استمع إلى الملخص
- يواجه المرضى تحديات كبيرة بسبب تدهور القطاع الصحي، حيث يضطرون إلى تلقي دم غير مفلتر، مما يزيد من مخاطر العدوى، وتعاني عائلات بأكملها من تقسيم وحدات الدم القليلة المتوفرة.
- يشير الدكتور هاني عياش إلى وجود 331 مريضاً بالثلاسيميا في غزة، ويبرز الحاجة الملحة لتدخل عاجل من المؤسسات الدولية ووزارة الصحة الفلسطينية لتوفير الرعاية الطبية اللازمة.
تحول قسم مرضى الثلاسيميا في مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس جنوبي قطاع غزة إلى مجلس عزاء بعد وفاة المريضة صابرين أبو عودة إثر مضاعفات نقل الدم، إذ يعيش مرضى الثلاسيميا "فقر الدم المتوسطي" على حافة الهاوية، ويصارعون يومياً ضد نقص الأدوية، وتدهور القطاع الصحي.
ولا يعد نقل الدم مجرد إجراء طبي بالنسبة لمرضى الثلاسيميا، بل وسيلة إنقاذهم التي يلزم تكرارها كل بضعة أسابيع، لكن في قطاع غزة، تحولت هذه العملية المنقذة للحياة إلى مصدر قلق بسبب وحدات الدم غير الآمنة التي تعرضهم لمخاطر العدوى.
تعاني الفلسطينية هديل جندية (26 سنة) وشقيقها رامي (21 سنة) وشقيقتها شروق (18 سنة) من مرض الثلاسيميا، ويحتاجون بشكل متكرر إلى نقل الدم، لكنه غير متوفر في مستشفيات القطاع، ما يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم. وتبين جندية لـ "العربي الجديد": "في المرة الأخيرة لم نجد داخل المستشفى سوى وحدة دم واحدة، ما اضطرنا إلى تقسيمها بين شقيقي رامي وشقيقتي شروق، ولم أتمكن من الحصول على قطرة دم واحدة رغم وصول مستوى الهيموغلوبين عندي إلى 6، ما يعني حاجتي الماسة إلى الدم".
وتشير الشابة الفلسطينية إلى أن "نقل الدم المتكرر يتسبب في تضخم الطحال، الأمر الذي يستوجب إجراء رعاية الطحال أيضاً، لكن ذلك غير متوفر داخل القطاع المحاصر، بينما وحدات الدم الفاسدة أو غير النقية تسهم في تضاعف نسب الخطر. تحتاج إلى نقل الدم بشكل دوري، وعلى المؤسسات الدولية ووزارة الصحة الفلسطينية توفير وحدات الدم والمستهلكات الطبية والعلاجات والفلاتر. نموت مائة مرة في اليوم الواحد".
ويتسبب غياب فلاتر الدم في تزايد احتمالية حدوث مضاعفات خطيرة كالحمى، والتفاعلات التحسسية، وتدهور الجهاز المناعي. يقول مريض الثلاسيميا ميسرة أبو نصر (25 سنة)، إنه يعاني من النقص الشديد في الأدوية والفلاتر والدم. ويوضح: "نضطر في كثير من الزيارات إلى الرجوع إلى بيوتنا من دون تلقي العلاج، ما يزيد المخاطر على حياتنا".
ويبين أبو نصر لـ"العربي الجديد"، أن المرض يلازمه منذ اليوم الأول لولادته، وكان يتلقى العلاج قبل الحرب بشكل منتظم رغم الحصار الذي كان يفرضه الاحتلال الإسرائيلي، لكن تشديد الحصار خلال الحرب، وتدمير المستشفيات والمنظومة الصحية أدى إلى تدهور الأوضاع الصحية والإنسانية إلى مستويات غير مسبوقة.
ويكمن جوهر معاناة مرضى الثلاسيميا في الحاجة الماسة إلى أدوية طرد الحديد، وبدون هذه الأدوية، يتراكم الحديد الزائد من عمليات نقل الدم المتكررة في الأعضاء الحيوية، ويؤدي النقص الحاد في هذه الأدوية إلى زيادة متسارعة في نسب الحديد بالجسم، ما يهدد القلب والكبد بشكل مباشر، كما يؤثر على الغدد الصماء والهيكل العظمي، ما يزيد من هشاشة العظام، ليصبح المريض سجيناً لجسده الهش.
تعاني رفيف أبو لغد (14 سنة) وشقيقتها رهف (12 سنة) من مرض الثلاسيميا، وتضطران إلى تلقي دم غير مفلتر بسبب النقص الشديد في وحدات الدم، الأمر الذي يشعرهن بالخوف، خاصة بعد فقدان عدد من المرضى لحياتهم نتيجة عدم فلترة الدم.
وتوضح رفيف لـ "العربي الجديد"، أن تكرار النزوح خلال الحرب ساهم في تضاعف المعاناة، بينما تقول شقيقتها رهف: "من حقنا الحصول على العلاج المناسي، أو السفر لتلقي العلاج. من حقنا العيش بسلام وأمان مثل بقية أطفال العالم".
بدوره، يقول رئيس قسم الثلاسيميا في مستشفى الصداقة التركي الفلسطيني، الطبيب هاني عياش، إن "قرابة 331 فلسطينيا في قطاع غزة يعانون من مرض الثلاسيميا، من بينهم 243 لا يزالون داخل القطاع، واستشهد 48 مريضاً، بينما تمكن أربعون مريضاً من مغادرة القطاع لتلقي العلاج في الخارج".
ويلفت عياش الذي يداوم حالياً في مستشفى الحلو الدولي غربي مدينة غزة، إلى أن "89 مريضاً هم من شمال قطاع غزة، و100 مريض من رفح وخانيونس جنوباً، و54 مريضاً يعيشون في المناطق الوسطى. تتركز مشاكل مرضى الثلاسيميا على مجموعة تحديات أساسية، أهمها عدم توفر وحدات دم نقية وطازجة، وعدم توفر الفلاتر التي تقوم بتصفية الدم، فضلاً عن نقص أدوية الأمراض المزمنة".
ويشدد على أن "المرضى يحتاجون إلى رعاية طبية متخصصة ومركزة، فيما يعانون من مضاعفات متعددة نتيجة نقص الأدوية، تشمل تراكم نسب الحديد، ما يتسبب بمضاعفات خطيرة على القلب والكبد". وتمر الأيام على مرضى الثلاسيميا في غزة ثقيلة، وكأنها سباق مع الزمن لتفادي الموت، وهم يدركون أن تأخر أي شحنة علاج، أو نقص أي جهاز طبي يعني فقدان جزء من صحتهم، أو فقدان مريض، ما يبقيهم بحاجة ماسة إلى تدخل عاجل لإيقاف هذا النزيف الصامت.