استمع إلى الملخص
- يوسف النجار، طفل فلسطيني، يتحمل مسؤولية كبيرة بعد استشهاد والده، ويعبر عن أمله في حياة آمنة بعيداً عن الجوع، بينما يواجه صعوبات يومية في تأمين الغذاء لعائلته.
- تعاني العائلات من نقص حاد في المواد الغذائية، حيث تعيش في ظروف قاسية، وتعتبر المطابخ الخيرية الملاذ الأخير للعيش بكرامة.
يُسرع الطفل الفلسطيني يوسف النجار البالغ من العمر عشرة أعوام، حافي القدمَين وحاملاً قدراً مهترئة، ليلتحق بطابور مطبخ خيري أو "تكيّة" في مدينة غزة الواقعة شمالي القطاع المحاصر والمستهدف مع بزوغ الفجر، ليجد المئات وقد سبقوه. يقول يوسف بصوت خافت إنّ "الناس يتزاحمون، ويخافون من أن يخسروا دورهم"، مشيراً إلى "أطفال صغار بين الأقدام، وأشخاص يسقطون أرضاً بسبب التزاحم، وصراخ يعمّ المكان".
وفي الساعات الأولى من صباح كلّ يوم، يهرع الآلاف من سكان قطاع غزة إلى المطابخ الخيرية من أجل تحصيل الطعام لعائلاتهم، علماً أنّ أعداد الأطفال كبيرة بين هؤلاء الفلسطينيين، في وقت حذّر برنامج الأغذية العالمي من أنّ مخزوناته الغذائية في القطاع قد نفدت، وسط الحصار المشدّد الذي تفرضه إسرائيل على القطاع.
وقال المدير العام للجنة الدولية للصليب الأحمر بيير كرانبول، اليوم الاثنين، خلال منتدى بالعاصمة القطرية الدوحة، إنّ "شرارة جحيم جديد" انطلقت مع استئناف إسرائيل حربها على قطاع غزة وتشديد حصارها عليه، بعد هدنة هشّة لم تدم شهرَين. وتحدّث عن "موت وإصابات (حرب) ونزوح متكرّر وأطراف مبتورة (...) وجوع وحرمان من المساعدات والكرامة على نطاق واسع".
وقد تفاقمت الأزمة الإنسانية في قطاع غزة إلى حدّ كبير مذ منعت إسرائيل كلياً إدخال المساعدات الإنسانية والإمدادات المختلفة إلى الفلسطينيين المحاصرين، في الثاني من مارس/ آذار الماضي، قبل أن تستأنف حربها في 18 من الشهر نفسه.
ويبدو كبيراً عبء المسؤولية الذي أُلقي على كاهل الصغير يوسف النجار، بعد استشهاد والده خلال الحرب التي ترتكبها إسرائيل في قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023. فقد أتى هذا العبء قبل أوانه بكثير. ويقول: "أبي استشهد.. وأنا كبير إخوتي، ويجب عليّ أن أكون رجلاً". هو لا يحلم بالألعاب ولا بما يحبّه الأطفال في العادة، بل بأمر بسيط جداً؛ أن يجلس مع والدته وأخته حول مائدة ويتناولوا الطعام بسلام من دون خوف من انقطاع الحطب أو الأرزّ أو الوقوف في الطوابير الطويلة من دون طائل.
واعتاد يوسف الهرولة كلّ صباح إلى المطبخ الخيري، ويخبر أنّ "القدر تقع من يدي أحياناً، وسط الازدحام الشديد، ويسقط كلّ الطعام (الذي فيها) على الأرض. فأعود الى عائلتي خالي الوفاض... عندها أشعر بالقهر أكثر".
ووثّقت وكالة فرانس برس مشاهد تجمهر العشرات من الأطفال حول "تكيّة" في مدينة غزة، فيتدافعون بأوانيهم في محاولة يائسة للحصول على طعام يسدّون جوعهم به. وفي محاولة لدفع الحشد إلى الوراء، يضرب أحدهم صبيّاً عندما يقترب من وعاء مملوء بالأرزّ الطازج.
وكان برنامج الأغذية العالمي من بين أبرز مقدّمي المساعدات الغذائية في قطاع غزة المحاصر، قد أفاد يوم الجمعة الماضي بأنّ "من المتوقّع أن تفرغ المطابخ الخيرية من الطعام تماماً في الأيام المقبلة"، مضيفاً أنّ "التكيّات" هي المصدر الوحيد للمساعدات الغذائية لعشرات آلاف الفلسطينيين في غزة.
"تمنّيت لو أموت"
وتشكو عايدة أبو ريالة (42 عاماً) من منطقة النصيرات في وسط قطاع غزة، قائلةً: "ليست عندي أيّ كسرة خبز. لا طعام لعائلتي. لذلك أضطرّ للذهاب إلى التكيّة على الرغم من معاناتي، وسط الزحام والصراخ والتصادم". تضيف أنّ "الأعداد كبيرة، وكلّهم جائعون مثلنا. أنتظر مع ابني دورنا في طابور التكيّة، تحت أشعة الشمس، وقبلها وسط البرد. وفي أحيان كثيرة، أعود بلا طعام لانتهاء الكمية".
وكان منزل عائلة أبو ريالة قد دُمّر في غارة جوية، وهي اليوم تعيش في خيمة مصنوعة من النايلون. في أحد الأيام، انتظرت عايدة ثلاث ساعات، فتقرّحت قدماها من الوقوف، وحين وصلت أخيراً إلى نقطة التوزيع، كان الطعام قد نفد. وتتابع: "عدت إلى المنزل ويداي فارغتان. أطفالي بكوا (...) في تلك اللحظة، تمنيت أن أموت بدلاً من رؤيتهم جياعاً مرّة أخرى".
من جهتها، فاتن المدهون (52 عاماً) طاهية متطوّعة تدير مطبخاً خيرياً في بيت لاهيا شمالي قطاع غزة. وهي تطبخ مع 13 متطوّعاً ومتطوّعة آخرين على الحطب، من دون مطابخ ملائمة أو معدّات لازمة. وتقول: "أحياناً نجهّز 500 وجبة، لكنّ أكثر من 600 شخص يقصدوننا". وتؤكد أنّ "الحاجة هائلة، والطعام لا يكفي الجميع. مع كلّ يوم تبقى فيه المعابر مغلقة، تشتدّ الأزمة أكثر فأكثر".
ومع اختفاء الطحين من الأسواق وإغلاق المخابز وتحوّل الخضراوات الأساسية إلى سلع نادرة، صارت التكيّات أو المطابخ الخيرية المصدر الوحيد المتبقّي للطعام بالنسبة إلى عشرات آلاف.
"نريد أن نعيش بكرامة" في غزة
علاء أبو عميرة (28 عاماً) نازح من بيت لاهيا شمالي قطاع غزة إلى خانيونس جنوبي القطاع، يقول: "عندما أصل إلى طابور التكيّة، لا تكون الشمس قد أشرقت بعد"، مضيفاً أنّ الفلسطينيين "يتزاحمون هنا، ويحصل أحياناً تدافع خطر". ويتابع: "رأيت طفلاً وقع وجُرح، ولم يتمكّن أحد من مساعدته نظراً إلى شدّة الازدحام. ورأيت كذلك طفلة وقع عليها طبق الطعام وأحرقها، فنُقلت إلى المستشفى".
ويشير علاء إلى أنّه حين يتمكّن المرء من الحصول على وجبة طعام من المطبخ الخيري، فهي تكون باردة في الغالب، كذلك يشكو من مذاقها ومن تكرار الوجبات نفسها؛ بازلاء وفاصولياء معلّبة وأرزّ لم ينضج جيداً. ويكمل أبو عميرة أنّ "بطوننا بالكاد تحتمل، لكن ما الذي بوسعنا فعله... الجوع يكسر كلّ شيء".
وعلى الرغم من المعاناة اليومية، تواظب عايدة أبو ريالة على الحضور إلى المطبخ الخيري لتأمين الطعام لعائلتها. وتقول: "حتى الطعام صار يتطلّب حظاً. لكنّني سوف أحاول الوصول غداً في وقت مبكر أكثر، لعلّي أحصل على طبق أرزّ". وتردف مع تنهيدة: "فقط، نريد أن نعيش بكرامة".
(فرانس برس، العربي الجديد)