مخلّفات جيش الاحتلال تتحوّل إلى مصائد موت في كفر حمام جنوبي لبنان
استمع إلى الملخص
- منذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ارتكبت إسرائيل آلاف الخروقات، مما أدى إلى سقوط مئات الشهداء والجرحى، واستمرار احتلالها لخمسة تلال، مما يعيق وصول المزارعين إلى أراضيهم ويؤدي لخسائر زراعية كبيرة.
- يواجه سكان كفر حمام تحديات بيئية مثل انتشار الحشرات والفئران، ويطالبون الدولة بإجراء مسح شامل للأراضي لضمان سلامتهم وتمكينهم من العودة للزراعة.
تعاني بلدة كفر حمام في جنوب لبنان من آثار الحرب الإسرائيلية الأخيرة التي خلّفت أعداداً كبيرة من القنابل العنقودية والألغام الأرضية في حقولها إلى جانب دمار واسع، تماماً كما هي حال البلدات اللبنانية الحدودية مع فلسطين المحتلة، ويرى مواطنون في البلدة أنّ مخلّفات الحرب هذه تمثّل خطراً مباشراً وقاتلاً، لا سيّما على المزارعين الذين يعتمدون على أراضيهم مصدراً أساسياً للرزق. يُذكر أنّ كفر حمام الواقعة في منطقة العرقوب بقضاء حاصبيا التابع لمحافظة النبطية جنوبي لبنان كانت قد رزحت طويلاً تحت الاحتلال الإسرائيلي في القرن الماضي، حتى التحرير في عام 2000.
وفي ظلّ بطء عملية كشف السلطات اللبنانية والأممية عن الذخائر غير المنفجرة والألغام، مع استمرار خروقات إسرائيل لاتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في 27 نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، يطلب المعنيون في بلدة كفر حمام التحرّك سريعاً للكشف عن مخلفات الحرب وإزالتها، وقد حوّلت هذه المخلفات القاتلة الأراضي الزراعية الخصبة إلى حقول موت، الأمر الذي يزيد من معاناة الأهالي، وفقاً لمراسل الأناضول.
وفي الثامن من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، شنّت إسرائيل عدواناً على لبنان تحوّل إلى حرب واسعة النطاق في سبتمبر/ أيلول 2024، الأمر الذي أسفر عن أكثر من أربعة آلاف شهيد ونحو 17 ألف جريح، بالإضافة إلى نزوح نحو مليون و400 ألف شخص. ومنذ وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024، ارتكبت إسرائيل ما لا يقلّ عن 2.766 خرقاً، مخلّفةً 195 شهيداً و486 جريحاً على الأقلّ، وفقاً لإحصاء أعدّته الأناضول استناداً إلى بيانات رسمية حتى أمس الأحد. إلى جانب ذلك، تنصّلت إسرائيل من استكمال انسحابها من جنوب لبنان بحلول 18 فبراير/ شباط الماضي، خلافاً للاتفاق، إذ نفّذت انسحاباً جزئياً وتواصل احتلال خمسة تلال لبنانية رئيسية، من ضمن مناطق احتلتها في الحرب الأخيرة.
ويقول المسؤول في بلدية كفر حمام حسيب عبد الحميد لوكالة الأناضول إنّ "سكان البلدة، خصوصاً المزارعين، يعانون منذ حرب 2006 (التي شنّتها إسرائيل على لبنان في شهر تموز/ يوليو من ذلك العام) من القنابل العنقودية والذخائر غير المنفجرة التي أطلقتها إسرائيل، وزاد ذلك مع الحرب الأخيرة"، يضيف: "لم يستطع الناس الوصول إلى كروم (حقول) الزيتون والتين والصنوبر بسبب القنابل العنقودية والقذائف غير المنفجرة، وحُرموا من استثمارها طيلة مدّة الحرب"، ويتابع أنه "في خلال الحرب الأخيرة لُوّثت مناطق عديدة بالقنابل العنقودية، لكنّ الأخطر في المناطق التي تعرّضت لقصف مدفعي كثيف بأكثر من ألفَي قذيفة سقطت في أراضي بلدة كفر حمام".
ويشير عبد الحميد إلى أنّ "الصعوبة تكمن اليوم في أنّنا لم نستطع تحديد الأماكن التي تعرّضت للقصف، إذ لم يكن أيّ من السكان في البلدة في خلال الحرب بعد أن نزحوا بسبب تصاعد القصف"، وأفاد بأنّ "عدداً كبيراً من هذه القذائف تسبّب في القضاء على الثروة الحرجية، مثل التين والزيتون والصنوبر، من جرّاء الحرائق في خلال الحرب".
ويرى عبد الحميد أنّ "كلّ ما بوسعنا فعله هو تحذير المواطنين من الاقتراب من الأجسام المشبوهة، على الرغم من تواصلنا مع الجيش اللبناني"، يضيف أنّ مهمّة الجيش في البداية كانت "رصد المنازل المدمّرة من جرّاء القصف، أمّا الأراضي الزراعية فلم تخضع للكشف الميداني"، ويدعو إلى "التحرّك بسرعة كبيرة للكشف على الأراضي القريبة من كفر حمام، وتحديداً الزراعية التي يعتاش منها الناس، خصوصاً أنّنا نعيش وسط أزمة ومأساة، إذ إنّ معظم سكان البلدة يعتمدون بصورة أساسية على الزراعة"، ويشدّد عبد الحميد على أنّ "خسائر المزارعين كبيرة جداً، ولم تقتصر على خسارة مواسم التين والزيتون والصنوبر، وإنّما خسارة الأراضي التي استهدفتها إسرائيل من جرّاء قلع أشجار الزيتون أو إحراق أشجار الصنوبر".
في سياق متصل، يخبر علي أحمد طه، صاحب حقل زيتون في كفر حمام، وكالة الأناضول: "في كرمي (حقلي) الكثير من أشجار الزيتون المعمّرة التي تتراوح أعمارها ما بين 400 و500 عاماً"، ويضيف: "لا أستطيع الذهاب إليه (الحقل)، لكنّ الدفاع المدني أعلمني بأنّه احترق بالكامل، وأرسل لي صوراً"، ويتابع: "أنا في البلدة منذ خمسة أشهر"، بعد العودة من نزوح قسري، "لكنّني لا أجرؤ على الذهاب للكشف على حقلي، خوفاً من الذخائر غير المنفجرة فيه، خصوصاً أنّه تعرّض لقصف كثيف من إسرائيل في خلال الحرب".
ويؤكد طه أنّه "حتى الآن، لم يحصل أيّ مسح شامل للأرض حتى نطمئنّ"، مشيراً إلى أنّه "عندما كنت أذهب إليها (أرضه) قبل الحرب (الأخيرة) وأجد فيها عدداً من القنابل العنقودية من مخلّفات حرب (تموز) 2006، كنت أخبر الجيش ويأتي لإتلافها"، ويفيد بأنّ "مساحة واسعة من أراضي كفر حمام تعرّضت لقصف بالقنابل الفوسفورية والعنقودية بوتيرة يومية في خلال الحرب، وفي داخل البلدة، كلّ مواطن يعثر على أيّ قذيفة غير منفجرة يبلغ الجيش الذي يأتي لتفجيرها في مكانها".
ويطالب طه "الدولة والجيش خصوصاً بإجراء مسح شامل للبلدة، لأنّ المزارعين لا يستطيعون التوجّه إلى أراضيهم لاستثمارها واستصلاحها وزرعها من جديد.. هذا من المستحيلات"، وفي الإطار نفسه، لا يستطيع رعاة الماعز اصطحاب ماشيتهم إلى الحقول، "خوفاً من انفجار ذخيرة أو لغم أرضي"، موضحاً أنّ "ثمّة خوفاً شديداً لأنّ الحرب كانت همجية، واستخدموا (الإسرائيليون) فيها كلّ أنواع الأسلحة"، بحسب ما يؤكد طه.
بدوره، يقول المزارع أحمد قاسم لوكالة الأناضول: "بعد وقف إطلاق النار رجعنا" إلى كفرحمام، "لكنّنا تفاجأنا بوجود حشرات غريبة وفئران منتشرة بمنطقة واسعة، ومنها بلدتنا، وهي ظاهرة غريبة لم نعتد عليها من قبل"، ويلفت إلى أنّه "منذ صغري أنا فلاح، ولم أرَ في حياتي هكذا ظواهر.. فئران وحشرات غريبة تخرج من الأرض بعد أن كنّا نخاف من الأجسام (غير المنفجرة) والقنابل. وهذه الحشرات والحيوانات تخرج من الأرض في غير مواسمها".
يضيف قاسم أنّ "المزارعين في البلدة يهتمّون بالأراضي القريبة من منازلهم فحسب، وليس تلك البعيدة أو الوعرة"، ويتابع أنّ "أذى المحتلّ الإسرائيلي لم يعد يقتصر على إرهابنا بالمتفجرات أو الهجوم المسلّح الذي لم نتوقّعه، هو يرهبنا بالحيوانات"، ويوضح قاسم أنّ "الإسرائيليين يأتون بخنازيرهم ويقتحمون مزارعنا التي تعبنا عليها على مدى سنوات. وإذا كُسرت أيّ شجرة، فإنّ المزارع في حاجة إلى الانتظار ما بين ثلاثة وخمسة أعوام حتى تعود لتنتج ثماراً"، ويكمل: "كنّا نزرع أرضنا بالزيتون والتين والعنب، لكنّنا محرومون اليوم من استثمارها لتأمين احتياجات أولادنا. نحن محرومون من كلّ الجهات؛ بيوتنا دُمّرت وطرقاتنا قُطعت ولا تتوفّر كهرباء ولا مياه".
(الأناضول، العربي الجديد)