مسنّون سوريون بلا تدفئة أو رعاية لمواجهة البرد القارس

16 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 17:09 (توقيت القدس)
يزيد الشتاء من معاناة كبار السن (العربي الجديد)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني كبار السن في ريف حلب وإدلب من نقص وسائل التدفئة والمراكز الصحية، مما يعرضهم لمضاعفات خطيرة بسبب الأمراض المزمنة في ظل فقر متزايد وغياب الدعم الكافي.

- يواجه المسنون في المناطق النائية صعوبة في متابعة حالتهم الصحية بسبب بعدهم عن المراكز الصحية وارتفاع تكاليف النقل، مما يضطرهم للاختيار بين تأمين الدواء أو الوقود.

- تتفاقم معاناة المسنين في مخيمات النزوح بسبب الظروف السكنية الهشة، مما يزيد من مخاطر الأمراض، ويستدعي تدخلاً عاجلاً لتأمين وقود التدفئة وتوسيع برامج الرعاية الصحية المتنقلة.

مع اقتراب درجات الحرارة من الصفر في ريف حلب وإدلب شمال سورية، يتحوّل فصل الشتاء إلى اختبار قاسٍ لقدرة كبار السن على الصمود. أجساد أنهكتها سنوات العمل والنزوح، وأمراض مزمنة تتفاقم مع كل موجة برد، وبيوت تفتقر لأبسط وسائل التدفئة. في القرى والمخيّمات على حد سواء، يجد كبار السن أنفسهم وحيدين في مواجهة البرد القارس وسط فقر متزايد، وغياب شبه كامل للمراكز الصحية، وعجز الأسر عن تأمين الدواء ووسائل التدفئة في الوقت نفسه.

ويشكو كبار السن من غياب المراكز الصحية المجهزة، خصوصاً في المناطق الريفية النائية، إذ تحتاج الأمراض المزمنة، مثل القلب والسكري وأمراض الجهاز التنفسي، إلى متابعة مستمرة، إلّا أن ضعف الإمكانات وقلة الأطباء وارتفاع تكاليف النقل تحول دون ذلك، ما يترك المسنين عرضة لمضاعفات خطيرة مع كل موجة برد.

وقال محمود الهواش (68 عاماً) من ريف إدلب الجنوبي، لـ"العربي الجديد": "أعاني من مرض الربو وارتفاع ضغط الدم منذ سنوات، ومع كل ليلة باردة تزداد معاناتي على نحوٍ مضاعف، يشتد السعال ولا أجد وسيلة حقيقية لتدفئة الغرفة سوى بطانية قديمة لم تعد تقي من قسوة البرد. المازوت أصبح حلماً بعيد المنال، أما الحطب وإن توفر أحياناً، فإن أسعاره تفوق قدرتنا المادية بأضعاف".

ويضيف الهواش: "انقطاع التدفئة لا يقتصر أثره على الشعور بالبرد فحسب، بل ينعكس مباشرةً على صحتي. البرد يزيد من نوبات الربو ويرفع ضغط الدم، ويجبرني على البقاء في الفراش معظم الوقت، عاجزاً عن الحركة أو القيام بأبسط شؤون حياتي اليومية"، ويتابع: "في مثل هذه الظروف، يشعر المسن بأنه متروك لمصيره، فالعلاج مكلف، والتدفئة مفقودة، وكل شتاء يمر علينا هو اختبار قاس للصبر والتحمل، في ظل غياب أي دعم يخفف من معاناة كبار السن الذين أنهكتهم الأمراض وقسوة الظروف المعيشية، سواء في سنوات النزوح أو بعد عودتنا إلى قرانا المهدمة".

أما صبحية الأحمد (72 عاماً)، من إحدى قرى ريف حلب الشمالي، فتروي قصتها بقولها إنّ الفقر وغياب الخدمات الصحية يجعلان فصل الشتاء عبئاً مضاعفاً على كبار السن، ولا سيّما أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة ويعيشون في مناطق نائية، وتوضح الأحمد لـ"العربي الجديد" أنها تعيش مع زوجها المصاب بمرض السكري من دون أي مصدر دخل ثابت أو مساعدات منتظمة، الأمر الذي يضعهما أمام خيارات قاسية مع كل شتاء، بينما تكون الأولوية غالباً لتأمين الدواء على حساب الوقود، ما يضطرهما لتحمل انخفاض درجات الحرارة داخل المنزل لساعات طويلة، في ظلّ غياب وسائل تدفئة آمنة أو كافية.

وتلفت الأحمد إلى أنّ بعدها الجغرافي عن الخدمات الصحية يزيد من هشاشة وضعهما، إذ يبعد أقرب مركز صحي أكثر من 20 كيلومتراً عن قريتهما، ما يجعل مراجعة الطبيب أو إجراء الفحوصات الدورية أمراً بالغ الصعوبة، خاصة في أيام الشتاء القاسية حين تصبح الطرق شبه معزولة وموحلة ويصعب تأمين وسائل النقل.

وتؤكد الأحمد أن مشكلتها الأساسية تكمن في العزلة وغياب الحد الأدنى من الرعاية الصحية، إلى جانب العبء النفسي المترتب على القلق الدائم من نقص الأدوية أو تدهور صحة زوجها، في ظلّ ضعف الاستجابة الإنسانية واستمرار تجاهل احتياجات المسنين في المناطق الريفية النائية، وتقول: "نحن هنا بين جدران باردة نعيش شتاء صعب يهدّد صحتنا وكرامتنا، بانتظار استجابة إنسانية عاجلة تقينا برد الشتاء وتحفظ ما تبقى من أعمارنا".

وفي مخيّمات النزوح، تتخذ معاناة المسنين بعداً أكثر قسوة وخطورة، في ظلّ ظروف سكنية هشة وافتقار شبه كامل لوسائل التدفئة الآمنة. ويقول خالد مراد، التسعينيّ المقيم في أحد المخيّمات، لـ"العربي الجديد"، إنّ الخيام المصنوعة من القماش والنايلون لا توفر أي حماية حقيقية من الصقيع، ما يجعل ليالي الشتاء الطويلة مصدر ألم ومعاناة لحالته، وخاصة أنه مصاب بالتهاب مفاصل مزمن.

ويشير خالد إلى أن انخفاض درجات الحرارة يؤدي إلى تفاقم آلام المفاصل لديه ويحد من قدرته على الحركة أو النوم على نحوٍ طبيعي، في وقت تعجز فيه العائلة عن تأمين وسائل تدفئة مناسبة. ويلفت خالد إلى أن المساعدات الشتوية التي توزع في المخيّمات إن وصلت، تبقى محدودة وغير كافية لتلبية الاحتياجات الأساسية، كما أنها لا تشمل جميع العائلات، ما يترك العديد من كبار السن في مواجهة مباشرة مع البرد والأمراض دون أي حماية، ويضيف أن هذا الواقع يزيد من شعور العجز والقلق، في ظلّ غياب حلول مستدامة تراعي خصوصية المسنين واحتياجاتهم الصحية، وتخفف من المخاطر اليومية التي تهدّد حياتهم داخل المخيّمات.

من جانبه، أوضح الطبيب في الأمراض الداخلية أيمن المصطفى أن البرد القارس يشكل تهديداً مباشراً على حياة المسنين في هذه المناطق، وخاصة مع انخفاض درجات الحرارة، ما يزيد من احتمالات الإصابة بالتهابات الجهاز التنفسي، ويضاعف مخاطر الجلطات وأزمات القلب لدى كبار السن، خصوصاً في ظل سوء التغذية وغياب التدفئة، ويؤكد في حديثه لـ"العربي الجديد" أن غياب المراكز الصحية القريبة ونقص الأدوية الأساسية يفاقم الوضع، داعياً إلى "تدخل عاجل لتأمين وقود التدفئة، وتوسيع برامج الرعاية الصحية المتنقلة، وتقديم مساعدات مالية مخصّصة للمسنين".

المساهمون