مرضى حساسية القمح... غزيون يعجزون عن تناول ما هو متوفر

05 يونيو 2025   |  آخر تحديث: 05 يونيو 2025 - 00:36 (توقيت القدس)
بالكاد يتوفر الخبز في قطاع غزة، 22 مايو 2025 (دعاء الباز/الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني مرضى حساسية القمح في غزة من أزمة غذائية حادة بسبب الحصار ونقص المواد الغذائية، مما يضطرهم لتناول أطعمة تحتوي على الغلوتين، مؤدية إلى مضاعفات صحية خطيرة.
- يواجه الأطفال المصابون بحساسية القمح تحديات كبيرة في الحصول على الغذاء المناسب بسبب ارتفاع تكلفة الأطعمة الخالية من الغلوتين ونفادها من الأسواق، مما يزيد من معاناتهم الصحية.
- يعتبر حرمان مرضى حساسية القمح من غذائهم الخاص انتهاكًا للحقوق الإنسانية، حيث يطالب المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان بإدخال المساعدات الغذائية الخاصة بهم.

رغم قساوة الحياة في غزة والنقص الحاد في الغذاء، يجد البعض أنفسهم عاجرين حتى عن تناول ما هو متوفر، من بينهم مرضى حساسية القمح الذين يحتاجون إلى غذاء خاص، ما يهدد حياتهم

تبدو معاناة الطفل الفلسطيني إبراهيم الخزندار (7 أعوام) كبيرة في ظل الحصار ونقص المواد الغذائية، وخصوصاً أنه مصاب بحساسية القمح. والأخيرة عبارة عن تفاعل تحسّسي ضد الأطعمة التي تحتوي على القمح. ويمكن أن تحدث التفاعلات التحسّسية بسبب تناوُل القمح وفي بعض الحالات أيضاً عن طريق استنشاق دقيق القمح. ويتسبب نفاد المواد الغذائية في زيادة أزمة إبراهيم الغذائية، لاعتماده على أصناف محددة تخلو من الغلوتين.
ويواجه مرضى حساسية القمح في قطاع غزة موتاً بطيئاً جراء حرمانهم من الحصول على الغذاء الخاص بهم، وخصوصاً الدقيق الخالي من الغلوتين وغيره. ويعاني نحو 1288 شخصاً في القطاع من حساسية القمح. ويتسبب أي تناول غير مقصود أو متكرر لمادة الغلوتين ضمن الأغذية التقليدية كطحين القمح أو بعض أصناف الحلويات بنوبات صحية خطيرة، فيما يؤثر النقص الحاد في الأصناف الغذائية على الحالة الصحية للمرضى، وقد فقد البعض الكثير من الكيلوغرامات من أوزانهم.
قبل الحرب، كان هؤلاء يحصلون على نحو 25 كيلوغراماً من الدقيق الخاص شهرياً، إلا أن العدوان المستمر تسبب في حرمان غالبيتهم من دقيق الذرة، فيما يؤدي توقف تزويد المرضى بالدقيق الخالي من الغلوتين إلى اضطرارهم إلى استهلاك أنواع غير آمنة من الأغذية، كالأرز والنشويات العادية.
ويتسبب كسر الحمية في تعريض المرضى لمضاعفات صحية خطيرة، مثل التهاب الأمعاء، وضمور الأغشية المخاطية، وفقر الدم، وهشاشة العظام، واضطرابات الامتصاص، وهي أمراض تؤدي تدريجياً إلى تدهور في الجهاز الهضمي، وقد تفضي إلى الوفاة في حال استمرار هذا الحرمان، مع ارتفاع احتمال إصابتهم بسرطان الأمعاء.
ويبين الناشط الحقوقي تحسين الخزندار، والد الطفل إبراهيم، أنه تم تشخص إصابة طفله بمرض حساسية القمح بعد عام على ولادته، بعدما لوحظ إنخفاض وزنه من 12 كيلوغراماً إلى 8 خلال ثلاثة أشهر، الأمر الذي استدعى فحصه ومتابعة حالته الصحية لدى عدد من الأطباء. ويقول لـ "العربي الجديد"، إن نسبة حساسية القمح الطبيعية تتراوح ما بين 15 و20%، إلا أن الفحوصات كشفت إصابة نجله بنسبة 300%، الأمر الذي دفعهم إلى متابعة أصناف الأغذية والحرص على خلوها من مادة الغلوتين، التي من شأنها أن تشكل خطراً حقيقياً على حياة المصابين بالمرض.
ويشير الخزندار إلى أن متابعة حالة إبراهيم قبل الحرب كانت تتطلب حرصاً على توفير أصناف الحلويات والأغذية والمسليات الخالية من الغلوتين، وهو أمر مرهق للغاية، عدا عن الكلفة المادية المرتفعة، جراء توفير بعض الأصناف من الخارج لعدم توفرها محلياً. ويشدد على أن العدوان الإسرائيلي المتواصل تسبب في نفاد العديد من الأصناف الغذائية الصحية، ما أجبر أسرته على طهي الأرز والبطاطس لإبراهيم، وكسر الحمية الصحية عبر تقديم بعض الأغذية التي تحتوي على نسب قليلة من الغلوتين، رغم الآثار الجانبية الخطيرة بفعل إنعدام البدائل.
ولا يختلف هذا الواقع كثيراً بالنسبة للفلسطيني محمود أهل، الذي اكتشف إصابة طفله محمد (11 عاماً) بحساسية القمح في عمر الستة أشهر، بعد معاناته من آثار جانبية مثل المغص والإسهال الشديد، ما دفع الأسرة إلى متابعة حالته عبر إجراء الفحوصات والتشخصيات اللازمة، التي أظهرت إصابته بالمرض.

ويتحدث أهل لـ "العربي الجديد" عن الصعوبة البالغة التي يواجهها في توفير الأطعمة الخالية من مادة الغلوتين في قطاع غزة، الذي يعاني سكانه من مجاعة وأزمة حقيقية في توفير كافة المواد الغذائية. ويوضح أهل أنه كان يعاني قبل الحرب من صعوبة في توفير الطعام الصحي لطفله، وكان يقصد مختلف المجمعات التجارية والمتاجر لتوفير أصناف محددة وبأسعار باهظة، إلا أن تواصل الحرب ونفاد معظم المواد الغذائية بات يفاقم الأزمة والمخاطر الحقيقية على حياة المرضى المصابين بحساسية القمح.
ويواجه أهل هاجساً حقيقياً يتمثل في نفاد كمية طحين الذرة المتوفرة لدى أسرته بكمية قليلة، والذي يعتمد عليه طفله بشكل أساسي في غذائه اليومي، خصوصاً في ظل إغلاق المعابر وتوقف المساعدات الإنسانية، مشيراً إلى زيادة استهلال طفله لخبز الذرة بفعل عدم وجود بدائل أخرى.
وأطلق المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان نداءً لحماية حياة مرضى حساسية القمح بفعل حرمانهم من غذائهم، في إطار سلسلة القيود الإسرائيلية على دخول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية ومختلف الامدادات، ضمن حرب الإبادة الجماعية التي يرتكبها الاحتلال منذ السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023.

معاناة تأمين الغذاء في غزة، 4 يونيو 2025 (معز صالحي/الأناضول)
معاناة تأمين الغذاء في غزة، 4 يونيو 2025 (معز صالحي/الأناضول)

ويحذر مدير وحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فضل المزيني، من الآثار الخطيرة لمنع دخول مختلف المواد الغذائية، بما فيها الأغذية العلاجية الخاصة بمرضى حساسية القمح والتي تعتمد بشكل أساسي على الغذاء الخالي من مادة الغلوتين، الأمر الذي يهددهم بالموت البطيء. ويشدد المزيني، في حديث لـ "العربي الجديد"، على أن هذا الحرمان يأتي في إطار الإبادة الجماعية والحصار المفروض على سكان القطاع، وتشديد الحصار في الثاني من مارس/ آذار الماضي، بفعل منع إدخال كافة المساعدات والمواد الغذائية، بما في ذلك المواد الأساسية الخاصة بمرضى حساسية القمح.
ويوضح المزيني أن التوقف التام لتوريد غذائهم الخاص، وغياب أي بدائل غذائية آمنة، تسبب في إصابة 42 مريضاً منهم بسوء تغذية ومضاعفات شديدة، علاوة على إصابة 72 مريضاً بسوء تغذية من الدرجة المتوسطة. ويشير إلى معاناة مرضى حساسية القمح من أوضاع صحية خطيرة، وذلك منذ اليوم الأول للعدوان الإسرائيلي، وصاحب تلك الآثار أعراض كالمغص الشديد، والإسهال، والإغماء، والدوار، والصداع الحاد، وفقر الدم، والتسمم.

ويوضح أن تناول المرضى مادة الغلوتين يتسبب في تفاعل مناعي يهاجم الأمعاء الدقيقة ويتلف بطانتها، ما يمنع امتصاص العناصر الغذائية الأساسية، فيما يعتبر العلاج الوحيد لهذا المرض هو الالتزام التام بأنظمة حمية غذائية خالية من الغلوتين بشكل صارم ومدى الحياة. يضيف أن العدوان تسبب في رفع عدد مرضى حساسية القمح من حوالي ألف مريض قبل الحرب إلى 1288 مريضاً حتى مايو/أيار 2025، من بينهم 510 امرأة، 248 رجلاً، و530 طفلاً، من بينهم 36 مريضاً من ذوي الإعاقة. ويعود هذا الارتفاع إلى الخوف والتوتر، والحرمان من الغذاء، والاعتماد على المعلبات والأطعمة غير الصحية، ما يتسبب في إضعاف الجهاز المناعي.
وحرمان مرضى حساسية القمح من غذائهم ليس انتهاكاً للحق في الصحة والغذاء فقط، بل يرقى إلى جريمة ممنهجة بحق فئة محمية بموجب القانون الدولي الإنساني، إذ تحظر المادة 23 من اتفاقية جنيف الرابعة منع مرور الأغذية والمواد الطبية الضرورية إلى السكان المدنيين.
ويوضح أن البند "ج" من المادة الثانية في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها يدرج هذه الجريمة ضمن أفعال الإبادة، كما يعتبر ميثاق روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية ضمن المادة الثامنة منه، بأن حرمان السكان المدنيين عمداً من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم يعد جريمة حرب، مشدداً على أن منع إدخال الغذاء الخاص بمرضى حساسية القمح يشكل جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية تستوجب المحاسبة الدولية.
ويعتبر الأطفال المصابين بالمرض ممن تقل أعمارهم عن 10 سنوات، والبالغ عددهم أكثر من 200 طفل، الأكثر تأثراً بأعراض كارثية تطاول صحتهم الجسدية والنفسية بعد حرمانهم من أصناف غذائية يتمتع بها غيرهم من الأطفال، وسط عجز ذويهم عن توفير أي بدائل صحية تحميهم من المضاعفات الخطيرة التي قد يتعرضون لها، في حال تناولوا منتجات غذائية تحتوي على الغلوتين. 

المساهمون