مصر تودّع ضحايا حادث الإسماعيلية ودعوات لتشديد الرقابة على وسائل نقل العمال
طالبت نقابة العاملين بالنقل البري السلطات المصرية بكشف المسؤول الحقيقي عن حادث تصادم شاحنتين صغيرتين (سيارتَي ربع نقل) في شمال شرقي البلاد كانتا تقلّان عمالاً زراعيين. وكان الحادث، الذي وقع أمس الثلاثاء، قد أودى بحياة ما لا يقلّ عن 18 شخصاً، معظمهم أطفال، وفق ما أفاد مصدر طبي محلي وكالة فرانس برس. وقد أعلنت وزارة الصحة المصرية في وقتٍ سابق سقوط 47 شخصاً بين قتيل وجريح، بينهم نحو 30 مصاباً، في الحادث الذي وقع في منطقة الدواويس بمحافظة الإسماعيلية.
وتُستخدَم الشاحنات الصغيرة المكتظة بشكل واسع لنقل ملايين العمال في القطاع غير الرسمي في مصر، رغم المخاطر التي تنطوي عليها، بما في ذلك على الأطفال العاملين. وقال المصدر الطبي ذاته لـ"فرانس برس"، طالباً عدم كشف هويته كونه ليس مخوّلاً التحدث إلى الإعلام، إنّ "معظم القتلى أطفال في سنّ 13 و14 عاماً".
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
وفي بيانٍ أصدره، أكد رئيس النقابة العامة للعاملين بالنقل والمواصلات والمركبات السياحية وخدماتها محمد أبو العباس نوفل أنّ الحادث يُعدّ مأساة إنسانية متكرّرة، ويستدعي الوقوف أمام أسبابه الحقيقية كي لا تُختزل المسؤولية في خطأ يرتكبه سائق، فيما تقع المسؤولية على منظومة تشغيل كاملة تشمل المركبة وحالة الطرق والرقابة على حركة نقل الركاب.
وقد دعت النقابة في بيانها، اليوم الأربعاء، إلى إنهاء التحقيقات بسرعة، وإعلان الأسباب بشفافية، وتحديد المسؤليات بناءً على الأدلّة، من دون تحميل أيّ طرف المسؤولية قبل ثبوتها قانوناً، حتى لا يقتصر الاتهام على السائق، باعتباره الحلقة الأضعف في منظومة واسعة تتطلب تشديد الرقابة على وسائل نقل العمال، ومنع استخدام الشاحنات في نقلهم، وتوفير وسائل انتقال آمنة للعمال مطابقة للشروط القانونية، ومنع عمالة الأطفال، خصوصاً بعد سقوط ضحايا منهم في الحادث. ويشارك ما لا يقلّ عن 1.3 مليون قاصر في شكل من أشكال عمالة الأطفال في مصر، وفق أرقام رسمية، وكثيراً ما يقعون ضحايا لحوادث أثناء ذهابهم إلى العمل.
وكان العمال، ومعظمهم من قريتين في محافظة الشرقية في دلتا النيل، "في طريقهم للعمل في مزرعة بالإسماعيلية"، وفق ما أفاد مصدر أمني محلي وكالة فرانس برس. وقد جاء بيان النقابة في وقتٍ استلمت فيه أسر الضحايا جثامين ذويها، قبل أن يُنقلوا ويُدفنوا في مسقط رأسهم بمحافظة الشرقية، فيما استقبلت مستشفيات الإسماعيلية المصابين من ذوي الحالات الخطيرة، حيث خضعوا لعملياتٍ جراحية. ووفقاً لشهود عيان، انتظر المئات من أهالي الضحايا أمام مستشفى القصاصين بالإسماعيلية، الذي استقبل الجانب الأكبر من القتلى والمصابين، بينما تحوّلت قرى اعتادت انتظار عودة أبنائها من الحقول إلى أماكن لاستقبال النعوش. وأفادت بيانات طبية اليوم الأربعاء بأنّ 15 مصاباً من أبناء الشرقية وصلوا إلى مجمع الإسماعيلية الطبي، فيما استقبل مستشفى أبو خليفة للطوارئ والجراحات الدقيقة ثمانية مصابين من ضحايا الحادث.
وفي الوقت نفسه، تحفّظت الأجهزة الأمنية على سائقَي الشاحنتين، بينما تستمر التحقيقات لتحديد ملابساته والمسؤوليات الجنائية المترتّبة عليه. وبحسب شهود عيان، كان العمال في طريقهم إلى المزارع، في موسمٍ تشهد فيه مناطق الإسماعيلية حركة كثيفة للعمل الزراعي الموسمي، حيث تتواصل أعمال جمع المانغو والبطيخ والفاكهة والخضروات، بحثاً عن أجر يومي يسدّ قوت عائلاتهم. وقد كشف حادث الدواويس بمحافظة الإسماعيلية مجدّداً هشاشة المركبات والآليات المستخدمة في نقل العمال، وهي مركبات مخصّصة أساساً لنقل البضائع، فيما تتحول إلى وسيلة لنقل عشرات الأشخاص عندما تكون المسافة بعيدة، ولا توجد وسيلة نقل منتظمة تصل إلى المزارع، ما يجعل العمال تحت رحمة "مقاولي الأنفار".
من جهتها، أعلنت المجمعة المصرية للتأمين الإلزامي على المركبات بدء إجراءات صرف التعويضات للمستحقين، بواقع 100 ألف جنيه مصري (نحو 2.000 دولار أميركي) عن كل حالة وفاة بعد استيفاء المستندات المطلوبة، وفقاً لتعليمات أصدرتها وزيرة التضامن الاجتماعي. وتحركت الجهات التنفيذية لمتابعة المصابين وتوفير الرعاية الطبية لهم، فيما بدأت الإجراءات الخاصة بأسر الضحايا.
وأعلنت وزارة العمل المصرية أنّ وزير العمل توجه إلى الإسماعيلية، بتكليف من رئيس مجلس الوزراء، وتفقد مصابي حادث "عمال الدواويس"، وكذلك أفاد محافظ الإسماعيلية بأنّهم سخّروا كامل الإمكانيات لرعاية المصابين ودعم أسر الضحايا.
وعادت إلى ذاكرة المصريين حادثة "فتيات العنب" بمحافظة المنوفية، حيث خرجت أكثر من 30 فتاة في حافلة صغيرة لنقل الركاب في 27 يونيو/ حزيران 2025، من قرية كفر السنابسة في طريقهن إلى العمل في مزارع العنب بمدينة السادات، قبل أن يتعرّضن لحادث تصادم مروّع أدّى إلى مصرع العشرات منهنّ. وتحوّلت تلك الفتيات إلى عنوان لمأساة العمالة الزراعية الموسمية في مصر.
وفي 19 يونيو 2026، قبل أسابيع من حادث الدواويس، انقلبت شاحنة صغيرة كانت تقلّ عمالَ نظافة شمال غربي البلاد، ما أسفر عن وفاة عامل وإصابة 36 آخرين. وفي الشهر ذاته، أُصيب 13 عاملاً في انقلاب سيارة ربع نقل (شاحنة صغيرة) على طريق الإسكندرية-مطروح، بينما أُدخل عاملان لتلقّي العلاج في وحدة العناية المركزة. وقبل ذلك، في مايو/ أيار الماضي، شهد طريق الساحل الشمالي حادثاً آخر لسيارة ربع نقل محمّلة بالعمال، أسفر عن وفاة عاملين وإصابة ثمانية آخرين. وفي مارس/ آذار الماضي، أدّى انقلاب سيارة ربع نقل تقلّ عمالاً على محور الضبعة إلى وفاة ثلاثة أشخاص وإصابة 11 آخرين، وفقاً لبيانات رسمية.
وفي رصد صحافي أجراه "العربي الجديد" لحوادث نقل العمال الزراعيين خلال الفترة من إبريل/ نيسان 2017 إلى يناير/ كانون الثاني 2025، جرى توثيق 82 حادثاً أسفرت عن 125 وفاة و988 إصابة. وقد ارتبطت سيارات الربع نقل بـ51 حادثاً من إجمالي الحوادث التي شملها الرصد، لتأتي في صدارة وسائل النقل المرتبطة بحوادث العمال الزراعيين. ويرى خبراء في السلامة المرورية أن حوادث النقل الجماعي للعمال لا يمكن التعامل معها باعتبارها أخطاء فردية للسائقين فقط، لأن وقوع الحادث يرتبط باختيار وسيلة النقل وتنظيم الرحلة وعدد الركاب وحالة المركبة وطبيعة الطريق.
ويمثل العمل غير الرسمي نحو 67% من إجمالي الوظائف في مصر، ويشمل تقريباً كامل القطاع الزراعي، وفق منظمة العمل الدولية. ويُقدّر عدد العاملين باليومية ضمن العمالة "غير المنتظمة" بما بين 8 و13 مليون شخص، معظمهم في قطاعات الزراعة والبناء والصناعة، ويفتقرون إلى ضمانات تتعلق بالأجور والسلامة، بحسب ما ذكرت "فرانس برس".