يتصدر مستشفى رمبام في حيفا قائمة المستشفيات في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو الذي ذاع صيته منذ تأسيسه عام 1938 في فترة الانتداب البريطاني تحت تسمية "مستشفى حيفا الحكومي"، قبل أن تُغيّر إسرائيل تسميته.
يُعتبر مستشفى رمبام في حيفا، الذي يحمل اليوم اسم الحاخام اليهودي الأندلسي موسى بن ميمون المعروف بـ"رمبام"، أبرز المستشفيات الإسرائيلية في الشمال، وأحد أهمها وأكبرها على مستوى المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 قاطبةً. وكثيراً ما يتردد اسم المستشفى في المواد الإخبارية، ولا سيّما في أوقات الحرب على الجبهة الشمالية، فتنشط المروحيات العسكرية الإسرائيلية بنقل الجنود المصابين من الأراضي اللبنانية على وجه الخصوص، إلى مستشفى رمبام حيث تحطّ في مهبطه المحاذي للبحر.
اطرح أسئلة حول هذا الموضوع
يتم إنشاء النصوص والإجابات بواسطة الذكاء الاصطناعي اعتمادًا على تقارير العربي الجديد، لذا يُنصح بالتحقق من المصادر المرفقة. (خدمة تجريبية)
هذا الموقع محمي بواسطة reCAPTCHA وتطبّق عليه سياسة الخصوصية وشروط الخدمة الخاصة بشركة Google.
كما عاد المستشفى بقوة إلى الواجهة في الأيام الأخيرة، بعد تحريض مواطن إسرائيلي متطرف على الفرق الطبية العربية التي تقدّم العلاج لشقيقه المصاب، وما أعقبها من ردات فعل، منها المؤيدة له وأخرى مدافعة عن الطواقم العربية ورافضة لتحريضه. لكن هذه المسألة ليست موضوع تقريرنا، إنما العودة إلى جوانب من الماضي تتعلق بـ"مستشفى حيفا الحكومي" القائم منذ العام 1938، في فترة الانتداب البريطاني على فلسطين، كما أُطلق عليه لفترة على المستوى الشعبي، اسم الطبيب اللبناني الجرّاح نايف حمزة الذي ذاع صيته قديماً، وأداره لفترة.
دير الراهبات وعراقة المكان
أول ما يراه الزائر من جهة المدخل الرئيسي للمستشفى، مبنىً حجري قديم، لافت بعراقته وجماله، يُبهر الأنظار، وتحيط به بعض أشجار النخيل المزروعة حديثاً. ويقول المؤرخ الفلسطيني الحيفاوي جوني منصور، في حديث إلى "العربي الجديد": "إنّ هذا المبنى الحجري الخارجي كان قديماً دير الراهبات الكرمليات، فيما يسمّيه غالبية الناس دير الزَوَرة، من كلمة زيارة، أو المكان الذي تحلّ زيارته".
يبدو مدخل "رمبام" كأنّه حديقة كبيرة يتوسطها الدير الذي صار اليوم جزءاً من المستشفى، وعلى مقربة منه مبنى قديم آخر، كان سابقاً عبارة عن مدرسة تابعة للدير، بنظام داخلي للبنات. يعود تاريخ الدير، وفق منصور، إلى "أواخر القرن التاسع عشر، ما قبل قيام المستشفى". ويضيف: "هو دير فيه فرمان تركي (عثماني)، ولديّ نسخة من هذا الفرمان (لحمايته). أمّا المدرسة فقد بقيت تعمل حتى مطلع ستينيات القرن الماضي، إلى أن استولى مستشفى رمبام على المبنى".
حكاية الطبيب اللبناني
أُقيم المستشفى عام 1938 في فترة الانتداب البريطاني، وسبقه بناء الدير بنحو 40 عاماً. يوضح منصور أنه عُرف باسم "المستشفى الحكومي"، وأُقيم ليخدم المنطقة وأيضاً القوات البريطانية المسلّحة، البرية والبحرية والجوية، ومقرّها حيفا التي شكّلت الموقع الأهم بالنسبة للجيش البريطاني على الساحل الشرقي للمتوسط.
وبحسب منصور "عُيّن جون هربرت طومسون مديراً إدارياً للمستشفى، وكان يضمّ ثلاثة أقسام؛ أهمها قسم الجراحة الذي تولّى إدارته الدكتور نايف حمزة، وهو طبيب من قرية عبيه اللبنانية، وخرّيج الجامعة الأميركية في بيروت. في تلك الفترة وصل عدد من الأطباء إلى فلسطين، وكان هو أحدهم. وفي ضوء شهرته التي اكتسبها في الجراحة، صار المستشفى يُسمّى عند أهل البلاد العرب، مستشفى الدكتور حمزة. ولم تكن هذه تسمية رسمية، ولكنّها باتت تسمية متعارفاً عليها". ويتابع: "كان والدي يحدّثني دائماً عن عملية أجراها له الدكتور حمزة عام 1946، وكان كثير الثناء عليه. وقد سكن حمزة قرب الحيّ الألماني في حيفا، ومنزله معروف لي، وبقي حتى سقوط المدينة عام 1948".
ويضيف منصور: "لم يحتمل حمزة سيطرة اليهود على حيفا، وخصوصاً على المستشفى الذي كان يعمل فيه أطباء بريطانيون وعرب ويهود من المهاجرين الذي قدموا إلى البلاد. بعد سقوط المدينة بفترة قصيرة جداً، قرّر العودة إلى لبنان، وما أعلمه أنّه استمر في مزاولة الطب هناك حتى وفاته".
"رمبام"
بعد النكبة الفلسطينية في العام 1948، غيّرت إسرائيل الاسم من "المستشفى الحكومي" إلى مستشفى رمبام، تيمّناً بالطبيب اليهودي "رمبام" أو باسمه، موسى بن ميمون، والذي يقول عنه جوني منصور، إنّه "كان طبيباً وفيلسوفاً، وفقيهاً شرعياً في الدين اليهودي، والذي توجّه من شمال أفريقيا إلى مصر في القرن الثالث عشر تقريباً، واستقر فيها، وكان مقرّباً من صلاح الدين الأيوبي وطبيبه الشخصي لفترة معيّنة، بعدما عجز أطباؤه عن مداواته من جرّاء إصابته بمرضٍ معيّن. كان بن ميمون طبيباً مرموقاً، وفي الوقت نفسه، فقيهاً متشدّداً بالشريعة اليهودية".
غياب الأطباء العرب لسنوات
بعد نكبة العام 1948، ومغادرة الطبيب اللبناني نايف حمزة، لم يعد هناك أطباء عرب في مستشفى رمبام. ولكنّ المؤرخ جوني منصور، يستذكر طبيباً آخر وصل إلى البلاد، قادماً من لبنان أيضاً، وهو الدكتور موفق دياب، وذلك بعد نايف حمزة بسنوات، واستقر في مدينة شفاعمرو في شمال البلاد، إلى أن توفي فيها قبل نحو عقدين من الزمن. وقد عُرف دياب في مناطق عدّة في الجليل الغربي مثل طمرة وشفاعمرو، حيث كان يتنقل على الحصان لمعالجة المرضى، كما كانت له عيادة تحت منزله. ودياب أيضاً خرّيج الجامعة الأميركية في بيروت، مثل نايف حمزة، ولكنّه كان أكبر منه سنّاً، كما أنّه لم يعمل في مستشفى رمبام، ولكنّه كان أحياناً يرسل مرضاه إليه.
ويلفت منصور إلى أنّ الأمر استغرق سنواتٍ حتى بدأ أطباءٌ عرب يلتحقون بالمستشفى من جديد. كان جزء منهم من خرّيجي الجامعة العبرية في القدس، ولاحقاً في أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات، من خرّيجي الاتحاد السوفييتي والدول الاشتراكية وغيرها. ومع الوقت، بات نحو نصف الطواقم الطبية تقريباً في المستشفى من العرب.
وبحسب معلوماتٍ استقاها "العربي الجديد" من طبيب عربي بارز في المستشفى، طلب عدم الكشف عن هويته، يشكّل الأطباء العرب في "رمبام" اليوم، ما يتراوح بين 35 و37% من مجمل الأطباء، ويصل عددهم إلى قرابة 500 طبيب، وبإضافة الممرضات والممرضين قد تتجاوز نسبة العرب 40%. ويشير الطبيب إلى أنّه في سبعينيات القرن الماضي، كان عدد الأطباء العرب قليلاً جداً، بحيث كانوا "يُعَدّون على الأصابع"، أمّا اليوم فقد اختلف الوضع كليّاً، كمّاً وكيفاً، بحيث تؤدي الفرق الطبية العربية دوراً مهماً في المستشفى.