المشردون المصابون باضطرابات عقلية في المغرب... الدولة تدير الأزمة فقط

07 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 00:51 (توقيت القدس)
لا اهتمام بالمشردين المضطربين نفسياً في المغرب، 21 فبراير 2024 (Getty)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يواجه المشردون في المغرب، خاصة المصابون باضطرابات نفسية، تحديات كبيرة في الشتاء، حيث تم تسجيل 13,150 شخصًا يعيشون في الشوارع، منهم 1,780 يعانون من اضطرابات نفسية. رغم الجهود المبذولة، هناك حاجة لتدخلات مستدامة تتجاوز الحملات الموسمية.

- تم تخصيص ميزانية لدعم المؤسسات الاجتماعية، لكن الوزارة تعترف بوجود تحديات بنيوية مثل نقص البنيات الاستشفائية، مما يتطلب تكاملًا أكبر بين الجهات المعنية.

- يشدد عادل تشيكيطو على ضرورة سياسات وطنية متكاملة تشمل زيادة ميزانية الصحة النفسية وإنشاء مستشفيات متخصصة وتوفير فرق متنقلة للصحة النفسية.

يثير وضع الأشخاص المشردين المصابين باضطرابات نفسية وعقلية في المغرب أسئلة عدة حول مدى توفير الحماية والرعاية والتكفل بهم، في وقت يدرك الجميع أنهم فئة مجتمعية تواجه أوضاعاً صعبة خاصة في فصل الشتاء البارد. وكشفت إحصاءات نشرتها وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة في المغرب في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، أن مؤسسة التعاون الوطني الحكومية أحصت من خلال حملات ميدانية نفذتها بالتنسيق مع شركاء في شتاء 2024-2025 نحو 13 ألفاً و150 يعيشون التشرد في أنحاء البلاد.

وأشارت الإحصاءات التي تضمنها رد كتابي وجهته وزارة التضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة إلى النائب نبيل الدخش في شأن سؤال برلماني يتعلق بتنامي الظاهرة وغياب آليات الحماية الفعّالة لهذه الفئة الهشة، إلى أن نحو 1780 مشرداً يعانون أمراضاً نفسية وعقلية استفادوا من خدمات إيواء وتغذية وعلاج ومصاحبة نفسية، ما اعتبرته الوزارة مؤشراً إلى الحاجة الملحة إلى تدخل متخصص ومستمر يتجاوز الحملات الموسمية.

وأوضحت الوزارة أن التمويل والدعم المؤسساتي شمل تخصيص منحة 48.9 مليون درهم (5.3 ملايين دولار) العام الماضي استفادت منها 186 مؤسسة للرعاية الاجتماعية، و17 ألفاً و811 شخصاً، وقد وجه مبلغ 16.5 مليون درهم  (1.8 مليون دولار) لدعم 31 مؤسسة تعنى حصراً بفئة المشردين والمختلين عقلياً، والتي غطت احتياجات 4100 شخص بهدف ضمان استمرار خدمات الإيواء والتغذية والرعاية شبه الطبية والتتبع الاجتماعي والنفسي. أما العام الماضي فرُصدت موازنة إضافية بلغت 11 مليون درهم (1.2 مليون دولار) خُصصت لاقتناء 20 وحدة متنقلة للمساعدة الاجتماعية، بهدف تعزيز قدرات التدخل والاستجابة داخل مراكز الإسعاف الاجتماعي ومؤسسات الرعاية".

لكن رغم الجهود المبذولة، تقر الوزارة بأن "الإكراهات البنيوية لا تزال قائمة، وفي مقدمها محدودية البنيات الاستشفائية المختصة وندرة أماكن الإيواء المناسبة، ما يجعل التدخل لفائدة المشردين المرضى نفسياً وعقلياً رهن حصول تكامل أكبر بين المتدخلين، وتوسيع الخدمات الصحية والاجتماعية الخاصة بهم من أجل ضمان الاستمرارية والفعّالية".

ويرى رئيس العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان، أقدم تنظيم حقوقي في المغرب، عادل تشيكيطو، في حديثه لـ"العربي الجديد"، أن "ظاهرة التشرد وسط المصابين باضطرابات نفسية وعقلية في المغرب تكشف واقعاً يتجاوز الوصف الاجتماعي العابر ويمس جوهر منظومة الحقوق الأساسية". يتابع: "حين تتحدث المعطيات الرسمية لحملة واحدة عن أن أكثر من 13 ألف شخص يعيشون في الشارع، لا يعكس ذلك صدمة الرقم فقط، بل أيضاً حقيقة وجود خلل هيكل عميق في السياسات العمومية، وفي قدرة الحكومة على حماية الفئات الأكثر هشاشة". 

ويلفت إلى أن "المقاربة الحقوقية ترى أن هذا الوضع هو انتهاك مركب للكرامة والحق في الصحة وللأمان الشخصي، لأنه حين يجد الشخص المريض نفسياً نفسه بلا مأوى ويفقد العلاج والمرافقة والدعم والقدرة على اتخاذ قرار سليم، يصبح عرضة للعنف والاستغلال والانهيار الجسدي والنفسي".

عدم التعامل مع المشردين المضطربين نفسياً يمس جوهر منظومة الحقوق الأساسية، 16 أكتوبر 2019 (Getty)
عدم التعامل مع المشردين المضطربين نفسياً يمس الحقوق الأساسية، 16 أكتوبر 2019 (Getty)

ويرى عادل أن "السبب الجوهري هو ضعف الخدمات الصحية وغياب السياسات الوقائية المتماسكة، فالحماية تبدأ من إنقاذ الأشخاص من الشوارع، وقبلها من داخل الأسر والأقرباء، وتحصل من خلال وجود طاقم طبي ونفسي مؤهل قادر على التدخل قبل الوصول إلى مرحلة الانهيار الكامل، ولا يزال المغرب بعيداً عن هذا المستوى من التنظيم، لأن مستشفياته تعاني من نقص كبير في عدد الأسرة والموارد البشرية المتخصصة، كما أن مراكز الاستقبال المتخصصة شبه منعدمة أو محدودة ما يجعلها عاجزة عن استيعاب حتى نسبة بسيطة من الحالات المسجلة. وفي العموم يعتبر المغرب بعيداً جداً عن الحدّ الأدنى الذي تضعه منظمة الصحة العالمية، ويشمل توفير 10 أطباء نفسيين لكل مائة ألف نسمة، في حين لا يوفر إلا 1.7 طبيب لمائة ألف نسمة".

يضيف: "هذا الواقع شهادة واضحة على غياب منظومة وطنية للحماية النفسية والاجتماعية، وغياب التنسيق الحقيقي بين القطاعات المعنية، وحتى حين تطلق مبادرات موسمية تستند إلى ظروف معينة، أما التشرد نفسه فظاهرة مستمرة وممتدة ومتحوّلة، والمبادرات أو الحلول التي تلجأ إليها السلطات تزيد قساوة الوضع القائم، وتُمعن في الانتهاكات الحقوقية. وأخيراً نقلت جهات رسمية أفواج متشردين من مدن إلى أخرى، ما دفع المكتب الإقليمي للعصبة إلى تنظيم وقفة احتجاج مع ناشطين حقوقيين آخرين".

ويشدد عادل على أن "المطلوب اليوم هو الانتقال من منطق التدبير المؤقت إلى بناء سياسة وطنية متكاملة تتعامل مع التشرد كمسؤولية مشتركة وليست قطاعية، ما يستلزم رفع موازنة الصحة النفسية، وتشييد مستشفيات متخصصة بدلاً من الاعتماد على وحدات محدودة، وإنشاء فضاءات للإيواء والرعاية المستمرة تقدم خدمات علاجية واجتماعية في آن واحد. كما يحتاج المغرب إلى فرق متنقلة للصحة النفسية تجوب الشوارع وتواكب الحالات على المدى الطويل، لأن جزءاً كبيراً من هذه الفئة غير قادر على الوصول إلى المؤسسات أو لا يدرك حاجته إليها".

ويؤكد عادل أيضاً "ضرورة وضع إطار قانوني واضح يحمي الأشخاص الذين يشكلون خطراً على أنفسهم أو على غيرهم بسبب الاضطرابات النفسية، مع ضمان كل الحقوق والضمانات أثناء أي قرار للإيداع الطبي الإجباري. ويلفت إلى أن الجماعات المحلية (البلديات، العمالات والأقاليم) مطالبة بأن تصبح فاعلاً رئيسياً في معالجة الظاهرة وليس مجرد شريك صغير، لأن التشرد يرتبط بالحيز المحلي والخدمات القريبة من المواطنين. ويبقى تغيير الثقافة الاجتماعية ضرورياً، إذ لا يمكن لأي سياسة أن تنجح ما دامت النظرة السائدة تربط المرض النفسي بالخطر أو العيب أو الوصمة، في حين أنه وضع صحي يحتاج إلى علاج ورعاية". يضيف: "بهذه المقاربة ليس المطلوب تنفيذ إصلاحات تجميلية أو إجراءات ظرفية، بل إرادة سياسية لتأسيس منظومة متكاملة للوقاية والرعاية والإدماج تحترم الإنسان في لحظات هشاشته القصوى، وتعيد له مكانته وكرامته داخل المجتمع".

المساهمون