مشروع قانون لإدماج رعاية الأطفال الصينيين في الخدمات العامة
استمع إلى الملخص
- تواجه الأسر الصينية تحديات كبيرة بسبب التكاليف المرتفعة لخدمات الرعاية، حيث تسيطر المؤسسات الخاصة على السوق، مما يدفع الأسر للبحث عن بدائل حكومية.
- من المتوقع أن تؤدي الاستثمارات الجديدة إلى تغييرات في قطاع رعاية الأطفال، مما قد يؤثر على المؤسسات الصغيرة، مع استمرار الحاجة الملحة لخدمات الرعاية للأطفال دون سن الثالثة.
يمثل مشروع قانون رعاية الأطفال في الصين خطوة أساسية نحو إلزام الحكومات المحلية بإدراج تلك الخدمات في خططها التنموية وتقديمها بأسعار معقولة، وذلك في إطار قانوني يبدّد مخاوف الأهالي بعد ارتفاع حالات الاعتداء.
كشفت الصين عن مشروع قانون وطني لتوسيع نطاق دعم رعاية الأطفال على مستوى البلاد، ما يمثل أول جهد تشريعي رئيسي لها منذ العام 2019 لتوفير خدمات رعاية أكثر للأطفال، بأسعار معقولة ومُتاحة وآمنة. وقد قُدّم مشروع قانون خدمات رعاية الأطفال مطلع العام الحالي إلى اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب، أعلى هيئة تشريعية في الصين، لإتمام قراءته الأولى على أن تتبعها جولات متعددة من المراجعة. وبموجب هذا المقترح، ستُلزم الحكومات المحلية بإدراج تنمية رعاية الأطفال ضمن خططها الاجتماعية والاقتصادية، وزيادة التمويل العام.
يسعى مشروع القانون إلى معالجة مخاوف الآباء والأمهات بعد تزايد حالات الاعتداء على الأطفال، وذلك من خلال إلزام مؤسسات الرعاية بإجراء فحوصات أمنية على المتقدمين للمقابلات وفحوصات سنوية على الموظفين الحاليين، كما ينص على الإبلاغ الإلزامي بين موظفي رعاية الأطفال ومؤسساتها في حالة الاشتباه بإساءة معاملة الأطفال. كما ستُلزم الحكومات المحلية بتقييم مؤسسات رعاية الأطفال بانتظام ونشر نتائج التقييم علناً.
يقدم مشروع القانون نظام تأهيل وطني للعاملين في مجال رعاية الأطفال، ويحدد الحد الأدنى من المعايير التعليمية والمهنية، بالإضافة إلى معايير واضحة لتقييم المسار الوظيفي. ويستند في ذلك إلى لائحة وطنية صدرت عام 2019 وسّعت نطاق إجازة الوالدين وشجّعت على تطوير خدمات الرعاية للأطفال دون سنّ الثالثة.
وبحسب اللجنة الوطنية للصحة، فإنّ أكثر من ثلث الأسر الصينية التي لديها أطفال دون سنّ الثالثة ترغب في الحصول على خدمات رعاية الأطفال، لكن معدل التسجيل الفعلي للحصول على هذه الخدمات، على مستوى البلاد، يقلّ عن 8%، إذ تُعتبر التكلفة عائقاً أساسيّاً، حيث تمثل المؤسسات الخاصة نحو 90٪ من مُقدمي خدمات رعاية الأطفال، وتكاليفها باهظة جداً.
يُشار إلى أنّه خلال العام الماضي، بلغ متوسط الرسوم الشهرية لرعاية الأطفال، باستثناء الوجبات، ما يقرب من ثلاثة آلاف يوان أي ما يعادل 430 دولاراً أميركياً لكل طفل، ووصل إلى الضعف، ستّة آلاف يوان، في المدن الأعلى على مستوى الناتج المحلي مثل شنغهاي وشينزن وبكين.
وو فانغ، أم لطفل يبلغ من العمر ثلاثة أعوام، تعمل موظفة في شركة لبيع الأثاث المنزلي بمدينة شينزن، بينما يعمل زوجها في العاصمة بكين، تقول لـ"العربي الجديد"، إنّ ظروف عملها وعمل زوجها حتّمت عليهما الاستعانة بمربّية أطفال لرعاية طفلهما الوحيد، ولكن تكلفة الرعاية الخاصة باهظة جداً (5000 يوان شهرياً) في حين أن مرتبها الشهري لا يتجاوز 11 ألف يوان. وترى أنّ دخول القطاع الحكومي على خط الرعاية من شأنه أن يخفف التكاليف، فضلاً عن توفير الرعاية الآمنة والمهنية. وتوضح أنه خلال العام الماضي غيَّرتْ ثلاث مربّيات بسبب عدم الكفاءة أو سوء المعاملة، واضطرّت إلى تثبيت كاميرات مراقبة في المنزل بعد أن لاحظت وجود كدمات عدّة على ذراعَي طفلها. وبعد التحقق من الأمر، اكتشفت أنّه تعرّض للضرب في أثناء إجباره على تناول الطعام، ما دفعها إلى رفع دعوى قضائية بحق المربّية، واللجوء إلى محامٍ للحصول على تعويضات من الشركة المشغّلة.
من جهته، يقول الباحث في المعهد الصيني للعلوم الاجتماعية، دا بينغ مو، في حديث خاص لـ"العربي الجديد" إنّ مشروع القانون يمثل اختراقاً هاماً، إذ يوفّر أساساً قانونياً لإدماج رعاية الأطفال الشاملة في الخدمات العامة، وضمان تنمية أكثر استقراراً على المدى الطويل. ويلفت إلى أن غياب معايير موحّدة لاعتماد العاملين في مجال رعاية الأطفال كان سبباً في حدوث الكثير من التجاوزات، مثل حالات إساءة معاملة الأطفال التي حظيت بتغطية إعلامية واسعة خلال السنوات الماضية، وأدّت إلى تأجيج الرأي العام، ما استدعى تدخلاً حكومياً. ويشير إلى أن السياسات الجديدة ستُخفّض الحواجز أمام دخول الشركات إلى قطاع رعاية الأطفال والاستثمار فيه، لأن ذلك سوف يجري تحت إشراف السلطات المحلية، خصوصاً الشركات التي تمتلك بالفعل الموارد ذات الصلة، ما يمثل فرصة جيدة لتوسيع هذه الخدمات وتقديمها في إطار قانوني آمن.
في المقابل، يرى مراقبون أن دخول رؤوس الأموال من مختلف القطاعات سيغيّر المشهد التنافسي لقطاع رعاية الأطفال بشكل أكبر، وسيكون ذلك على حساب المؤسسات الخاصة الصغيرة. ويعتقد هؤلاء أنّ العامَين أو الثلاثة أعوام المقبلة ستكون فترة حاسمة تُحدّد ملامح القطاع، وقد تتعرّض المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي لا تستطيع جذب رؤوس الأموال والتوسّع في الوقت المناسب، إلى الاستحواذ أو الخروج من السوق، إذ تشكل تكاليف الإيجار والعمالة الجزء الأكبر من نفقاتها، باعتبار أنّ مؤسسات رعاية الأطفال تتحمل تكاليفها الخاصة بالإيجار والعمالة والديكور والتشغيل، وتمثل تكاليف الإيجار والعمالة أكثر من 75% من إجمالي الإيرادات.
وبحسب بيانات اللجنة الوطنية للصحة الصادرة في العام 2025، يوجد في الصين نحو 30 مليون طفل دون سنّ الثالثة، وأكثر من 30% من الأسر التي لديها هؤلاء الأطفال في حاجة إلى رعاية، بينما بلغ عدد مؤسسات رعاية الأطفال المسجلة في كلّ أنحاء البلاد بحلول العام الماضي 180 ألف مؤسسة، أي ما يقارب خمسة أضعاف عددها في العام 2020.