محكمة بريطانية تردّ دعوى ضد غسان أبو ستة: لا إرهاب ولا معاداة للسامية

12 يناير 2026   |  آخر تحديث: 19:51 (توقيت القدس)
الطبيب الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة، لندن، 7 يناير 2024 (هنري نيكولز/ فرانس برس)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- رفضت محكمة المجلس الطبي العام في المملكة المتحدة الشكوى ضد الطبيب غسان أبو ستة، مؤكدةً براءته من دعم العنف والإرهاب ومعاداة السامية بعد جلسات استماع استمرت ثلاثة أيام.

- تعرض أبو ستة لمحاولات استهداف بسبب دعمه للقضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن الشكوى كانت جزءًا من استراتيجية لإسكات الأصوات المعارضة للظلم في فلسطين.

- وصف المحامي طيّب علي القرار بأنه انتصار ساحق، مؤكدًا عدم وجود أدلة على سوء السلوك، مع وعد بمزيد من الإجراءات القانونية لدعم موكله.

"انتصرنا". بهذا استهلّ الطبيب الفلسطيني البريطاني غسان أبو ستة تدوينة نشرها قبل أيام، معلناً أنّ "محكمة المجلس الطبي العام ردّت الشكوى التي تقدّمت بها جمعية محامون في المملكة المتحدة من أجل إسرائيل، والتي تتّهمني بدعم العنف والإرهاب ومعاداة السامية". أتى ذلك بعدما أصدرت لجنة لتقييم الأهلية لممارسة مهنة الطبّ قرارها، في التاسع من يناير/ كانون الثاني الجاري، رافضةً كلّ الادعاءات بحقّ أبو ستة ومسقطةً القضية برمّتها، ما يؤكد أنّ لا عنف ولا إرهاب ولا معاداة للسامية في سلوك الطبيب الجرّاح.

يُذكر أنّ هذه ليست المرّة الأولى التي يُستهدَف فيها أبو ستة، الذي يشغل كذلك منصب رئيس جامعة "غلاسكو" في اسكتلندا منذ مارس/ آذار 2024، وكلّ ذلك على خلفية رفعه لواء القضية الفلسطينية وكذلك مساندته قطاع غزة وأهله، ولا سيّما منذ حرب الإبادة الإسرائيلية الأخيرة. ولم يتردّد الطبيب، بعد قرار المحكمة الأخير، في التصريح بأنّ الهدف من شكوى جمعية "محامون في المملكة المتحدة من أجل إسرائيل" هو "محاولة تدمير حياتي"، مشدّداً على تعرّضه لتنميط عنصري من خلال وصفه بأنّه "عنيف بطبيعته" أتى بسبب كونه فلسطينياً وعربياً ليس إلا.

بدوره، نشر المحامي البريطاني الدولي طيّب علي، من شركة "بيندمنز" الرائدة للمحاماة، تدوينة على موقع إكس، شدّد فيها على أنّ هذا "انتصار ساحق لموكّلي، البروفسور غسان أبو ستة، أمام محكمة المجلس الطبي العام". أضاف علي، الذي يشغل منصب مدير المركز الدولي للعدالة من أجل الفلسطينيين، أنّ قرار المحكمة تعني "تبرئة كاملة لساحته"، واعداً بـ"المزيد قريباً".

وأكد المحامي، الذي يُعَدّ من أبرز المتخصّصين في القانون الجنائي والقانون الدولي في المملكة المتحدة، في تدوينة ثانية، أنّ "القضية لم تنتهِ بعد"، واصفاً غسان أبو ستة بـ"الطبيب البطل". وأفاد علي بأنّ "هذه القضية كانت غير مبرّرة، ولم يكن ينبغي أن تصل إلى محكمة بكامل هيئتها. وقرار اليوم يُعَدّ تبرئة كاملة للدكتور أبو ستة، على الصعيدَين المهني والشخصي"، موضحاً أنّ "المحكمة لم تجد أيّ أدلة أساسية على سوء السلوك، ولا أيّ دليل يدعم الادّعاءات الخطرة الموجّهة ضدّه".

يُذكر أنّ "بيندمنز" شركة محاماة رائدة تتّخذ من العاصمة البريطانية لندن مقرّاً لها، وتشتهر بخبرتها القوية في مجالات حقوق الإنسان والقانون العام والدفاع الجنائي، بالإضافة إلى قضايا أخرى. وهي كذلك واحدة من بين أفضل شركات المحاماة في المملكة المتحدة التي تتولّى قضايا معقّدة وحسّاسة.

ويوم الجمعة الماضي، مثل الطبيب الجرّاح غسان أبو ستة الذي يُعَدّ كذلك ناشطاً بارزاً، عبر تقنية الفيديو، أمام لجنة تقييم الأهلية لممارسة المهنة التابعة لدائرة محاكم ممارسي مهنة الطب في مانشستر شمال غربي إنكلترا، التي أصدرت قراراً يقضي برفض دعوى سوء السلوك المرفوعة ضدّه من قبل المجلس الطبي العام بدفعٍ من جمعية "محامون في المملكة المتحدة من أجل إسرائيل". وقد أسقطت اللجنة المؤلّفة من ثلاثة أشخاص الدعوى، بعد جلسات استماع امتدّت على ثلاثة أيام.

أمّا القضية فتتعلّق بمقال كتبه غسان أبو ستة في صحيفة الأخبار اللبنانية، بتاريخ الثامن من مارس/ آذار 2018، وبتدوينتَين نشرهما على موقع إكس. في ما يتعلّق بالمقال، فقد أتى تحت عنوان "الشعب الفلسطيني والسلطة ولحظة الحقيقة"، تناول فيه كاتبه "استشهاد المقاوم أحمد نصر جرّار، بطل عملية نابلس، على يد جيش الاحتلال الصهيوني"، واصفاً ذلك بأنّه "يمثّل لحظة مفصلية في تاريخ شعبنا". وفي ختام المقال، لفت أبو ستّة إلى أنّه "لم يبقَ بيد الشعب من سلاح غير العنف الثوري".

وقال رئيس لجنة التقييم إيان كومفورت إنّ المحكمة لم تنتقِ اقتباسات محدّدة، بل نظرت في المقال برمّته، الذي عبّر عن آراءٍ تنتقد النخب السياسية في فلسطين. أضاف كومفورت أنّهم لم يجدوا فيه أيّ إشارة إلى معاداة السامية أو تأييد للإرهاب أو العنف.

وفي ما يخصّ التدوينتَين المرتبطتَين بالقضية، لفتت المحكمة إلى أنّها لا تملك أيّ دليل بشأن نشرهما، باستثناء أنّ ذلك أتى قبل عام 2023. وكان غسان أبو ستة قد أعاد نشر تدوينة هنّأ في خلالها "إخواننا في حركة حماس ورفاقنا في الجبهة الشعبية (لتحرير فلسطين)" بذكرى تأسيس كلّ واحدة من الجهتَين؛ الأولى في ديسمبر/ كانون الأول 1987 والثانية في 11 من الشهر نفسه إنّما في عام 1967. وخلصت المحكمة إلى أنّ القارئ العادي سوف يقرأ في هذه التدوينة احتفالاً بذكرى سنوية، لا دعماً مادياً أو معنوياً للإرهاب.

أمّا التدوينة الثانية فتناولت "شهيدَين من شهداء الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" في عامَي 1973 و1974. وقال غسان أبو ستة إنّ من يفهم السياق السياسي في سبعينيات القرن الماضي، سوف يجد في هذه المنشور مجرد تعبير عن "تضامن" مع القضية الفلسطينية. بدوره، أكد كومفورت أنّ التدوينة، في حال نُظر إليها من منظور قارئ عربي عادي وعقلاني، لا يمكن وصفها بأنّها تحريض على العنف أو الإرهاب أو دعم لهما.

وبعد جلسة المحكمة، صرّح غسان أبو ستة، بحسب ما نقلت صحيفة ذا غارديان البريطانية عنه في عددها الصادر في التاسع من يناير/ كانون الثاني الجاري، بأنّ "أفكاري الآن مع مرضاي في بيروت، الذين اضطررت إلى تركهم من أجل حضور هذه الإجراءات (القانونية)". يُذكر أنّ الطبيب الفلسطيني البريطاني كان قد أسّس "صندوق غسان أبو ستة للأطفال" في لبنان، في بداية عام 2024، إلى جانب آخرين، والهدف منه استقبال جرحى من قطاع غزة وتقديم الرعاية الطبية اللازمة لهم، بعدما صارت عودته مستحيلةً إلى قطاع غزة.

وشدّد أبو ستة، بحسب "ذا غارديان": "لقد كرّست مسيرتي الطبية بأكملها لعلاج ضحايا الحرب والعنف السياسي. لذلك، صُدمت كثيراً لاتهامي بالتحريض على العنف"، وأكد "أنا لا أؤيد العنف ضدّ المدنيين، ولم أؤيّده قط". ورأى أنّ الشكوى الذي رفعتها ضدّه جمعية "محامون في المملكة المتحدة من أجل إسرائيل" أمام المجلس الطبي العام ما هي إلا "جزء من استراتيجية قانونية أوسع تهدف إلى استغلال الإجراءات التنظيمية لترهيب كلّ من يتحدّث علناً ضدّ الظلم في فلسطين وإسكاته وإرهاقه". وأشار إلى أنّ هذه هي الشكوى الثانية التي ترفعها الجمعية ضدّه، "والشكوى العاشرة" التي تُرفع بحقّه بصورة عامة. وأردف أنّ "قرار المحكمة متاح الآن أمام الجميع".

ولعلّ الدعاوى التي رُفعت حتى الآن بحقّ الطبيب غسان أبو ستة تأتي كلها في سياق دفاعه عن القضية الفلسطينية، وعدم توفيره أيّ جهد في هذا المجال. يُذكر أنّه كان من أوائل الأطباء الذين توجّهوا إلى قطاع غزة في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بعدما بدأت آلة الحرب الإسرائيلية تفتك بالقطاع وأهله المحاصرين. وهناك، على مدى أسابيع، حاول أبو ستة تقديم كلّ ما في وسعه لعلاج الجرحى في مجمّع الشفاء الطبي بمدينة غزة الواقعة شمالي القطاع وكذلك في المستشفى المعمداني (الأهلي العربي) في المدينة نفسها، إلى حين لم يعد يملك ما يقدّمه لهم، بحسب ما صرّح في 17 نوفمبر/ تشرين الثاني من ذلك العام، مضيفاً أنّ "الأمر كان كابوساً حقيقياً. أن تترك 500 مصاب وأنت تعلم أنّه لم يعد بوسعك أن تفعل شيئاً من أجلهم، هذا أكثر أمر مفجع كان عليّ القيام به على الإطلاق".

تجدر الإشارة إلى أنّ المجلس الطبي العام في المملكة المتحدة، الذي يُعرَف اختصاراً باسم "جي إم سي"، يعمل من أجل حماية سلامة المرضى وتحسين التعليم الطبي والممارسة الطبية في كلّ أنحاء البلاد، بحسب تعريفه عن نفسه. ويشرح أنّه يعمل مع الأطباء وأصحاب العمل والأساتذة والمرضى وغيرهم من أصحاب المصلحة الرئيسيّين في أنظمة الرعاية الصحية البريطانية.

أمّا جمعية "محامون بريطانيون من أجل إسرائيل"، فتؤكد في تعريفها "نحن ندعم إسرائيل ونسعى إلى ضمان احترام حقوق إسرائيل والإسرائيليين". وتوضح أنّها انطلقت، في بدايات عام 2011، جمعيةً غير مسجّلة، على يد مجموعة صغيرة من المحامين البريطانيين الذين "انتابهم القلق إزاء الفشل في مكافحة استخدام أعداء إسرائيل للقانون وإساءة استخدامه". وتضيف الجمعية: "كان هدفنا حشد الأعضاء والداعمين لتسخير مهاراتهم من أجل مواجهة حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (بي دي إس) ونزع الشرعية عنها".

المساهمون