مستحقات التكفل تحرم مرضى ليبيا العلاج في مستشفيات تونس
استمع إلى الملخص
- يُعتبر الليبيون من أبرز الجنسيات التي تتلقى العلاج في تونس، حيث يتوافد نحو 1.5 مليون ليبي سنوياً، وتأخير دفع المستحقات من قبل السلطات الليبية أدى إلى تراكم الديون.
- تسعى السلطات التونسية والليبية لإيجاد حلول للأزمة عبر محادثات تناولت آليات جديدة للعلاج والاستثمار الصحي المشترك، لكن الديون لا تزال عالقة.
أوقفت المستشفيات التونسية الخاصة التعامل مع المرضى الليبيين بصيغة التكفل العلاجي المسبق تجنباً لمزيد من الخسائر، وذلك بعد تجاهل السلطات الليبية دفع المستحقات.
أبلغت مستشفيات تونسية خاصة المرضى الليبيين الذين يعالجون بموجب قرارات تكفل، بأنه لم يعد بإمكانهم العلاج وفق تلك القرارات، وأنهم مطالبون بدفع الكلفة المالية بعد تراكم مستحقات المستشفيات لدى الحكومة الليبية، وتعثر تحصيلها. ويحرم قرار وقف التعامل بصيغة التكفل المسبق الآلاف من المرضى الليبيين الخدمات الصحية في تونس، لا سيما الفقراء الذين يعولون على الدعم الحكومي.
وتأخرت السلطات الليبية خلال السنوات الماضية في دفع مستحقات المستشفيات التونسية الأمر الذي تسبب في تراكم مستحقات تقدر بـ350 مليون دينار تونسي (الدولار = 2.9 دينار). وتحاول المستشفيات إيجاد حلول للملف، لكن من دون جدوى حتى الآن، رغم تكرار المحادثات التي جمعت مسؤولين من البلدين بشأنها، وتكرار وعود ليبية بسدادها.
ويُعدّ الليبيون من أبرز الجنسيات العربية التي تتلقى العلاج في تونس، خصوصاً بعد عام 2011، وتقدر أعدادهم سنوياً بنحو 1,5 مليوناً، من بينهم نحو 500 ألف يتوافدون على المصحات لإجراء تدخلات جراحية.
ويوضح رئيس غرفة المصحات الخاصة في تونس، بوبكر زخامة، أن عدد الليبيين الذين تتولى المصحات علاجهم بمقتضى قرارات التكفل بنحو 250 ألف سنوياً، ويؤكد لـ"العربي الجديد"، أن "قرار وقف قبول التكفل بالمرضى الليبيين وفق صيغة التكفل المسبق كانت تنفذه عدد من المصحات التونسية منذ فترة، قبل أن يعمم على كل المؤسسات الصحية الخاصة أخيراً، بسبب غياب أي بوادر إيجابية لإيجاد حلول لأزمة المستحقات المتراكمة لدى السلطات الليبية، والتي تجاوزت 350 مليون دينار، وهي ديون يعود بعضها إلى عام 2013".
ويتم علاج المرضى الليبيين في تونس عبر مسارين، الأول بصفة فردية على نفقة المريض، والثاني عبر برنامج رسمي تتحمل نفقاته الدولة الليبية، وفي المسار الثاني يحصل المرضى على إحالة رسمية إلى المصحات التونسية بناء على التقارير الطبية الصادرة عن المستشفيات أو اللجان الطبية في ليبيا، والتي تثبت حاجة المرضى إلى علاج بالخارج، مع قرار علاج على نفقة الدولة من وزارة الصحة أو هيئة العلاج بالخارج الليبية، ووفق تنسيق مسبق مع المصحات التونسية بناء على اتفاقيات وتعاقدات موقعة.
وفي المرحلة التالية، يتم إرسال ملفات المرضى إلى المصحات لتحديد تكاليف الخدمات الصحية المطلوبة، لتتولى الدولة الليبية لاحقاً، عبر وزارة الصحة أو السفارة الليبية في تونس، فتح اعتمادات مالية، أو تسديد فواتير العلاج مباشرة للمصحات، وفي بعض الحالات يمنح المرضى بطاقات ضمان أو رسالة رسمية تثبت أن التكلفة ستدفعها السلطات الليبية، كما تتكفل الدولة الليبية في بعض الحالات بمصاريف المرافقين أيضاً.
ووفق التدابير المعمول بها منذ سنوات، تتولى السفارة الليبية في تونس، أو مكاتب خاصة تابعة لوزارة الصحة الليبية، الإشراف على متابعة الملفات، ودفع فواتير المصحات، غير أن تأخير المستحقات لفترات طويلة تسبب في تراكم الديون. ويشكل الليبيون نحو 70% من المرضى الأجانب الذين يتلقون العلاج في القطاع الصحي التونسي، وفق البيانات الرسمية، ويقول رئيس غرفة المصحات الخاصة، إن "أغلبية المرضى الليبيين الذين يتوافدون على تونس للعلاج يتعاملون مع القطاع الخاص، وهناك نحو مليون عيادة تونسية تتعامل مرضي ليبيين سنوياً، ما يستلزم معالجة الإشكاليات القائمة لتحسين التكفل بالمرضى".
ويؤكد زخامة أن "الديون الليبية للمصحات التونسية التي يتعذر استخلاصها تتراكم منذ سنوات، وجرت مفاوضات بشأنها في أكثر من مناسبة، كما تم تشكيل لجنة للتدقيق فيها منذ سنة 2018، وختمت اللجنة أعمالها في 2023، ورغم ذلك لا يزال ملف تسوية الديون عالقاً. اقترحت السلطات الليبية في العام الماضي، خلال مباحثات جمعت وزير ماليتها ومسؤولي غرفة المصحات الخاصة مقايضة الديون كاملة بشحنات نفطية تصدرها ليبيا إلى تونس، على أن تتولى الدولة التونسية سداد الديون بالمقابل. وقبلت الغرفة مقترح المقايضة، غير أن الصفقة لم تتم، لتقرر المصحات تغيير طرق التكفل بالمرضى الليبيين".
وتنفق ليبيا على علاج المرضى في الخارج في إطار دعم معمول به منذ سنوات طويلة، لكن السنوات الست الأخيرة شهدت تراكماً في سداد قيمة العلاج بالخارج، واستمر ذلك مع توسع الأزمة الاقتصادية التي تعاني منها الدولة بسبب الصراعات السياسية والعسكرية، وتراجع مواردها النفطية.
ويعتبر رئيس غرفة المصحات الخاصة التونسية أن "تسوية الملف يساعد على دعم التعاون الصحي بين البلدين، وينمى قدرة القطاع الخاص التونسي على تقديم خدمات صحية ذات جودة. يجب أن تتدخل الدولة التونسية لضمان حقوق المصحات، وإيجاد تسويات مالية مع الجانب الليبي ضمانا للحقوق".
وخلال شهر فبراير/شباط الماضي، بحثت السلطات التونسية آليات العلاج الجديدة في لقاء جمع وزير الصحة مصطفى الفرجاني بوفد ليبي رفيع المستوى ضم رئيس جهاز دعم وتطوير الخدمات العلاجية أحمد مليطان، والسفير الليبي في تونس مصطفى قدارة، والمستشار الأول بالسفارة الليبية هيثم الصويعي.
وقالت وزارة الصحة التونسية في منشور على صفحتها الرسمية في "فيسبوك" حينها، إن المحادثات بين مسؤولي البلدين تناولت آليات جديدة للعلاج والاستثمار الصحّي المشترك، وتسوية الملفات العالقة المتعلقة بديون المؤسسات الصحيّة العمومية والخاصة، وجرى الاتفاق على إطلاق منصة موحدة لمتابعة المريض منذ وصوله إلى تونس حتى انتهاء علاجه، وإحداث مكتب تسجيل موحد للمرضى الليبيين في المصحات الخاصة لضمان الشفافية والمراقبة المستمرة.
وقال مصدر بسفارة ليبيا في تونس، فضل عدم كشف هويته، لـ"العربي الجديد"، إن "السفارة تتحفظ عن تقديم إجابات بشأن ديون المصحات الخاصة لدى الدولة الليبية في الوقت الحالي، وأن القسم الصحي بالسفارة المكلف بإصدار قرارات التكفل بالمرضى الليبيين لا يملك حلولاً لمعالجة هذا الملف".
ويرى رئيس المرصد التونسي لحقوق الانسان، مصطفى عبد الكبير، أن ملف ديون المصحات التونسية لدى الدولة الليبية بدأ يتحوّل إلى أزمة تؤثر على حقوق المرضى في الحصول على العلاج. وقال لـ"العربي الجديد"، إن "أغلب المرضى الذين يفدون إلى تونس للعلاج بمقتضى قرارات التكفل يعانون من أمراض مزمنة، أو تتطلب تدخلات جراحية مكلفة، ما يفاقم فواتير علاجهم لدى المصحات. يجب أن تعمل سلطات البلدين على حسم هذا الملف، وتحسين التعاون بين البلدين، وعلى رأسه التعاون الصحي باعتباره من بين أبرز المجالات التي يمكن تطويرها".
وقبل عامين، حاولت العمادات الطبية التونسية والليبية تحسين تعهد الأطباء التونسيين بالمرضي الليبيين في بلادهم، وجرى في مايو/ أيار 2023، توقيع اتفاق تعاون بين نقيب الأطباء الليبيين محمد الغوج، ورئيس المجلس التونسي لعمادة الأطباء رضا الضاوي، يسمح للأطباء الليبيين والتونسيين بالعمل بين البلدين رسمياً، بوصفه أحد الحلول لأزمة الخدمات الصحية المتردية في ليبيا، وتجاوز العقبات التي تواجه المرضى الليبيين، وكذلك مشكلات تحدث نتيجة عمل أطباء تونسيين في ليبيا خارج القانون.