مرضى العيون... فقدان العلاج يهدد الآلاف بالعمى في غزة

18 ديسمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:39 (توقيت القدس)
فقد بصره نتيجة نقص الأدوية والعلاج، غزة، 6 سبتمبر 2025 (دعاء الباز/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- يعاني قطاع غزة من أزمة صحية حادة في مجال طب العيون بسبب الحصار الإسرائيلي والدمار الذي لحق بالمستشفيات، مما أدى إلى نقص الأدوية والمستلزمات الطبية الأساسية، مهدداً آلاف المرضى بفقدان البصر.
- يواجه المرضى تحديات في الحصول على العلاج المناسب بسبب نقص الأجهزة الجراحية المتخصصة والأدوية الأساسية، مما يزيد من خطر فقدان البصر.
- يدعو الأطباء إلى تدخل عاجل من المنظمات الصحية الدولية لتوفير الدعم والمستلزمات الطبية وتسهيل إجراءات تحويل المرضى للعلاج في الخارج.

ينتظر آلاف من مرضى العيون في قطاع غزة الحصول على العلاج والخضوع لعمليات جراحية وسط انعدام الأجهزة وشح الأدوية والمستلزمات، حتى صار بعضهم مهددين بفقدان البصر بالكامل.

لم تتوقف الحرب التي أنهكت قطاع غزة على مدار عامين متواصلين عند أصوات القذائف والركام والدمار، إذ تحاصر أهالي القطاع مختلف الأمراض من كل حدب وصوب لتطاول البصر، وتترك الآلاف من الرجال والنساء والأطفال يُقارعون العتمة كل يوم. ووسط انهيار القطاع الصحي وتدمير المستشفيات وغياب الأدوية والمستلزمات والأجهزة الجراحية الحساسة، يُحرم هؤلاء من أبسط حقوقهم الصحية، ما يجعلهم مهددين بفقدان البصر بشكل نهائي.

وعلى الرغم من محاولات الطواقم الطبية إنقاذ الكثير من المرضى، غير أن عيون آلاف الغزيّين تنطفئ تباعاً بفعل الحصار الإسرائيلي المُطبق، وانقطاع الأدوية، وتدمير القدرة الجراحية، وإغلاق المعابر الذي يمنع المرضى من العلاج في الخارج، وهو ما يفاقم حدّة القهر ويُشعرهم بضياع الأمل وانعدام الرؤية.

وخلال العدوان الإسرائيلي ألحق جيش الاحتلال دماراً كبيراً بمستشفى العيون التخصصي في مدينة غزة، وهو المستشفى التابع لوزارة الصحة، ما تسبب في خروجه عن الخدمة لمدة تزيد على 14 شهراً، بعدما دُمّرت أجهزته الجراحية الحساسة، إلى أن أُعيد تأهيله وافتتاحه في نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2024 بتمويل خارجي، ولكن ليس بالقدرة الاستيعابية التي كان عليها قبل العدوان.

وفي أعقاب العملية العسكرية الأخيرة على مدينة غزة في سبتمبر/ أيلول الماضي خرج المستشفى عن الخدمة مرة أخرى إلى أن دخل اتفاق وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في العاشر من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، إلا أن آثار الدمار لا تزال واضحة في عددٍ من الأقسام بفعل إطلاق الرصاص المباشر على المستشفى، بالإضافة إلى إحراق المولد الكهربائي، وفقاً لقول مدير مستشفى العيون التخصصي عبد السلام صباح.

ويؤكد صباح لـ"العربي الجديد" وجود أزمة دوائية حادة تهدد المرضى، خصوصاً أدوية الأمراض المزمنة والحادة، ما يضاعف المعاناة، مشدداً على أن أكثر من أربعة آلاف مريض يعانون من ارتفاع ضغط العين (الغلوكوما)، ويعتمدون على قطرات يومية للحفاظ على ضغط العين ضمن الحدود الآمنة، باتوا اليوم مهددين بفقدان البصر في ظل غياب العلاج المناسب ومحدودية الإجراءات الجراحية المتوفرة.

ويوضح أن "الغلوكوما" مرض قاتل للبصر، ففي حال عدم توافر القطرات أو العمليات الجراحية اللازمة، يفقد المريض بصره بشكل نهائي، مشيراً إلى أن المستشفى يستقبل نحو 200 مريض يومياً بعد إعادة تشغيله جزئياً، مع العلم أن احتياجاته صارت تفوق طاقته بشكل كبير، ويكشف أن نحو 2400 إلى 2500 مريض على قوائم الانتظار لإجراء عمليات جراحية، 70% منهم بحاجة إلى عمليات المياه البيضاء، وجزء آخر يحتاج إلى جراحات الشبكية والقرنية والحَوَل. لكن المشكلة الأكبر أن المستشفى فقد كل أجهزة تفتيت المياه البيضاء والشفط الحديثة، وعددها أربعة أجهزة كانت تشكل العمود الفقري للعمل الجراحي. كما خرجت الأجهزة المستخدمة في جراحات الشبكية وإزالة الشظايا من العين عن الخدمة تماماً.

الصورة
نقص حاد بالمستلزمات في مستشفى العيون بغزة، 9 أغسطس 2025 (أنس زياد فتيحة/ الأناضول)
نقص حاد بالمستلزمات في مستشفى العيون بغزة، 9 أغسطس 2025 (أنس زياد فتيحة/ الأناضول)

ويضيف صباح: "لا يوجد اليوم أي جهاز من الأجهزة المتخصصة لإجراء العمليات الدقيقة، الأمر الذي فاقم الأزمة بشكل كارثي، ورفع قوائم الانتظار لأرقام غير مسبوقة"، ويشدد على أن مخازن وزارة الصحة تقترب من الصفر في المواد الجراحية الحساسة، مثل العدسات الصناعية، ومادة الهيلون (مادة لزجة يتم حقنها داخل العين)، والخيوط الجراحية الدقيقة، والأدوات المستهلكة لعمليات الساد (المياه البيضاء) والشبكية.

ووفقاً لصباح، تُعدّ أمراض الشبكية ومضاعفات السكري من أكثر الحالات التي تحتاج إلى دقة وتدخلات عاجلة، ويقول: "قبل الحرب كانت عمليات الشبكية تُجرى بكفاءة في غزة، لكن اليوم توقفت بشكل شبه كامل. فيما يراجع قسم الشبكية وحده 1500 إلى 2000 مريض بشكل منتظم، ويحتاج كثيرون منهم إلى جلسات ليزر وحقن مادة الأفاستين، وإلى متابعة دقيقة لمنع النزيف وارتشاح العين. غير أن حقن الأفاستين شبه مفقودة، وجهاز الليزر المتبقي يخدم كل القطاع بعدما دُمّرت باقي الأجهزة". ويؤكد مدير مستشفى العيون التخصصي أن 30% من مرضى السكري في غزة يرتبط علاجهم بعيادة العيون، وهو ما يشكل تهديداً على بصرهم لأن العلاج لم يعد متاحاً.

على كرسيّ داخل مستشفى العيون ينتظر محمد محسن دوره للدخول إلى عيادة الطبيب، وهو يضع يده على عينه اليسرى التي فقد الرؤية فيها نتيجة احمرار بسيط تحوّل إلى كارثة. فقد أُصيب بالتهاب حاد وبكتيريا التهمت قرنيّته تدريجياً، وخضع لثلاث عمليات تثبيت للقرنية وكيّ للالتهابات، لكنه بقي عاجزاً عن الرؤية، كما يقول لـ"العربي الجديد". ويضيف: "العلاج غير متوفر في القطاع، وإنّني بأمسّ الحاجة إلى الخضوع لزراعة قرنيّة في الخارج، وإلا سأفقد عيني تماماً". وعلى الرغم من حصول محمد على تحويل طبي عاجل، إلا أنّه عالقٌ جراء إغلاق معبر رفح وتقييد التحويلات الطبية، ما تركه محاصراً بين الألم والظلام.

بدوره، يرقد المريض رائف أبو موسى على سرير في مستشفى العيون منذ أيام، ويقول لـ"العربي الجديد": "بدأت معاناتي بعدما شعرت باحمرار بسيط في عيني اليسرى، وتوجهت إلى الصيدلية وحصلت على قطرة، لكن حالتي ازدادت سوءاً". تنقّل رائف بين خمسة مستشفيات من خانيونس إلى دير البلح وغزة، وتلقّى كل أنواع القطرات المتاحة في القطاع، لكن دون جدوى. ويضيف: "اكتشف الأطباء وجود التهاب فطري شديد وجرح عميق في القرنيّة. لكنني فقدت النظر في عيني اليسرى، ولا أعرف إن كانت العملية الجراحية ستنقذ ما تبقى منها". ويردد رائف بحسرةٍ ما قاله له الطبيب من احتمال فقدان عينه، خصوصاً أن الإمكانيات شحيحة، متمنياً أن يُعالج قبل فوات الأوان.

يعيش محمد رجب حكاية ألم إضافية، بعدما تعرض منزله للقصف قبل ثلاثة أشهر واستشهدت عائلته بالكامل، بينما أُنقذ من تحت الركام. كانت إصابته شديدة، لكن صدمته النفسية فاقمت مشاكل عينه اليُمنى التي كانت تعاني من ضمور شبكي. ويقول شقيقه خالد لـ"العربي الجديد": "يعاني محمد من نزيف حاد، ومياه بيضاء، وضعف متقدم في الشبكية، ولا يجد علاجاً حاسماً في غزة، وقد أبلغنا الطبيب بأنّ وضعه صعب جداً. لكننا لم نفقد الأمل، ونتمنى أن يُحوّل محمد للعلاج في الخارج".

خرجت فايقة أبو عيطة (64 سنة)، من عملية جراحية حديثة في مستشفى العيون، بعد انتظار دام لأشهر عدّة لإنقاذ عينَيها من المياه البيضاء، وتقول لـ"العربي الجديد": "تأجّلت عمليتي مرات عدّة بسبب الحرب والنزوح والتنقل من مكان إلى آخر، آخرها كان في دير البلح، وخلال هذه الفترة تضاعفت معاناتي وصرت مهددة بفقدان شبه كامل للبصر". وتتابع فايقة: "انعدم بصري بشكل شبه كامل، حتى عندما أضع النظارة ذات العدستين المكبّرتين. وبعد اشتداد مرضي، خضعتُ لعملية في العين اليسرى، لكون حالتها أشد حرجاً، إذ لا أرى فيها إطلاقاً".

ويحذّر استشاري أول طب وجراحة العيون والمدير الطبي في مستشفى العيون التخصصي في غزة الطبيب حسام داود من الانهيار المتسارع لخدمات طب العيون في قطاع غزة نتيجة الحصار الشديد والدمار الواسع الذي لحق بالأجهزة والمرافق خلال الاجتياحات الإسرائيلية. ويقول داود لـ"العربي الجديد": "كنا قبل الحرب نقدم كل أنواع جراحات العيون المتقدمة في المستشفى، بما فيها جراحات الشبكية وجراحة التجميل، إلا أن تدمير الأجهزة أدى إلى فقدان جهاز زراعة الشبكية الوحيد، ما تسبب في توقف هذه الخدمة الحيوية".

الصورة
يصارع القطاع الطبي بغزة لإنقاذ المرضى، 9 أغسطس 2025 (أنس زياد فتيحة/ الأناضول)
يصارع القطاع الطبي بغزة لإنقاذ المرضى، 9 أغسطس 2025 (أنس زياد فتيحة/ الأناضول)

ويضيف: "فقدان جراحة الشبكية يعني أن الكثير من المرضى معرّضون للعمى الدائم خلال أيام أو أسابيع إذا لم يتلقوا العلاج في الوقت المناسب. أما عمليات زراعة القرنيّة فتوقفت منذ اليوم الأول للحرب، بسبب حاجتها لمستلزمات خاصة وظروف معقدة غير متوفرة حالياً، ما تسبّب في معاناة عشرات المرضى من عمى مؤقت قد يمتد لأشهر طويلة، بينما تظل إجراءات التحويل إلى الخارج معقدة وبطيئة". ويشير داود إلى أن عمليات مرض "الغلوكوما"، والذي يُطلق عليه "القاتل الصامت للعين" تواجه خطراً كبيراً، إذ لا تتوفر برامج الفرز أو التشخيص المبكر، ولا القطرات اللازمة، ولا العمليات الجراحية، مؤكداً أن أي تأخير في علاج "الغلوكوما" يؤدي إلى تلف لا رجعة فيه في العصب البصري.

ويؤكد داود أن المستشفى يعاني من نقص حاد في المستلزمات الجراحية، مثل الخيوط الدقيقة والمحاليل ومادة الهيلون، إضافة إلى تآكل الأدوات الجراحية وعدم القدرة على تجديدها، فيما فقدت أجهزة ثمينة خلال الاجتياحات. ويوضح أن عمليات المياه البيضاء التي كانت تُجرى يومياً في ثلاث غرف عمليات، وبقدرة تُراوح بين 15 و20 عملية يومياً، تراجعت إلى ثماني حالات فقط بعد خسارة 50% من القدرة التشغيلية، رغم إدخال غرفة عمليات جديدة، ويلفت إلى أن المستشفى يركز حالياً على عمليات المياه البيضاء التي أصبحت منتشرة بشكل كبير بعد الحرب، حتى لدى فئات عمرية أقل من المعتاد، إضافة إلى علاج الحالات الطارئة الناتجة عن الحروق وتمزّق الجفون، ومحاولة إصلاح التشوّهات الناتجة عن الإصابات.

ويكشف داود أن المستشفى فقد كل أجهزة شفط المياه البيضاء الأربعة التي كانت تُستخدم في الجراحة الدقيقة، بما في ذلك آخر جهاز استعاره من مستشفى سانت جون للعيون في غزة، والذي دُمّر خلال الاجتياح الأخير، ما أجبر الفريق الطبي على العودة إلى الطريقة الجراحية التقليدية التي تتطلب وقتاً أطول وجهداً أكبر، وتزيد عدد المرضى على قوائم الانتظار.

ويختم داود بالقول: "المستهلكات الطبية توشك على النفاد بالكامل، وفي حال استمر الوضع على ما هو عليه، قد نتوقف عن العمل خلال شهر"، داعياً المنظمات الصحية الدولية إلى توفير الدعم العاجل والمستلزمات الطبية الأساسية، ولا سيما الأجهزة الجراحية الخاصة بإزالة المياه البيضاء، ومستلزمات القرنيّة والشبكية، وإنقاذ المرضى الذين يحتاجون إلى تحويلات عاجلة لانعدام سبل العلاج في قطاع غزة.

المساهمون