استمع إلى الملخص
- الحوادث مثل تصادم القطارات في قرطبة وخروجها عن السكة أعادت ذكريات حوادث سابقة، مما زعزع الثقة رغم الأرقام التي تشير إلى أمان السكك الحديدية، حيث تتأثر الذاكرة الجماعية بالتغطية الإعلامية.
- القلق الاجتماعي الناتج عن الحوادث والإضرابات يؤثر على الحياة اليومية، حيث يلاحظ موظفو رينفي تغير سلوك الركاب في المحطات التي أصبحت أكثر صمتاً وأقل ازدحاماً.
تحوّلت محطات القطار في إسبانيا في ظلّ تتالي الحوادث وتأخير الرحلات في الأسابيع الأخيرة إلى فضاءات تكشف هشاشة الشعور بالأمان حين يتعرض للاهتزاز.
تتجاوز أهمية القطار في إسبانيا كونه وسيلة نقل، فهو جزء من الإيقاع اليومي للمدن والبلدات. موظفون يغادرون ضواحي المدن الكبرى في أول قطار صباحي، طلاب يتنقّلون بين المدن الجامعية وبيوت عائلاتهم، عمّال يعبرون الأقاليم، وعائلات تحفظ مواعيدها على وقع جداول الرحلات.
على مدى سنوات، بُنيت علاقة وثيقة بين السكك الحديد واحتياجات المجتمع، وصار القطار خياراً بديهياً يُستخدم من دون تفكير بسبب انتظامه ودقته، خصوصاً في ظل التوسّعات الدائمة في شبكات القطار العادية وفائفة السرعة التي رُوّج لها بوصفها أحد رموز التحديث والاستقرار. لذا؛ حين تتعرض هذه الشبكة لهزّات متتالية، يتجاوز الأثر حدود الحوادث نفسها، ويمسّ شعور الأمان اليومي لدى ملايين الناس.
خلال الأسابيع الأخيرة، عادت القطارات إلى صدارة المشهد العام في إسبانيا بعد سلسلة حوادث متقاربة زمنياً. قضى 46 شخصاً بتصادم قطارَين في بلدة آدموز بمحافظة قرطبة ما أعاد إلى الواجهة ذاكرة ثقيلة لم تُمحَ من الوعي الإسباني. وتلت ذلك حوادث خروج عن السكة في مناطق أخرى، بينها محيط جيليدا في برشلونة، وآخر في جيرونا، وحصلت أعطال تقنية وتأخيرات واسعة في خطوط رئيسية.
وأيقظت هذه الوقائع صوراً قديمة في الذاكرة الجماعية، من بينها حادث أنغرويس عام 2013، وكوارث سبقت ذلك بعقود، وتركت جميعها أثراً دائماً في علاقة المجتمع بالقطار.
تبدو محطات القطار في إسبانيا هذه الأيام مرايا للقلق اليومي: حقائب تتدحرج ببطء على البلاط، وعيون تتابع الشاشات الإلكترونية بتركيز شديد. يكفي إعلان عن تأخير رحلة كي يتوقّف أشخاص عن السير، يقرأون الشاشة أكثر من مرة، ثم ينظرون حولهم، كأنهم يبحثون عن طمأنة غير مكتوبة. صفارة قطار قادم ترفع مستوى التوتر لدى البعض، وتدفع آخرين إلى إعادة حساباتهم، هل يركبون الآن أم يؤجلون الرحلة؟
في محطة أتوشا بمدريد، تختلط همسات الركاب بصوت الأبواب المعدنية. على الشاشات، تومض أسماء رحلات متأخرة أو ألغيت، إلى الجنوب: إشبيلية، وقرطبة، وغرناطة؛ وإلى الشمال: برشلونة وغاليسيا وغيرها. بعض الوجوه غارقة في شاشات الهواتف، تتابع أخباراً عاجلة أو مقاطع مصوّرة من حوادث سابقة. الخوف هنا لا يظهر في صراخ أو احتجاج، إنما في سكون ثقيل يضيع في ضباب دخان السجائر الإلكترونية.
تمسك فتاةٌ تذكرتها بيد مشدودة. تتردد في ركوب القطار القادم. أمامها رجل يتكلم عبر الهاتف مع صديقته. يقول: "هناك تأخير في القطار. سأطلب قهوة وأنتظر". على بعد خطوات، يقف رجل في منتصف الأربعينات يراجع قراره. يقول: "ظننت أن الأمر سينتهي سريعاً، لكن الأخبار تتابعت"، ويصف شعوره كأنّ أساس الثقة الذي تراكم عبر سنوات انهار في أيام قليلة. بالنسبة له كان القطار دائماً الخيار الأكثر طمأنينة، أكثر قابلية للتوقّع، وأقل إثارة للقلق.
لا يرتبط هذا التحوّل في المزاج العام بالأرقام وحدها، فالمعطيات الرسمية تظهر أن السكك الحديدية لا تزال من أكثر وسائل النقل أماناً في البلاد. وخلال عام 2023، سُجّلت 22 وفاة مرتبطة بحوادث قطارات، مقابل أكثر من 1800 على الطرقات، لكن الذاكرة الجماعية لا تتعامل مع الأرقام ببرود إحصائي. حادث واسع التغطية قادر على زعزعة إحساس الأمان الذي بُني على سنوات من الاعتياد.
قالت أنخيلا وصديقها دانيال اللذان نجوا من حادث عام 2023، لـ"العربي الجديد": "كنا نجلس في العربة السابعة من القطار المغادر من مدريد. نزلنا في محطة صغيرة في قرطبة قبل سبع دقائق فقط من لحظة الاصطدام. سبع دقائق فصلت بين الحياة والموت"، وتقول أنخيلا: "لم يغادر الخوف جسدي منذ ذلك اليوم. أفكّر في الوجوه التي كانت معنا في العربة، في الناس الذين واصلوا الرحلة"، أمّا دانيال فيقول: "نحن بخير، لكننا لا نستطيع التوقف عن التفكير في الآخرين وفي ما حدث".
تتردّد مثل هذه القصص اليوم في المحطات، وعلى الأرصفة، وفي المقاهي القريبة من خطوط السكك. نجاة عشوائية، تأخّر دقائق، أو تغيير مقعد، تحوّلت إلى عناصر يعيد الناس من خلالها قراءة رحلاتهم اليومية، وكأنّ كل تفصيل بات قابلاً لأن يصنع فرقاً مصيرياً.
الصدمة الجماعية
تقول آنا إيزابيل فرنانديز، الباحثة النفسية والمتخصّصة في اضطرابات القلق، لـ"العربي الجديد": "تحتاج الصدمة الجماعية إلى وقت كي تهدأ. يُطيل تكرار مشاهدة الصور وسماع الشهادات أمد التوتر، ويجعل المحطات مسرحاً لمشاعر مشتركة، فالناس يراقبون بعضهم البعض، ويتبادلون القلق دون كلام. ما يجري هو أحد أشكال القلق الاجتماعي الذي يتغذى من الخوف المتداول".
يتقاطع هذا القلق مع سياق أوسع. الأسابيع الماضية شهدت إضرابات في قطاع النقل، وتقليصاً للسرعات على بعض خطوط القطارات فائقة السرعة لأسباب تقنية، ما عزز شعوراً عاماً بعدم الاستقرار. كل تأخير جديد، وكل إعلان عن عطل مفاجئ، يضيف طبقة أخرى من التوتر إلى علاقة كانت تقوم على الانتظام والدقة.
موظفو شركة رينفي للقطارات يلاحظون التغيّر يومياً. يقول ميغيل سانشيز، وهو موظف خدمة، لـ"العربي الجديد": "كانت محطات القطارات مليئة بالضجيج والحديث والناس، لكنها تبدو اليوم أكثر صمتاً، وأقل كثافة وحضوراً". يصف المشهد كأنّ كلّ مسافر يعيش رحلته داخل دائرة مغلقة، يراقب التفاصيل بعين مختلفة.
في بلد يعتمد فيه ملايين الأشخاص على القطار للتنقل بين المدن وضواحيها، لا يبقى هذا القلق شأناً فردياً. من يواصل السفر يحاول التكيّف، ومن يؤجل رحلته يرسم حدوداً نفسية جديدة، وكلاهما يعيد صياغة علاقته بهذه الوسيلة التي شكّلت طويلاً جزءاً من الحياة اليومية.
وبين المحطات الحزينة والقطارات القادمة أو الذاهبة، والوجوه المتردّدة، والحقائب التي تتدحرج، ينعكس المجتمع الإسباني في لحظة إنسانية كثيفة. وخطوة بعد خطوة، يقترب الركاب من القطار القادم وقبل أن تفتح البوابة. يسأل الجميع: هل سأعود اليوم إلى البيت؟