استمع إلى الملخص
- تطورت الصناعة منذ عهد أسرة تشينغ وازدهرت بعد وفاة ماو تسي تونغ، مع إنشاء أول سوق جملة في 1983، مما ساهم في مضاعفة الإنتاج وانتشار المتاجر.
- تواجه الصناعة تحديات العصر الرقمي، لكن تبقى مرنة بفضل الطلب المستمر مع تسجيل أكثر من 28 ألف وفاة يوميًا.
ازدهر في الصين خلال السنوات الأخيرة سوق من نوع خاص مرتبط بلوازم وحاجيات تنظيم الجنائز، مثل الزهور الورقية والتماثيل المصنوعة من الكرتون والأبيات الشعرية الرثائية المخصّصة للجنائز الصينية التقليدية ومراسم التأبين. في أحد شوارع مدينة باودينغ بمقاطعة خبي الشمالية، تتراص متاجر بيع لوازم الموتى، والتي تعرض ما يقارب 10 آلاف نوع مختلف من البضائع والإكسسوارات الخاصة بتنظيم الجنائز. وفي كل عام، قبيل مهرجان كنس المقابر السنوي، الذي يُصادف بداية إبريل/ نيسان، يتوافد المتسوقون إلى هذه المتاجر لشراء هدايا تُخلّد ذكرى أسلافهم.
وتُشكّل المدينة نحو 90% من سوق لوازم الجنائز في الصين، مُسجّلةً إنتاجاً سنوياً يقارب مليار يوان (نحو 140 مليون دولار أميركي). وحسب الثقافة الصينية، تُعدّ القرابين الورقية ركناً أساسياً في العادات التقليدية لإحياء ذكرى الموتى، إذ يعتقد الناس أن الموتى سيباركون أقاربهم الأحياء ويضمنون سعادتهم، لذا يُرسلون أكبر قدر ممكن من ثرواتهم الدنيوية إلى الآخرة، لينعم أسلافهم المتوفون بحياة أكثر راحة، كما أنّ الاعتقاد بأنّ الموتى يستحقون أقصى درجات الاحترام يعني أن المشترين نادراً ما يساومون على الأسعار، ما يسمح بهوامش ربح ضخمة على بعض المنتجات، خصوصاً الثمينة.
واستناداً إلى هذا المعتقد، توفر الأسواق كل ما قد يحتاجه المرء في آخرته، إذ تمتلئ رفوف المتاجر بكل أنواع المنتجات الورقية من المشروبات، والخضراوات، والهواتف المحمولة، إلى أجهزة التلفزيون، وأسطوانات غاز الطهي، والدراجات الكهربائية، وجوازات السفر، كما تتلقى المتاجر طلبات منتجات مُصمّمة خصيصاً، مثل نسخ طبق الأصل من مقتنيات نادرة أو سلع فاخرة، بما في ذلك سيارات لامبورغيني، وبورش، ومرسيدس، وحتى فيلا مُصغرة من ثلاث طبقات مع خادمات، وفناء.
تقول الباحثة الاجتماعية شو شيا، لـ"العربي الجديد"، إنّ مراسم الجنائز هي في جوهرها خدمة إنسانية، وشكل من أشكال الاستهلاك العاطفي لإرضاء الذات من خلال مراسم مصمّمة بعناية وصرف مبالغ طائلة، تهدف جميعها إلى تعويض الأحياء عن شعورهم المحتمل بالذنب تجاه المتوفى، أو إلى خلق مشهد تمثيلي لإحياء ذكرى الموتى، مع الحفاظ على مظهر من اللياقة والقيم الاجتماعية.
وتوضح شيا: "تاريخياً، ووفقاً لسجلات المدينة، ظهرت صناعة لوازم التأبين في باودينغ في عهد أسرة تشينغ (1644-1911). في ذلك الوقت، كانت النساء يصنعن الزهور الورقية والأكاليل لاستخدامها في تشييع الموتى، وكان ذلك يقتصر على نطاق المدينة، ولكن في عام 1976، بعد وفاة الزعيم الصيني ماو تسي تونغ، صارت هذه الزهور جزءاً من تقاليد الجنائز في أنحاء البلاد، وزاد الطلب عليها، وبدأت المدينة شحن منتجاتها إلى مدن ومقاطعات أخرى".
وتتابع: "مع ازدهار هذه العادات واتّساع شعبيتها، أُنشئ أول سوق جملة خاص في المدينة عام 1983. وفيما بعد عملت السلطات المحلية على تطوير هذه الصناعة، وجذب المورّدين والمشترين، وعزّزت تنظيم القوى العاملة المحلية، ما ضاعف من عمليات الإنتاج. لا يكاد شارع يخلو من اللوحات الإعلانية التي تشير إلى سبل الوصول إلى السوق الأساسي أو المتاجر الفرعية".
يدير الخمسيني لو وي، أحد متاجر مدينة باودينغ، ويقول لـ"العربي الجديد"، إن الحركة التجارية تنشط خلال مهرجان كنس المقابر السنوي، ويزداد الطلب على مستلزمات الجنائز، ويرافق ذلك ارتفاع الأسعار، إذ تُباع باقة الزهور الورقية في الأيام العادية بنحو مئة يوان صيني (14 دولاراً)، ويرتفع سعرها خلال أيام المهرجان إلى ثلاثمئة يوان. وهذا ينسحب على البضائع الأخرى.
ويلفت إلى أن الطلب زاد خلال جائحة "كوفيد - 19" التي استمرت لنحو عامين، وشهدت ارتفاعاً في عدد الوفيات، ولا سيّما كبار السن ومن يعانون أمراضاً مزمنة. ويكشف عن تحديات كبيرة تواجه هذه الصناعة، لها علاقة بالعصر الرقمي، ودمج مراسم الجنائز بالتكنولوجيا. موضحاً أن "هذه الظاهرة انتشرت عندما كانت مناطق عدة تتعرض للحجر الصحي، ما دفع العائلات إلى إحياء مراسم الجنائز عبر التطبيقات الإلكترونية".
ويرى لو وي أن "مستقبل صناعة الجنائز بات يعتمد إلى حد كبير على التكنولوجيا، ففي ظل الانشغال بزحمة الحياة، صار مألوفاً التعبير عن الحزن عبر رسائل نصية قصيرة، ومكالمات فيديو، وحتى إقامة شعائر جنائزية عبر مجموعات دردشة تضم ذوي الفقيد، ما يؤثر على العادات المتوارثة والقيم الاجتماعية".
رغم ذلك، تبقى الحقيقة الثابتة أن الصين تسجّل أكثر من 28 ألف وفاة يومياً، ما يجعل الجنائز قطاعاً قائماً بذاته، وهو الأكثر مرونة في مواجهة التقلبات مهما تتهاوى الظروف الاقتصادية، ما يعطي الأمل للقائمين على هذه الصناعة بالاستمرار في جني المزيد من الأرباح.