محاولات لتجاوز أزمة تراجع معدلات الخصوبة في تركيا

27 نوفمبر 2025   |  آخر تحديث: 01:03 (توقيت القدس)
يفضل الكثير من الأتراك الاكتفاء بطفل واحد (صالح زكي أوغلو/ الأناضول)
+ الخط -

استمع إلى الملخص

اظهر الملخص
- تواجه تركيا أزمة ديموغرافية بسبب انخفاض معدلات الخصوبة إلى 1.48%، مما يهدد خطط الحكومة لزيادة عدد السكان رغم جهودها لتعزيز الولادات.
- يعزو الأفراد مثل المهندس ألتاي مصطفى زاده والمحاسب حسن غوندوز تفضيلهم لإنجاب عدد أقل من الأطفال إلى ارتفاع تكاليف المعيشة ومتطلبات الحياة الحديثة.
- يرى الخبراء أن التحضر السريع والتغيرات الثقافية والاقتصادية هي الأسباب الرئيسية لانخفاض معدلات النمو السكاني، ويقترحون تقديم حوافز للإنجاب لمواجهة المشكلة.

تنذر معدلات الخصوبة المنخفضة في تركيا بأزمة ديموغرافية مع العزوف عن الإنجاب أو الاكتفاء بطفل واحد، ما يبدد خطط الحكومة لتعزيز الولادات.

رغم مساعي الحكومة التركية المتواصلة منذ سنوات لتشجيع الأسر على الإنجاب وإعداد خطط لدعمها، إلّا أنّ تركيا تعاني من معدلات خصوبة منخفضة تبلغ 1.48% متراجعةً عن المستويات الطبيعية التي تبلغ 2.10%، ما انعكس ارتفاعاً طفيفاً في عدد السكان، رغم تمسّك الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، برغبته في أن تنجب العائلة الواحدة ثلاثة أطفال على الأقل، وإطلاق تسمية "عام الأسرة" على العام الحالي.

وأعلنت هيئة الإحصاء التركية، الاثنين الماضي، بلوغ عدد سكان تركيا 85 مليوناً و980 ألفاً و654 نسمة، بحلول الأول من أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، مرتفعاً بما قدره 315 ألفاً و710 أشخاص، إذ بلغت نسبة الذكور 50.02% فيما بلغت نسبة الإناث 49.98%.

وقال الرئيس أردوغان

في 20 نوفمبر/ تشرين الثاني، خلال "منتدى العائلة والثقافة والفن" في العاصمة أنقرة، إن عدد السكان يزداد، لكن معدل النمو السكاني آخذ في التناقص، ومعدل الخصوبة الكلي أقل من مستوى الإحلال السكاني، واصفاً ذلك بأن البلاد "تمرّ حالياً بكارثة، وناقوس الخطر يدق بشدة".

يتحدث المهندس التركي ألتاي مصطفى زاده عن اكتفائه بطفلته الوحيدة، ميراي، من دون رغبته وزوجته في إنجاب مزيد من الأطفال، ويقول لـ"العربي الجديد" إن سبب ذلك "ارتفاع معايير مستوى المعيشة وظروف الحياة كثيراً في إسطنبول وكبريات المدن، إذ بات تلقّي خدمات متميزة أمراً مكلفاً، سواء لناحية الإقامة ضمن المجمعات السكنية الحديثة، أو لناحية تكاليف الصحة والتعليم".

ويشير إلى أن هذه التغيرات "لم يرافقها تقدم كبير على صعيد الرواتب، وصار التفكير بمستقبل الأولاد أمراً يشغل بال الأهالي، مع استغراق الرعاية وتوفير متطلبات الحياة جهداً كبيراً بين ساعات العمل المعتادة، وعطلة نهاية الأسبوع والمشاركة في الهوايات والتسوّق وحفلات أعياد الميلاد، وما يرافقها من مصاريف الترتيب والتحضير وشراء الهدايا. ولهذا من الأفضل أن يكون عدد الأولاد قليلاً لنوفّر لهم مستوى معيشة مميزاً من التعليم والمعاهد والدورات التعليمية والنوادي الرياضية، وغيرها من متطلبات اللباس والرعاية الصحية".

وسبق أن أعلنت أنقرة في مايو/ أيار الماضي، أنّ السنوات العشر المقبلة هي "عقد الأسرة والسكان". لكن المؤشرات والأرقام تظهر معدلات لا تسير بالتوازي مع آمال الحكومة، ويعود ذلك لأسباب اجتماعية واقتصادية، مرتبطة بالتغيّرات التي طرأت على نمط الحياة ومتطلباتها، وصعوبة مواجهة رفاهية الحياة من رعاية صحية وتعليم، فضلاً عن مفاهيم الحياة الحديثة، والنظر إلى المجتمعات الغربية والقياس عليها لجهة الحقوق والحريات، ومجموعة أخرى من الأسباب، من بينها الحداثة القائمة على مفهومَي الفردية وعدم تكوين أسرة، وتأثر الإنجاب بعمل المرأة المُرهق.

وأقر الرئيس التركي في وقت سابق، بسعي حكومي لتقديم دعم أكبر للشباب المُقبلين على الزواج، مع تعزيز إعانات الأمومة، كما أطلقت وزارة الأسرة والخدمات الاجتماعية العام الماضي منصة إلكترونية تهدف إلى تسهيل وتسريع عملية التقدم للحصول على قروض الزواج ضمن مشروع "صندوق الأسرة والشباب".

الصورة
تراجع مقلق بالولادات، إسطنبول، 18 سبتمبر 2025 (هاكان أكغون/ الأناضول)
تراجع مقلق في الولادات، إسطنبول، 18 سبتمبر 2025 (هاكان أكغون/ الأناضول)

من إسطنبول، يؤكد المحاسب حسن غوندوز، عدم رغبته في إنجاب مزيد من الأطفال، وأنه متفرغ للاعتناء بابنه، ويقول لـ"العربي الجديد": "صارت متطلبات الأولاد كثيرة في مدينتنا الكبيرة، حيث الازدحام في الطرقات وساعات العمل الطويلة، والرواتب التي لم تواكب التضخم، ما أدّى إلى عزوف الآباء والأمهات عن إنجاب مزيد من الأطفال"، ويتابع: "أفكّر فقط بمستقبل ابني الوحيد وتلبية كل حاجاته ومتطلباته، ورعايته كي يتلقى تعليماً مناسباً، وصولاً إلى التعليم الجامعي، وهذا كل ما يشغل بالنا خلال العمل وبعده وفي عطلة نهاية الأسبوع، ولا نملك متّسعاً من الوقت ولا حتى المال الكافي للعناية بمزيد من الأولاد".

وتتداخل العوامل الاجتماعية والاقتصادية التي تركت آثارها على العائلات، إذ تقدمت تركيا في مجال رفاهية الحياة مع ارتفاع مستوى التعليم، وتطور الخدمات، واقترابها من المعايير الأوروبية في مرحلة السعي للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، لكن جائحة "كوفيد - 19" تركت آثارها الاقتصادية على نحوٍ ملموس، ما انعكس على الواقع الاجتماعي، وأدّى إلى صعوبات في تلبية متطلبات الحياة.

وعن أسباب هذا التراجع والمخاطر المترتبة عن انخفاض تسارع النمو السكاني، يقول الكاتب إلياس كلج أصلان لـ"العربي الجديد"، إنّ "السبب الأساسي لانخفاض النمو السكاني هو التحضّر المتسارع، فالتغيّرات الثقافية والواقع الاقتصادي الناتج عن التحضر يجعل إنجاب المزيد من الأطفال أمراً غير ملزمٍ، كما تضاءل الاعتقاد السائد بأنّ إنجاب طفلين أو ثلاثة على الأكثر هو السمة المميزة للثقافة، ما أدى إلى انخفاض النمو السكاني على نحوٍ ملحوظ يهدّد بالمخاطر".

ويرى أصلان أنّ "مكافحة انخفاض معدل الولادات مسألة ممكنة عبر التحول الجذري في النظرة الثقافية، وإيلاء الاهتمام للجانب الاقتصادي، إذ قد تكون حوافز الإنجاب الأداة الأهم، لأنّ الأسر تكافح من أجل تغطية نفقاتها، وغالباً ما تخشى إنجاب طفلٍ ثانٍ أو ثالثٍ، وما يرافقه من تكبّد نفقات الدراسة وغيرها". لافتاً إلى أن تغيير النظرة الثقافية من عدد أقل من الأطفال إلى عدد أكبر سيستغرق وقتاً طويلاً، كما أن "الدعم الحكومي غير كافٍ، لكن بالنظر إلى الوضع الاقتصادي العام للبلاد، تبرز على نحوٍ واضح صعوبة ترجمة خطة التشجيع على الإنجاب، ما يعني أن تركيا ستواجه انخفاضاً في معدل الولادات وارتفاعاً في أعداد كبار السنّ لفترة من الوقت". 

وفي ما يخص الحلول المرتبطة بسياسات الهجرة والتجنيس، يقول أصلان: "يمكن لسياسات استقدام وتجنيس اللاجئين أن تساهم جزئياً في استقرار النمو السكاني. وبالنظر إلى التركيبة السكانية الحالية لتركيا، فإنّنا نشهد هذا الوضع منذ 150 عاماً، إذ إنّه منذ العام 1878 شهدت تركيا تدفق مهاجرين باستمرار، تارةً من خلال هجرات واسعة النطاق من منطقة البلقان بسبب الحروب، وتارةً أخرى من خلال هجرات أقل حجماً في القرن العشرين. وكانت هناك في المقابل هجرات من تركيا إلى الخارج، مثل تدفق العمّال نحو أوروبا. رغم ذلك، لا يمكن لسياسة الاعتماد على اللاجئين أن تكون أداةً أساسية للحفاظ على النمو السكاني".

المساهمون