محاكمة المافيا... "عائلات" إيطاليا مستمرة في أعمالها

26 يناير 2021
الصورة
أسماء ضحايا المافيا على درج في فييستي بجنوب إيطاليا (ستيوارت فرانكلين/ Getty)
+ الخط -

انطلقت قبل أيام محاكمات أكثر من 350 عضواً في أشهر عصابات المافيا الإيطالية، وعلى رأسها شبكة عصابة "ندرانغيتا"، وهي المحاكمة الأضخم منذ 30 عاماً. وبحسب المدعي العام في القضية، نيكولا غراتيري، الذي عاش ثلاثة عقود بحماية أمنية بعد محاولات عدة لاغتياله، فإنّ شبكة عصابة "ندرانغيتا" وحدها مسؤولة عن أعمال إجرامية منظمة تقدّر سنوياً بنحو 50 مليار يورو "فهي من أثرى عصابات العالم"، وفقاً لغراتيري (62 عاماً)، وهو يلاحق هذه العصابات منذ كان في الثانية والثلاثين من عمره. نقلت وسائل إعلام إيطالية وأوروبية عن هذا المدعي العام في القضية أنّ الأمر "يتعلق بأعمال إجرامية منظمة تشمل جنسيات مختلفة وتقوم على بناء هرمي، ورغم ذلك فسيتم محاكمة الجميع على الجرائم نفسها من دون اعتبار لموقع عضو المافيا في التنظيم الهرمي".
وتعتبر "ندرانغيتا" من أكبر عائلات المافيا في أوروبا، فهي تضم مئات الأعضاء من عشائر مختلفة تجمعها مصالح مشتركة. وهي على العكس من العصابات الأخرى، كمافيا صقلية "كوسا نوسترا" في باليرمو، أو مافيا نابولي "كامورا" تنتشر في معظم الأراضي الإيطالية، بل لها علاقات متشعبة بعصابات أخرى في أوروبا. والاهتمام المحلي والأوروبي ببدء محاكمة مئات أعضاء مافيا "ندرانغيتا" يأتي بسبب طبيعة أعمالها العابرة للحدود الإيطالية، ولانتشارها وتغلغلها في مختلف الأعمال، بما فيها ما لا يرتبط في الظاهر بعالم الجريمة. وما يميز هذه العصابة أنّها، وفقاً لتقديرات السلطات والادعاء العام الإيطالي، لا تقوم على العشائرية، بل تولي اهتماماً كبيراً لما يسمى "رابطة الدم" باعتبارها "تحمي العشيرة وأنشطتها، في مجال الابتزاز والاتجار بالبشر وتهريب الكوكايين من أميركا الجنوبية نحو أوروبا"، وفقاً للادعاء العام يوم 14 يناير/ كانون الثاني الجاري. 
ويتضح من تفاصيل عمل المافيا، التي تتخذ من كالابريا نقطة تجنيد للأعضاء، أنّها توسعت في أعمالها إلى أبعد من التقليدية في التهريب والربا غير الشرعي والدعارة، إذ أسست شركات مشروعة وضمت رجال أعمال لإعادة تدوير أموالها ومكاسبها غير المشروعة في الدورة الاقتصادية للمجتمعات. ووفقاً للتقديرات التي كشفت مع انطلاق المحاكمة الأضخم للمئات دفعة واحدة، فإنّ نحو 150 عائلة تشترك تحت مظلة عصابة "ندرانغيتا" في كالابريا، وتهيمن فيها مجموعة "مانكوسو" المافيوزية، وينتشر 6 آلاف من الأعضاء في مختلف الشركات والأعمال، وتضم مجندين حول العالم.
الاتهامات الرئيسية الموجهة للشبكة تتعلق بالقتل والشروع في القتل والابتزاز وجرائم المخدرات واستغلال المناصب والربا غير الشرعي، ومعظم من يجلسون اليوم أمام القضاة بحراسة مشددة، ممن يبلغ عددهم 355 شخصاً، هم في أغلبيتهم من مجموعة كالابريا. ومن بين أشهر المتهمين رئيس مجموعة "مانكوسو" لويجي مانكوسو، الذي سجن لمدة عشرين سنة، منذ عام 1993 حتى 2012، وثمة متهمون آخرون يعرفون بألقاب مثل "آلذب" و"فاتي" و"ليتل جوت" و"بلوندي"، وهؤلاء من رؤساء المافيا التي صدعت رؤوس مشرعي البلاد.
وتجرى المحاكمات الحالية في بلدة لاميزيا تيرمي، في قلب منطقة ندرانغيتا، التي صنفها تقرير برلماني في 2008 على أنّها المنطقة الأكثر احتضاناً للجريمة المنظمة، إذ سجلت فيها أكثر عمليات إراقة الدماء. ومن بين المتهمين، الذين أوقفوا في 2019 في أكبر عملية أمنية منسقة شملت إيطاليا ودولاً أوروبية أخرى، في المحاكمة الكبرى على مدى 3 عقود، وتضم القائمة سياسيين، وعضواً سابق في البرلمان، ومسؤولين حكوميين، ورجال أعمال، وضابط شرطة كبيراً، ورؤساء بلديات، ويشهد في القضية نحو 900 شاهد، من بينهم شهود ملك أعضاء في العصابات. 

نيكولا غراتيري يخوض حرباً طويلة الأمد ضد المافيا (جيانلوكا تشينينيا/ فرانس برس)
نيكولا غراتيري يخوض حرباً طويلة الأمد ضد المافيا (جيانلوكا تشينينيا/ فرانس برس)

وكانت إيطاليا قد شهدت سابقاً محاكمة كبرى ضد عائلة "كوستا نوسترا" الصقلية، والتي عرفت أوروبياً باسم "ماكسي ترايل" بين 1986 و1987، وشملت أكثر من 300 عضو، وأدت إلى نتائج دموية قتلت فيها المافيا المدعيين العامين جيوفاني فالكوني وباولو بورسليلنو.
يعتبر أستاذ العلوم الجنائية في جامعة "أوكسفورد" البريطانية، فريدريكو فاريسي، مؤلف كتاب "حياة المافيا"، أنّ القضية الجديدة تكشف مدى "نفوذ وتأثير وسيطرة عائلة المافيا ندرانغيتا في المجتمع الإيطالي، بما فيه مجتمع المال والأعمال، وتغلغلها في شركات مشروعة وأخرى غير قانونية". وعن تفاصيل هذا النفوذ، بحسب فاريسي، فإنّ عمل المافيا يشمل كلّ شيء، فمن سيطرة مناطقية إلى التدخل في كلّ صغيرة وكبيرة، تبدو أصابعهم واضحة: "إذا كنت تريد البدء بعمل، كفتح محل تجاري وإقامة مشروع بناء، فلا بدّ من أن تمرّ الأعمال من خلالهم... القضية ببساطة تسلط وتحكم". 
ولا تقتصر مسائل النفوذ على الداخل الإيطالي، فقد ثارت قبل سنوات قليلة في الدنمارك احتجاجات من اليسار الدنماركي بعد الكشف عن صلات للمافيا بمشروع بناء قطار خفيف في محافظة آرهوس. وعلى الرغم من أنّ الكشف وصل إلى حدّ أنّ "الشركة الإيطالية المنفذة للمشروع منع عمالها حتى من تناول الطعام المحلي، وكانوا يُرشدون إلى تناول البيتزا من مطاعم محددة تستورد الطحين والمواد الأولية من مخازن تسيطر عليها المافيا في إيطاليا"، بحسب شهادة نقابي دنماركي لـ"العربي الجديد" قاد مع مجموعة شبابية محاولة وقف الشركة الإيطالية عن تنفيذ المشروع الذي تأخر افتتاحه حتى 2019 بدلاً من 2017. 
ولا يقتصر النفوذ والابتزاز في داخل إيطاليا على شركات محلية، فشركة "إيكيا" السويدية للمفروشات والأدوات المنزلية والمكتبية أكدت، بحسب شهادات في الصحف السويدية والدنماركية، تعرض فروعها الإيطالية لابتزاز المافيا. وتستند أعمال مافيا "ندرانغيتا" إ‘لى اختراق للشركات والمؤسسات، ومعظم القطاع العام، بما فيه القطاع الصحي والأمني وحتى القضائي، والتدخل حتى في مسائل الدفن للتكسب من هذا العمل. 

وكانت جائحة كورونا قد كشفت عن استغلال المافيا الإيطالية، بما فيها شبكة "ندرانغيتا"، أزمة روما مع الجائحة في بداية الانتشار في ربيع 2020. وكشفت صحيفة "لا ريبوبليكا" عن الاستغلال الذي وصل إلى حدّ ادعاء عصابات المافيا تبرعها بمبالغ هائلة لتلميع صورتها بين الإيطاليين في عزّ أزمة القطاع الصحي. 
وحذر رئيس الشرطة الوطنية لمناهضة المافيا، فيدريكو كافييرو راهو، من تلك التبرعات في حديثه للصحافة الإيطالية، معتبراً أنّ "من السذاجة الاعتقاد أنّ المسألة مرتبطة بمساعدة وسخاء، فهؤلاء لا يدفعون إلا لأنّهم يخططون للاستفادة من ذلك". 
وكشفت تقارير في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي أنّ عائلات المافيا في طول البلاد وعرضها تستغل بالفعل كورونا للتربح. ففي الجنوب، استغل رجال المافيا الإغلاق وأقاموا سوقاً سوداء للعمل في قطاعي المزارع والطعام، بطريقة وصفتها الصحافة الإيطالية بـ"العبودية" من خلال عمل "أسود" (غير قانوني) استغِل فيه مهاجرون سريون وإيطاليون محتاجون. ودخلت المافيا على القطاع الصحي بحجة "التخلص من نفايات كورونا من المستشفيات"، علماً أنّ قطاع النفايات واحد من الأعمال التي تسيطر عليها المافيا في إيطاليا منذ سنوات طويلة. 

اعتقال أحد أعضاء المافيا في كالابريا عام 2019 (ألفونسو دي فينشينزو/ Getty)
اعتقال أحد أعضاء المافيا في كالابريا عام 2019 (ألفونسو دي فينشينزو/ Getty)

وكان المدعي العام، نيكولا غراتيري، قد حذّر مراراً من استغلال المافيا مشاعر الإيطاليين في أزمة كورونا "فمن يقبل مساعدة المافيا عليه أن يدرك أنّه سيدفع لها"، وفقاً لتصريحات نقلتها "لا ريبوبليكا". واستغلت المافيا سوء الأوضاع في مستشفيات الجنوب الإيطالي، مثل نابولي، فذهبت شبكتا مافيا "ندرانغيتا" و"كامورا" للعب على مشاعر الإحباط عند الشارع الإيطالي، ودخلتا على خط احتجاجات أكتوبر/ تشرين الأول الماضي في نابولي ضد استمرار إغلاق المطاعم والمقاهي. 
وكشف رئيس بلدية نابولي، لويجي دي ماغيستريس، لصحيفة "كوريرا ديلا سيرا"، أنّ "المافيا تستغل الحاجات الاجتماعية لأجل مصالحها" مع الأخذ بالاعتبار أنّ الإغلاق لم يصبّ في مصلحة الابتزاز والأعمال التي تتربح منها المافيا الإيطالية، وهو ما أكده أيضاً مسؤول لجنة مكافحة المافيا، نيكولا مورا، باعتبار أنّ المافيا تخسر يومياً الـ30 يورو التي تجمعها في شكل ابتزاز من كلّ متجر ودكان ومقهى ومطعم في مناطق عملها.

وأثناء أزمة كورونا اتضحت مدى سرعة المافيا في استغلال حاجة الناس للمساعدات المالية. فبدلاً من البنوك التي خفضت منح قروض دخلت المافيا على الخط لمنح الناس القروض بفوائد مخفضة "لأجل ربط المزيد من الناس في أعمالها وشرعنة ما تقوم به في منافسة البنوك والقيام بغسل الأموال"، بحسب المدعي العام نيكولا غراتيري لصحيفة "غازيتا ديل سود" في يوليو/ تموز الماضي. 
وبشكل عام، تستغلّ المافيا أزمة كورونا، بحسب المسؤولين عن مكافحتها، لتقديم نفسها "بديلاً عن المؤسسات العامة للدولة، أو على الأقل إقامة شبكات موازية للحكومة". وعلى الرغم من أنّ المحاكمة الكبرى التي انطلقت في 14 يناير/ كانون الثاني الجاري ستستمر لمدة عامين، فإنّ عصابات "ندرانغيتا" و"كامورا" و"كوسا نوسترا" (صقلية) و"سكارا" ما زالت تعمل كأنّ شيئاً لم يحدث.

المساهمون