مصر: ترحيل يطاول طلاب الأزهر ولاجئين ويثير مخاوف واسعة

09 فبراير 2026   |  آخر تحديث: 19:54 (توقيت القدس)
من إفطار لطلاب الأزهر في القاهرة، مصر، 12 مارس 2025 (دعاء عادل/ Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تشهد مصر تصاعداً في ملاحقة اللاجئين وطالبي اللجوء، بما في ذلك الطلاب الوافدين في الأزهر، حيث يواجهون توقيفات واعتقالات وصعوبات في تجديد الإقامة، مما يثير قلقهم.
- تقارير حقوقية تشير إلى حملة أمنية غير مسبوقة ضد اللاجئين، مع توقيفات وترحيل قسري، مستهدفة السودانيين والسوريين، مما يثير مخاوف بشأن سلامتهم.
- منظمات حقوقية تعبر عن قلقها من "الترحيل المقنع" للسوريين، وتدعو لوقف الحملات الأمنية وضمان حقوق المحتجزين القانونية، مؤكدة تعارض هذه الممارسات مع التزامات مصر الدولية.

تشهد مصر خلال الأشهر الأخيرة تصاعداً لافتاً في ملاحقة اللاجئين وطالبي اللجوء واحتجاز عدد منهم وترحيل آخرين، وذلك في سياق توسيع الحملات الأمنية وتشديد الإجراءات الإدارية المرتبطة بالإقامة. ولم يقتصر التصعيد المسجّل على فئات بعينها، بل امتدّ ليطاول طلاباً وافدين يدرسون في الأزهر، إلى جانب لاجئين من جنسيات مختلفة، في مقدّمتهم السودانيون والسوريون، بحسب ما جاء في بيانات وشهادات صادرة عن طلاب ومنظمات حقوقية محلية ودولية.

ونشر الطالب الأزهري عرفات حسين بياناً باسم طلاب الأزهر الوافدين على صفحته على موقع فيسبوك، أفادوا فيه بأنّهم قصدوا مصر طلباً للعلم واحتراماً لقانونها وثقةً بتاريخها، بوصفها مقصداً لطلاب العلم من كلّ أنحاء العالم. وأشار هؤلاء، في بيانهم، إلى أنّ ثمّة طلاباً وافدين يواجهون في الآونة الأخيرة قلقاً وخوفاً حقيقيَّين بسبب توقيفات متكررة واعتقالات موسعة، على حدّ تعبيرهم، طاولت طلاباً نظاميين مسجّلين رسمياً، لم يرتكبوا أيّ مخالفات قانونية.

وبيّن طلاب الأزهر الوافدون، في البيان الذي نشره عرفات حسين، أنّ الأزمة تتفاقم من خلال إجراءات تجديد الإقامة الطالبية، إذ يُصار إلى سحب جوازات سفر الطلاب من قبل مصلحة الجوازات والهجرة لفترات تمتدّ لأكثر من 14 يوماً، علماً أنّها وصلت في بعض الحالات إلى شهرَين كاملَين. أضافوا أنّه خلال هذه الفترة، يصير الطالب بلا جواز سفر وبلا إثبات فوري لوضعه القانوني، الأمر الذي يجعله عرضة للتوقيف في أيّ وقت، على الرغم من التزامه بالإجراءات الرسمية، وفقاً للبيان نفسه.

وتابع موقّعو البيان أنّ هذا الوضع تسبّب في حالة من انعدام الأمان بين آلاف الطلاب الوافدين، وجعلهم يشعرون بأنّهم محاصرون بين إجراء إداري إلزامي وخطر التوقيف. ودعا هؤلاء إلى وقف ما وصفوه بالاعتقالات العشوائية للطلاب النظاميين، وتوفير حماية قانونية واضحة خلال فترة تسليم الجوازات، إلى جانب إصدار توضيح رسمي يحدّد الإجراءات بطريقة تطمئن الطلاب. كذلك وجّه الطلاب نداءً إلى الأزهر الشريف بوصفه الجهة الأكاديمية الراعية، وإلى وزارة الداخلية ومصلحة الجوازات والهجرة بوصفهما الجهتَين المختصّتَين، وطالبوها كلها بالتدخّل العاجل لحماية طلاب الأزهر الوافدين وصون كرامتهم.

في الإطار نفسه، علّق الطالب الأزهري سميع الله سادات على هذا الموضوع في تسجيل بثّه على صفحته على موقع فيسبوك، قال فيه إنّه تقدّم بأوراق طلب تصديق الإقامة أربع مرّات في قسم الدراسة الخاصة، غير أنّه تلقّى في كلّ مرة رداً يفيد بأنّ الأوراق فُقدت، من دون اتّخاذ أيّ إجراء عملي حيال ذلك.

أضاف الطالب، في شهادته المسجّلة، أنّ الموظفين في الغالب يكونون غائبين، وأنّ المتابعة الفعلية للملفات غير متوفّرة، إلى جانب ما وصفه بأسلوب تعامل لا يراعي أوضاع الطلاب، يصل إلى حدّ التهديد بإخراج طالب من مساكن الدراسة عند مطالبته بحقّه. وأشار سميع الله سادات إلى أنّ أشهراً مضت على احتجاز عدد من زملائه، مضيفاً أنّ عدداً منهم تعرّض للترحيل من دون إيجاد حلّ لمشكلاته أو النظر في أوضاعه. وتابع أنّ هذا الأمر أثار قلقاً شديداً بين الطلاب الوافدين.

يأتي هذان المنشوران في وقت تفيد فيه بيانات رسمية بأنّ مصر تُعَدّ من أكثر الدول استقبالاً للاجئين، إذ تجاوز عدد اللاجئين وطالبي اللجوء المسجّلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين فيها مليوناً و98 ألف شخص من نحو 60 جنسية مختلفة حتى نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2025. ووفقاً للبيانات نفسها، فقد تصدّر السودانيون الأرقام بواقع 834 ألفاً و201 طلب، تلاهم السوريون بنحو 123 ألفاً و383 طلباً.

إلى جانب ذلك، تشير تقديرات حكومية إلى دخول أكثر من 1.5 مليون مواطن سوداني إلى مصر عقب اندلاع الحرب في السودان في منتصف إبريل/ نيسان 2023. كذلك قدّر رئيس الاتحاد العام للغرف التجارية في مصر أحمد الوكيل عدد السوريين المقيمين في البلاد بنحو 1.5 مليون سوري، بحسب ما أدلى به من تصريحات في الملتقى المصري - السوري الذي عُقد في دمشق أخيراً.

في سياق متصل، بيّن تقرير حديث صادر عن منصّة اللاجئين في مصر، مطلع فبراير/ شباط 2026، بعنوان "لا ملاذ آمناً.. حملة أمنية غير مسبوقة ضدّ اللاجئين في مصر"، فإنّ الفترة الممتدّة ما بين 20 ديسمبر/ كانون الأول 2025 و20 يناير/ كانون الثاني 2026 شهدت تحوّلاً نوعياً في نمط تعامل السلطات مع اللاجئين وطالبي اللجوء. وأوضح التقرير أنّ الإجراءات تجاوزت الطابع المتفرّق لتتبلور في شكل حملة ممنهجة شملت توقيفات واسعة، واحتجازاً إدارياً مطوّلاً، ومسارات ترحيل قسري أو مقنّع، مع استهداف خاص للمجتمعات السودانية والسورية في عدد من المحافظات.

وأشار التقرير نفسه إلى أنّ هذه الحملة اتّسمت باتّساع نطاقها الجغرافي، إذ شملت القاهرة الكبرى والجيزة والإسكندرية والغردقة وأسوان، بالإضافة إلى مدن أخرى، وتنوّعت أدواتها بين الكمائن الأمنية، والمداهمات المنزلية، وحملات التفتيش في أماكن السكن والعمل ووسائل النقل. وتابع أنّ التوقيفات طاولت لاجئين مسجّلين لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وأشخاصاً يحملون تصاريح إقامة سارية أو كانوا في طور تجديدها، إلى جانب طلاب ونساء وأطفال.

وفي منتصف يناير الماضي، وثّقت المفوضية المصرية للحقوق والحريات ترحيل 42 ألفاً و944 لاجئاً ومواطناً سودانياً من مصر حتى نهاية ديسمبر الماضي، من ضمن ما تصفه السلطات المصرية ببرامج "العودة الطوعية". وأثارت هذه الأرقام مخاوف حقوقية متزايدة بشأن سلامة العائدين واحترام مبدأ عدم الإعادة القسرية، في ظلّ استمرار النزاع المسلح والانتهاكات الجسيمة في السودان.

وأعلنت المفوضية المصرية، على خلفية هذه المستجدات، إطلاق حملة بعنوان "لا للترحيل القسري"، أشارت إلى أنّها تستند إلى توثيق وقائع متكرّرة لإعادة لاجئين وطالبي لجوء سودانيين قسراً من مصر إلى السودان، على الرغم من المخاطر الجدية التي تهدّد حياتهم وسلامتهم. وحذّرت من أنّ هذه الممارسات تمثّل انتهاكاً لمبدأ عدم الإعادة القسرية؛ أحد المبادئ الأساسية في القانون الدولي لحماية اللاجئين.

وعلى صعيد اللاجئين السوريين، أعربت عشر منظمات حقوقية مصرية ودولية في 22 يناير الماضي عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بسياسة "ترحيل مقنّع" تستهدف السوريين في مصر. وأفادت المنظمات، في بيان مشترك، بأنّ الأشهر الأخيرة شهدت تصعيداً غير مسبوق في السياسات والممارسات المرتبطة باللاجئين، تجلّى في تغييرات إدارية وقانونية مفاجئة وحملات أمنية واسعة في محافظات عدّة.

أضافت المنظمات الحقوقية العشر أنّ قرارات إلغاء أو تعطيل تجديد الإقامات السياحية وتشديد شروط الإقامة منذ عام 2024 دفعت عشرات آلاف السوريين إلى حالة عدم انتظام قانوني قسري. وأشارت إلى أنّ مواعيد الحصول على الإقامة أو حتى حجز موعد لدى إدارات الجوازات والهجرة قد تمتدّ إلى عامَين، الأمر الذي يترك كثيرين في فراغ قانوني تتحمّل مسؤوليته السلطات.

وربطت المنظمات الحقوقية، في بيانها نفسه، بين هذا التصعيد وممارسات ميدانية شملت حملات تفتيش وحواجز تفتيش أمنية في أحياء تضمّ تجمّعات سورية في القاهرة والجيزة والإسكندرية والغردقة، بالإضافة إلى توقيف أفراد وعائلات بدعوى عدم حمل إقامة سارية أو بدافع الاشتباه، بمن فيهم أشخاص مسجّلون لدى المفوضية السامية لشؤون اللاجئين أو الذين يحملون مستندات تثبت مواعيد تجديد إقاماتهم.

وفي ما يتعلق بالإطار القانوني، أكدت المنظمات الحقوقية العشر المصرية والدولية أنّ هذه الممارسات تتعارض مع التزامات مصر بموجب اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكولها لعام 1967، لا سيّما مبدأ عدم الإعادة القسرية، إلى جانب تعارضها مع العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي يحظر الاحتجاز التعسفي ويكفل الحقّ في مراجعة قضائية فعالة لقرارات الإبعاد. كذلك شدّدت على أنّ الدستور المصري يمنح المعاهدات الدولية قوة القانون، ويحظر التمييز ويكفل الكرامة الإنسانية لكلّ من يقيم على الأراضي المصرية.

من جهة أخرى، صدرت ردات فعل رسمية متباينة. ففي مطلع فبراير/شباط الجاري، أصدرت السفارة السودانية لدى القاهرة تعميماً دعت فيه مواطنيها إلى حمل وثائقهم دائماً والتأكّد من سريانها. وقبل ذلك، قال ممثل دبلوماسي سوداني، في مؤتمر صحافي عُقد في 30 يناير الماضي، إنّ عدد المرحّلين السودانيين في عام 2025 بلغ 2974 شخصاً، في حين بلغ عددهم 371 شخصاً منذ بداية يناير 2026 وحتى الـ28 منه، نافياً أيّ طلب رسمي من حكومته للتضييق على السودانيين في مصر، وفقاً لما ورد في تصريحاته التي نشرتها منصات حقوقية ومواقع إخبارية.

وتزامنت هذه التصريحات مع تحذيرات متكرّرة من منظمات حقوقية مصرية ودولية من تصاعد أنماط الاحتجاز والترحيل، ودعوات إلى وقف الحملات الأمنية وتمكين المحتجزين من الوصول إلى المحامين وإجراءات الطعن القضائي، في ظلّ ما وصفته تقارير بانكماش بيئة الحماية للاجئين وطالبي اللجوء في مصر.