادي، نظراً لعدم توفر دخل مضمون، وانخفاض معدلات التعليم، وصعوبة الوصول إلى البنية الأساسية الاجتماعية. وذكرت الدراسة أنّ هناك هموماً لدى أهالي المنطقة منها أنّهم مستبعدون عن التشاور معهم حتى الآن بشأن المشاريع الجديدة في المنطقة، كما أنّ مواقع الإنشاء لا تخلو من مشاكل صحية مثل وجود بِرك المياه الراكدة التي قد توفر بيئة مناسبة لتكاثر الحشرات، ما يؤدي إلى أمراض معدية مثل التهابات العين وقد تتسبب الأتربة أيضاً في مشاكل صحية مثل حساسية الصدر. أما الضوضاء المستمرة على المدى الطويل فهي بالإضافة إلى إزعاج المواطنين تؤدي إلى التوتر والاكتئاب، وتندرج ضمن إطار التلوث الضوضائي، إذ ذكرت الدراسة أنّ الضوضاء تعد مصدراً إضافياً رئيسيا للتلوث إلى جانب الأنشطة الصناعية.
وقالت دراسة تقييم الأثر البيئي للمشروع إنّ الشركة تنوي سحب مياه للتبريد بمعدل 6200 م 2 في الساعة، وهو ما يؤثر حتماً في منسوب المياه، وتزداد حدة التأثر شتاءً، ومن ناحية أخرى فإنّ مياه التبريد التي سوف تتحدد بناء على التحاليل صلاحيتها لتعود إلى الترعة مرة أخرى، لها أثر على الكائنات الحية، لأنّها مصدر المياه لعدد من محطات الشرب بدءاً من مسطرد وانتهاء بمحافظة الإسماعيلية. ووفق مصادر مسؤولة، فإنّ من المعلوم أنّ محطات مياه الشرب يصعب عليها معالجة المواد العضوية، وهي ليست مصممة لمعالجة المواد العضوية ويكفيها فقط إزالة العكارة (التعكر في المياه) ثم قتل البكتريا بالكلور.

التلوث الصناعي يوحي بأنّ تلوث التربة والمياه الجوفية محتمل


وعبر عدد كبير من المواطنين عن غضبهم من افتتاح رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي لهذا المشروع الملوث للبيئة. ويقول محمود حنفي، وهو مهندس من أهالي منطقة مسطرد، التي يقام على أرضها المشروع، إنّه لا يخشى على نفسه من التلوث، بينما يخشى على أحفاده من الأمراض التي سيسببها هذا المشروع الملوث للبيئة، مشيراً إلى أنّ هذا المشروع "يصنف ضمن مشاريع القائمة السوداء عالمياً، وهي القائمة الأكثر تلويثاً للبيئة، وهو من المشاريع التي ترفضها الدول المتقدمة". ويلفت إلى أنّ "بيئة المنطقة لا تتحمل إقامة مشاريع أخرى ملوثة للبيئة"، مضيفاً أنّ هذا المشروع الذي افتتحه السيسي "هو أكبر مشروع ملوّث للبيئة وتزيد كلفته عن كلفة مشروع سد النهضة نفسه إذ تصل كلفته إلى 4.7 مليارات دولار". يضيف أنّ "صناعة تكرير المازوت التي يقوم بها المشروع من الصناعات المحرمة دولياً، ويجري إنشاؤها في الدول المتخلفة وترفضها دول العالم المتقدم"، مستنكراً افتتاح السيسي المشروع.
من جهتها، تقول عزة إبراهيم، وهي معلمة من سكان المطرية، إنّ الشركة "حاولت إسكات المعترضين على المشروع من خلال منحهم وظائف لأقاربهم فيه، كما قامت الشركة ببناء كوبري على ترعة الإسماعيلية ومنعت عبر أمن خاص الأهالي من العبور عليه، ولا تسمح بعبور غير ممتلكاتها الخاصة فقط".
وأطلق عدد من شباب المنطقة حملات توقيع عرائض لرفض المشروع. ويقول أحمد عاشور، وهو مؤسس إحدى الحملات: "بدأنا منذ إنشاء المصنع جمع توقيعات ضد بناء المصنع، ورُفعت العريضة إلى المسؤولين بمحافظة القليوبية ووزارة البيئة، لكن لم يستجب أحد منهم لنا". يلفت إلى أنّ المشروع جرى تمريره نظراً لوجود عدد من كبار المستثمرين العرب، فضلاً عن كبار المستثمرين المصريين، ويضيف أنّ الحكومة تفضل الاستثمارات القذرة التي ترفضها الدول الأوروبية وتقبلها الحكومة المصرية على حساب صحة المواطنين.

وعلى الجانب الآخر، يقول أحمد هيكل، رئيس "الشركة المصرية للتكرير" ورئيس مجلس إدارة "شركة القلعة القابضة" وهي الشركة المالكة للمشروع الذي افتتحه السيسي، إنّ الفكرة الأساسية لمشروع "الشركة المصرية للتكرير" هو تكسير المازوت منخفض القيمة، وتحويله إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية مثل السولار والبنزين ووقود النفاثات والبوتوغاز، وهو ما سيسهم في خفض استيراد المنتجات البترولية، وتوفير العملة الأجنبية، بما يقرب من 600 مليون دولار إلى مليار دولار أميركي سنوياً. يضيف أنّ المشروع يستهلك 3.5 ملايين طن من المازوت، و1.2 مليون طن من خام البترول، ويقوم بإنتاج 2.3 مليون طن سولار، و860 ألف طن بنزين، و80 ألف طن بوتوغاز. ويشير إلى أنّ أعمال "الشركة المصرية للتكرير" لها تأثير إيجابي على الوضع البيئي والاجتماعي والاقتصادي في المنطقة المحيطة، مشيراً إلى تأثير الشركة الإيجابي على سكان المنطقة المجاورة، من خلال توفير فرص عمل، ومنح دراسية بكبرى الجامعات الحكومية والخاصة. كذلك، يذكر هيكل أنّ مشروع مجمع التكسير الهيدروجيني، نموذج للتعاون بين الحكومة والقطاع الخاص، وجرى تنفيذ هذا المشروع وسط تحديات ضخمة، أبرزها ما مرت به البلاد خلال فترة الربيع العربي، كما صعوبة استيراد المعدات والآلات من الخارج في ظلّ هذه الظروف، بالإضافة إلى ظروف التمويل الصعبة. ويضيف هيكل أنّ الشركة قامت بعقد قرض عام 2009 مع الحكومتين اليابانية والكورية، وهي عقود من دون ضمانات، ضمن إجراءات إنشاء "الشركة المصرية للتكرير".