محطات القطار... شرايين المغرب التي تتجدد كل يوم
استمع إلى الملخص
- يواجه المسافرون تحديات تأخر مواعيد القطارات، مما يؤثر على حياتهم اليومية ويسبب توتراً، وقد شهدت المحاكم قضايا تعويضات، مما يبرز الحاجة لتحسين دقة المواعيد.
- محطة الوازيس، افتتحت في 2005، تخفف الضغط عن المحطات الرئيسية وتقدم تجربة سفر مريحة، مع تحدي تحقيق منظومة نقل مستدامة وفعالة.
كانت الساعة تقترب من الثامنة صباحاً بمحطة القطار الدار البيضاء الميناء في المغرب حين نزلت أربعينية مسرعة من سيارة الأجرة الصغيرة، تحمل حقيبةً صغيرةً على كتفها، وباليد الأخرى تمسك هاتفها النقال. ملامحها لا تحمل دهشة المسافرين الجدد، بل ألفة من اعتاد الممرات والأرصفة ومواعيد الانطلاق. في باحة المحطة، مسافرون من مختلف الفئات العمرية يجرّون حقائبهم أو "التروتينيت" الكهربائية، وآخرون يقفون في طوابير أمام شبابيك الحجز، بينما يتردد عبر مكبرات الصوت نداء الرحلات القادمة والمغادرة، معلناً دورةً جديدةً من السفر الذي لا ينتهي.
تقول الأربعينية وهي تراقب الساعة بنظرة معتادة: "أتنقل كل يوم إلى الرباط منذ خمس سنوات، حتى وجوه المسافرين ومراقبي التذاكر صارت مألوفة لديّ. وكأننا عائلة صغيرة تلتقي كل صباح على رصيف واحد".
وراء هذا المشهد اليومي، تكشف محطات القطار في المغرب عن نبض المدن وإيقاعها المتسارع. فهي ليست مجرد نقاط عبور نحو وجهات مختلفة، بل فضاءات تختزل حياةً كاملةً في لحظات الانتظار والرحيل واللقاء. إنها من أكثر المرافق حيويةً، إذ تمرّ عبرها يومياً آلاف الوجوه من مختلف الفئات والمستويات، طلبة وموظفون، سياح وعابرون، مهاجرون وباحثون عن فرص جديدة.
تعد محطة الدار البيضاء الميناء (Casa-Port) من بين المحطات الرئيسية في المدينة، فهي تبدو بشكلها الجديد كصالة مطار صغيرة: مقاهٍ عصرية ومطاعم وأماكن للتسوق، إلى جانب كراسي مريحة للاستراحة وآلات لتوزيع تذاكر السفر. كما تتوفر على ست سكك حديدية وأربعة أرصفة، ما يجعل منها شرياناً نابضاً يخدم خطوط الضواحي والمسافات الطويلة.
تقول موظفة بإحدى شركات التأمين في الرباط وهي تنتظر القطار: "من يسافر يومياً يعرف جيداً معاناة تأخر القطارات. تصل في الوقت المحدد، ومع ذلك قد يتأخر القطار بسبب الأشغال أو أسباب أخرى لا نُبلّغ بها مسبقاً. في البداية، كان الأمر يزعجني، لكنني تعودت على هذا الإيقاع، فـ a navette أصبحت جزءاً من روتيني اليومي مثل المكتب تماماً".
داخل المحطة، يتوزع الموظفون بزيهم الموحد كخلية نحل، منهم مراقبو التذاكر، ومنهم الساهرون على خدمة المسافرين ومنحهم التذاكر، ومنهم المكلفون ببطائق الانخراط وغيرهم من المتعاملين مع التدفق المستمر من الركاب.
يستقبل شباك التذاكر المئات يومياً، بعضهم يسرع للوصول إلى غايته، وآخرون يسألون عن مواعيد القطارات بتوتر. رغم ضغط العمل، يسعى الموظفون لتوفير تجربة تنقل سلسة. ووفقاً لإحصائيات رسمية للمكتب الوطني للسكك الحديدية، فإن عدد المسافرين الذين اختاروا التنقل عبر القطار في المغرب تجاوز خلال سنة 2024 حاجز 55 مليون شخص، مسجلاً بذلك ارتفاعاً بنسبة 4% مقارنة بسنة 2023.
تعكس هذه الأرقام حجم الحركة اليومية التي تشهدها المحطات الكبرى منذ ساعات الصباح الأولى. في بهو محطة الدار البيضاء المسافرين (Casa Voyageurs)، يتجسد هذا الزخم في طوابير أمام مكاتب شراء التذاكر، ومسافرين يراجعون شاشات المواعيد بترقب، وآخرين يسارعون الخطى للحاق بقطاراتهم التي على وشك الانطلاق. وداخل المقاهي تنبعث رائحة القهوة وتتداخل الأصوات لتشكّل لوحةً حيةً، حيث يحمل كل مسافر قصته الخاصة في رحلة قصيرة أو طويلة.
يوضح عبد القادر، أستاذ وباحث في التاريخ: "تمتد جذور هذه المحطة إلى عام 1923، خلال فترة الحماية الفرنسية، وكانت لمدة طويلة محطة رئيسية للمسافرين. قبل أن تحل محلها المحطة الجديدة المجاورة التي تم تدشينها سنة 2018، تحوّل المكان إلى مجمع حضري عصري يضم متاجر ومقاهي ومطاعم، بعد إعادة تهيئته لاستقبال قطارات البراق فائقة السرعة على خط الدار البيضاء - الرباط - القنيطرة - طنجة، وقطارات الأطلس المتجهة إلى مدن مثل طنجة ومراكش ومكناس وفاس ووجدة وخريبكة، بالإضافة إلى خدمات محلية تربط المحطة بمطار محمد الخامس والجديدة".
يضيف: "أتنقل يومياً بين الدار البيضاء والجديدة، في الحركة ضرورة عمل ومتعة لا تخلو من التعب. وكما وصف جمال الغيطاني القطارات ذات مرة، فإنها "تمضي هادرةً، مختالةً، لكنها على القضبان وحيدةً، في الخلاء منطلقة بمفردها مهما ثقلت الحمول، لا تدوم الصلة إلا مقدار لقاء العجلات بالقضبان عند اكتمال السرعة"، وهذا بالضبط ما أشعر به خلال رحلاتي اليومية".
بدورها توضح الخمسينية القادمة من طنجة على متن قطار البراق فائق السرعة متجهة لعيادة قريبها المريض: "في السابق، كنا نضطر لقطع أكثر من ثلاث ساعات للوصول إلى الوجهة، إضافةً إلى التنقل بواسطة سيارة الأجرة للوصول إلى المكان المقصود. أما اليوم، فتستغرق الرحلة ساعتين وعشر دقائق فقط، ما يوفر علينا عناءً طويلاً ويجعل السفر أكثر راحةً وسهولةً".
في حي الوازيس الهادئ، افتُتحت محطة القطار سنة 2005 لتخفيف الضغط عن محطتي الميناء والمسافرين. وباتت اليوم تشكل نقطةً استراتيجيةً هامةً أيضاً للنقل اليومي. يصرّح مهاجر من إحدى الدول الأفريقية: "أسافر اليوم من حي الوازيس بالدار البيضاء إلى مراكش لاكتشاف المدينة والاستمتاع بأسواقها القديمة وأزقتها الضيقة ومعالمها التاريخية والأثرية ذات الشهرة العالمية.
محطة الوازيس جعلت بداية رحلتي سهلةً ومريحةً، فهي صغيرة ومنظمة، والموظفون ودودون ويساعدون المسافرين على استخراج التذاكر بسرعة. هذه أول تجربة لي في التنقل عبر القطار هنا، وأشعر بأن كل شيء يسير بسلاسة".
في المقابل، تُعد مشكلة انتظام مواعيد القطارات من أبرز التحديات التي تواجه المسافرين اليوميين، إذ تترك أثراً مباشراً على تفاصيل حياتهم، سواء تعلق الأمر بالوصول إلى العمل أو بالمواعيد الطبية أو بالامتحانات الجامعية. تقول آية، طالبة في كلية الحقوق: "أحياناً أصل متأخرةً عن محاضرات مهمة بسبب اضطراب في مواعيد الرحلات، وهناك طلبة ضاع منهم وقت امتحانات حاسمة، وآخرون فاتهم حضور جلسات بالمحاكم. القاسم المشترك بيننا جميعاً ليس في الوقت الضائع فقط، بل في التوتر الناتج عن غياب المعلومة، وعن الشعور بالعجز أمام وضع لا نتحكم فيه".
وتشير في هذا السياق إلى أن القضاء المغربي انتصر مؤخراً لإحدى المحاميات، إذ قضت المحكمة التجارية بمراكش بإلزام المكتب الوطني للسكك الحديدية بأداء تعويض قدره عشرة آلاف درهم لفائدتها، بعد تأخر القطار المتجه من مراكش إلى الرباط مدة ساعة وربع ساعة عن موعد الوصول المحدد في التذكرة، معتبرة أن "أشغال الصيانة، رغم أهميتها، لا تندرج ضمن القوة القاهرة أو الحادث الفجائي المعفيين من المسؤولية".
ولا يختلف الوضع بالنسبة للمرضى أو من لديهم مواعيد طبية. يقول أحمد المتجه من الرباط إلى مستشفى بالدار البيضاء: "كثيراً ما يتسبب اضطراب المواعيد في ضياع مواعيدي الطبية، فأجد نفسي مضطراً للدخول في ماراثون جديد لحجز موعد آخر. أشعر بالتوتر والضغط، خصوصاً بعد العملية الجراحية التي أجريتها في القلب. وأعتقد أن هذا الإحساس مشترك بين كثير من الركاب، خاصة مع غياب التواصل حول أسباب التأخير أو المدة المحتملة للانتظار".
بين صفير القطارات ووقع الخطى المستعجلة، تعيش هذه المحطات بين طموحين: الرغبة في إرساء منظومة نقل مستدام، مهيكل وذي أثر اجتماعي واقتصادي وبيئي ملموس، والتأخر الذي يرهق يوميات المسافرين في فضاءات تعج بالحياة، وتختزل يوميات المسافرين في ترحالهم الدائم بين العلم والعمل والتطبيب والبحث عن أفق جديد يتمثل في اكتساب المعارف وتحقيق مساحات التواصل مع الذات والآخر.